تعددت الحقول النظرية المعاصرة في تفسيرها للسلوك
الإجرامي عند المرأة، و تعد نظرية ما بعد الحداثة من هاته النظريات التي يسعى
روادها إلى تفسير الظاهرة الإجرامية بعدما
تعرضت النظريات الاجتماعية هي الأخرى إلى انتقادات واسعة و لم تعد تصلح لتفسير ظاهرة
الجريمة .
ظهر تيار ما بعد الحداثة في علم الاجتماع من جراء
التحولات و التغيرات التي شهدتها المجتمعات على جميع الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية و السياسية
تلك التحولات أفرزت معها تغيرات جديدة و واقعية، و التي كان لها الأثر في تغيير في
منظومة الأفكار و الأخلاق و القيم المتعارف عليها والذي تعداه إلى تغير في أدوار كلا من الرجل والمرأة .
''يشير مصطلح ما بعد الحداثة في علم الاجتماع إلى أن العالم الاجتماعي قد شهد تحولات جذرية و أساسية،
و المصطلح بهذا المعنى ليس جديد كل الجد إذ كثير ما كان يشار إليه في كتابات "تويني"
في الخمسينيات، كما لهذا الاتجاه صلة
بتصورات دانيل بيل"Daniel
Bell " لمجتمع ما بعد الصناعي. ''
يعد مفهوم الحداثة من المفاهيم الحديثة التي دخلت نطاق علم الإجتماع كما
اطلقت تسمية ما بعد الحداثة على المجتمعات الحالية التي تعرف التنوع و التعقد
والتجديد و التحضر الزائد و التغير في الأنماط السلوكية و المواقف و المعارف و
القيم و الأدوار.
مجتمع ما
بعد الحداثة يتسم بدرجة عالية من التعدد و التنوع، وكما يقول مجموعة من المنظرين الحداثين أننا
نعيش في عالم يتشكل و يعاد تشكيله باستمرار أين تصاعدت مستويات المرونة و التنوع و
التباين و الحراك و الإتصال و اللامركزية، و في تلك الأثناء تتعرض هوياتنا و
مشاعرنا و مواقفنا الذاتية لسلسة من التحولات، إننا نمر من مرحلة انتقالية إلى عصر جديد.
و إذا
ما رجعنا إلى تفسيرات ما بعد الحداثة لظاهرة إجرام المرأة ترى أن المجتمعات نهاية
القرن الماضي تتميز بالتعقد الحياة و تغير في الأدوار و المكانة كما تتسم باللاترابط
و الصراع و التفكك، ففي هذه الوضعية لم يعد بإمكاننا الحديث عن مجموعات محددة و إهمال
مجموعات أخرى، إن ما بعد الحداثة لا تبحث في مجال واحد دون المجالات الأخرى بل
تبحث في متغيرات عدة مشتركة، وعليه تفسير إجرام المرأة في إطار نظريات ما بعد
الحداثة لا يمكن ارجاعه إلى عامل واحد دون
العوامل الأخرى، كما أنها لا تعترف بنتائج التي توصلوا إليه من قبل .
و
يقول في هذا الصدد "فريديرك جيمسون" ويؤكد أن ما بعد الحداثة هي رد فعل
على ما قبلها، بحيث أن ما بعد الحداثة تتوحد
برغم تعدد مجالاتها و أساليبها تحت
شعار الرفض لما هو معترف به و مقنن.''
كما ترى النظريات ما بعد الحداثة أن الرجال و النساء
ينقسمون إلى متغيرات كثيرة كالعمر و الطبقة و الجنس، و أنه يمكن استخدام مفاهيم
الرجال و النساء و لكن بشرط أن تكون ضمن متغيرات الإختلاف و التنوع في إطار
العلاقات الجندرية، و هكذا نجدهم يتجاهلون وجود متغيرات مشتركة مثل الإضطهاد
الجندري أو إضطهاد المرأة تاريخيا.''
وبهذا ترفض نظريات ما بعد الحداثة التفسير الذي يرجع إجرام
المرأة إلى الاختلافات الجندرية، التي حاولت أن تجعل منه تفسيرا عالميا يصلح لكل
المجتمعات، كما ترى نظريات ما بعد الحداثة
أنه لا يمكن اسقاط هذه الأطروحة على كل المجتمعات الحالية التي تتسم بالتغير
والحركية السريعة والاختلاف في الأعراق و الطبقات.
''و قد تصدت الحركات الأنثوية لأفكار ما بعد الحداثة و رأو أن
إهمال أو تجاهل النظريات الرئيسية لبعض المتغيرات مثل الطبقية و الأبوية و كذلك بعض
المفاهيم كالرجال و النساء خطأ يجب
تلافيه.''
كما تنادي نظريات مابعد الحداثة إلى ضرورة التغيير في
المفاهيم واستبدال مثلا الهوية الذكورية والهوية الأنثوية بمفاهيم تجمع كلا منهما واستبدالها
بمفهوم الذكور و الإناث.
كما لم تتوقف
نظريات ما بعد الحداثة على المفاهيم بل تعدت إلى أبعد من ذلك فمثلا نجد "سمارت"
ترفض خوض الحركات النسائية في حقل علم
الجريمة كونه علما مستقلا و قائما على نظريات و مناهج خاصة به، و عليه الخوض في مسائل الجريمة و الإنحراف هي
من اختصاص الباحثين و العلماء علم الاجرام .
على الرغم من الأفكار
التي جاءت بها نظريات ما بعد الحداثة و التي
تعد ثورة على المعارف السابقة إلا أنها مازالت بحاجة ماسة إلى اعادة هيكلة المفاهيم الخاصة بها فنلاحظ عدم
الإتفاق والتجانس في تفسير جرائم المرأة و لعل نظرية النموذج الجندري لجرائم
المرأة والفجوة الجندرية أشمل نظرية تفسر السلوك الإجرامي عند المرأة.
نظرية النموذج الجندري لجرائم المرأة و الفجوة الجندرية
رواد هذه النظرية العالمان داريل ستفنسماير"Darrel Steffensmeir "و ايميلي آلان "Emilie Allan ". يمكن
لهذه النظرية أن تقدم لنا تفسيرات ليس فقط للجرائم الأنثوية وإنما كذلك للجرائم
الذكور، كما تختلف عن النظريات السابقة كونها تقترح أنماط سببية لجرائم المرأة و
التي هي تختلف عن نظريات التي تفسر السلوك الإجرامي النسوي.
أشار العالمان إلى وجود
خمسة مناحي أو سمات حياتية لا تساهم فقط في الحد من جرائم المرأة و لكنها
تساهم في تنميط أو تشكيل تلك الجرائم و هي كالتالي: (1)المعايير الجندرية و(2)
النمو الأخلاقي و الإهتمامات العضوية و(3)الضبط الاجتماعي، (4)القوة الجسدية، (5)
الجنسانية، بحيث تتداخل هذه المناحي و يعزز بعضها البعض و تساهم في الفروق
الجندرية و في الفرص الجنائية و الدافعية و الإطار الجرمي و هذا ما يفسر تدني
جرائم المرأة و خاصة الخطرة منها.
1-المعايير
الجندرية: الإهتمامات التي تتميز بها المرأة هي الواجبات المنزلية كزوجة أو إبنة أو أمًا بمعنى
هناك افتراض مسبق مفاده أن دور المرأة هو التنشئة الاجتماعية، فهوية المرأة مرتبطة
بأسرتها و زوجها و هكذا نجدها تحرص على هذه السمعة العائلية
فلا تجازف في الإساءة إليها ويعد هذا العامل
حصنا منيعا من الوقوع في الجريمة.
2- النمو الأخلاقي و الإهتمامات
العضوية: المرأة غالبا ما تنأى بنفسها بعيدا عن الجريمة وذلك لإدراكها بأهمية
علاقتها مع الآخرين، و هكذا لا نجد المرأة ترتكب سلوكات تؤذي الآخرين.
3- الضبط الاجتماعي: يلعب
الضبط الاجتماعي والإشراف الاجتماعي دورا كبيرا في الحد من التصرف غير الاجتماعي للمرأة،
بحيث تولي الأسرة الأنثى الرقابة و المتابعة أكثر مما توليه لإخوانها الذكور خاصة
في مرحلة الطفولة و المراهقة.
4-القوة الجسدية و العدوان:
تلعب القوة الجسدية مطلبا وظيفيا لإرتكاب معظم الجرائم و هنالك فروق جندرية واضحة
في هذا المجال، علما أن هذا لا يفسر بيولوجيا أو فسيولوجيا و لكن بسبب التنشئة
الاجتماعية إلى حد بعيد.
5-الجنسانية: إن الفروق
الجنسانية التكاثرية (التناسل) و الصور النمطية للمرأة تخلق و تضعف الفرص الجرمية
لديها، فالسعي وراء الجنس المحرم يخلق فرصا مادية للمرأة من خلال ممارسة البغاء.
6-الوصول إلى الفرص الجنائية: لاشك أن المرأة تحظى بفرص
مشروعة في سوق العمل و هذا من شأنه أن يحد من ارتكابها للجريمة، و مع هذا لا يمكن
نفي وجود فرص عمل للمرأة ترتكب من خلالها بعض أنواع الجرائم.
7- الدافعية: إن إحساس
الشخص بالمقدرة على إرتكاب الجريمة قد يدفعه لإرتكابها خاصة إذا ما توافرت الفرصة
المربحة و قلت فرص اعتقاله، فمثلا يخاطر
الذكور سعيا وراء المكانة أو الربح و التنافس و لكن في المقابل نجد المرأة تخاطر
من أجل أسرتها أو لإدامة علاقتها الاجتماعية، فالدافعية الجنائية عند المرأة يتم
كبحها خوفا من التهديد الذي يطال حياتها (كزوجة مثلا).
8- الإطار الجرمي: يلعب
التنظيم الجندري دورا هاما في الإطار الجرمي للرجل و المرأة حتى و إن تم ارتكاب
الجريمة نفسها من قبل الجنسين فسوف نلاحظ فروقا هائلة من حيث وجود الجناة والعلاقة
بين المجني و المجني عليه، و ارتكابه للفعل و الأداة المستخدمة في الجريمة ودرجة
الضرر نظرية و هدف الجريمة .
واذا حاولنا اسقاط هذه النظرية على
مجتمعنا المحلي فإننا نتوصل إلى النتائج التالية:
إن تجاوز المرأة للمعايير الجندرية التي تحدد أدوارها
جعلها تقوم بأنشطة و مهام كانت مقتصرة على الرجال، الأمر الذي جعلها أكثر عرضة
للإنحراف و الجريمة سواء أكانت جانية أو مجني عليها، فإذا كانت مهام المرأة في
المجتمعات التقليدية يقتصر على الإنجاب و التنشئة و مكانها الأساسي البيت أما في
المجتمعات الحديثة فإننا نجدها تشارك و تنافس الرجل في شتى مجالات الحياة بما فيها
الجريمة.
إن المرأة في
المجتمع الجزائري تحظى دائما بقسط وافر من عملية الضبط الإجتماعي بالمقارنة مع
الرجل، و ذلك راجع لاعتبارات جسدية مخافة فقدان العذرية أو الوقوع في حمل خارج
إطار الزواج الأمر الذي يجلب العار و الخزي للعائلة مدى الحياة مهما فعلت لتصحيح و
تغيير صورتها، فنحن في واقعنا الاجتماعي إذا شاهدنا إمرأة معروف عنها الإلتزام و
التدين و حسن الخلق مرة واحدة موضع شبهة
فإنها توصم مدى الحياة، ولكن في المقابل إذا شاهدنا رجل سكير ومنحرف و
يتمتع بأخلاق و سمعة سيئة مرة واحدة شهدناه يرتدي عباءة و يصلي مع الجماعة في
المسجد فإنه يصبح رجل تقي و صالح فعملية الوصم تكون في المرأة أكثر من الرجل وذلك
راجع لإعتبارات جندرية.