- دراسة مصادر تاريخ المقاومة:
نماذج من المصادر الجزائرية
              لا بد علينا من أن نفرق أولا بين المصادر التاريخية، التي كتبها جزائريون بمبادراتهم الخاصة، والمصادر التاريخية التي كتبها ج ازئريون، ولكن بإيعاز أو بدعم من الادارة الاستعمارية أو بطلب من جهات أخرى .[1] نذكر على سبيل المثال : مؤلفات الأمير "عبد القادر"، على غرار "مذكراته" التي كتبها في سجنه بفرنسا(1852-1848)، وقد جاء هذا المؤلف بطلب من بعض أساقفة النصارى، بهدف الاطلاع على الرواية الأخرى لتاريخ ما جرى بين الجزائريين والفرنسيين.[2] وكتاب "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"، الذي ألفه في بروسة بتركيا أثناء إقامته بها سنة ،1855وذلك بطلب من "الجمعية الآسيوية" بباريس، ومصادره في هذه الرسالة "الاحياء" لأبي حامد الغزالي"، وابن خلدون في مقدمته ، و"فخر الدين الرازي" ، تحدث فيه عن المعرفة ، وعن ا لدين الذي هو مصدر من مصادر المعرفة، كما أنه أثنى على العلماء الفرنسيين الذين يعنون عناية شديدة بالعلم العملي التطبيقي.[3] وأنجز الأمير عملا آخر ثالثا وجليلا، ولكن بدون طلب أحد هذه المرة، وهو كتاب "المواقف" من ثلاثة أجزاء[4].
كما ذكر "شارل سان-كلبر" مدير مدرسة قسنطينة، أن من أبرز كتاب مدينة قسنطينة : "الحاج أحمد بن المبارك بن العطار"، من المثقفين التقليديين، شغل منصب عون في المحكمة الشرعية ، وأستاذ بمدرسة سيدي الكتاني التي كانت تحت إدارة "محمد الشاذلي القسنطيني". [5]
       كما ألف "ابن العطار" كتاب في تاريخ قسنطينة العام، سماه : "تاريخ مدينة قسنطينة"، حيث يعود المؤلف إلى المراحل الأولى لتأسيس المدينة، الذي كان على يد القرطاجيين وليس على يد الإمبراطور قسطنطين-حسبه-، كما خص فيه صفحات لوصف المدينة : موقعها وهندستها المعمارية ، وتناول أيضا المراحل التاريخية التي مرت بها، بدء بدخولها تحت سيطرة الموحدين ثم المرينيين، مرورا بالحفصيين، وانتهاء بالأتراك العثمانيين[6] .
وهناك "محمد الصالح بن العنتري"، كاتب مديرية الشؤون العربية التي كانت تحت قيادة المستشرق الضابط "بواسوني"، الذي ألف كتاب عن تاريخ مدينة قسنطينة في العهد العثماني، طبع له بنفس المدينة سنة ،1846وقد سماه : "كتاب الأخبار المبينة لاستيلاء الترك قسنطينة، تناول فيه تاريخ بايات المدينة الذين تعاقبوا عليها، من الباي "فرحات" والى غاية "الحاج أحمد"  [7].1837/1641
لقد أشاد "ابن العنتري" بالحكم الفرنسي، وجرح في حكم الأتراك، وأصدر ضدهم أحكاما جائرة، خاصة "الحاج أحمد باي"، لا يبررها سوى رغبته في التقرب من الحكام الفرنسيين والامتثال لتعليماتهم، والانتقام والتشفي من الحاج أحمد باي الذي قتل والده . وكلفه الضابط "أدلير" بتأليف كتاب عن القحط والمجاعة في قسنطينة، فأنجزه سنة ،1870وسماه : "سنين القحط والمسغبة ببلد قسنطينة" .[8]
       وكلف "شاربونو"، الشيخ "محمد البابوري" بتأليف كتاب عن تاريخ قسنطينة سنة  1848.[9] ومن جهته ألف محمد العربي بن أويس بن محمد بن عبد القادر المعروف بابن خدة  "زهر البساتين في بيان الاسم الأعظم والبراهين" حيث تحدث عن حالة البلاد بعد أن " ُخربت الجزائر وثغر وهران بسبب الروم الفرنسيس... فخلت الأرض من الحكام، وكثر القتل والهرج والخصام، وتعطلت الشرائع وعمت الذرائع، وذلك من عمالة تونس إلى بلاد وجدة، والمؤمن في الحيرة كالشاة في الليلة المطيرة.[10] كما الف الحاج "أحمد باي" بعد استسلامه سنة 1848 بكتابة مذكراته فأنجزها، والنص العربي لهذه المذكرات مفقود، والتعجيم الفرنسي نشره "مارسيل ايمريت" في المجلة الإفريقية سنة 1949، وعربها من جديد الأستاذ "محمد العربي الزبيري"، ونشرها سنة .1973[11]
وتذكر المصادر التاريخية ان الشيخ الحداد قد أملى وصاياه على ابنه سي عزيز في سجن الكدية بقسنطينة سنة 1873 قبل وفاته بأيام، وكتب ابنه "عزيز" مذكرات مطولة له بنفس السجن قبل نفيه إلى كاليدونيا الجديدة في المحيط الهادي.[12]
دون أن ننسى ما كتبه "محمد بن علي التلمساني" عن علماء وهران وتلمسان ، بوحي من والي وهران الفرنسي، وما ترجمه ونشره "محمد بن أبي شنب" لا سيما و"أبو القاسم الحفناوي" لا سيما كتابه "تعريف الخلف برجال السلف"، وغيرهما بتحريض من الحاكم العام "جونار"، وجملة من الباحثين الفرنسيين.[13]
كما تحدث العربي المشرفي صاحب"ياقوتة النسب..." عن الأمير الحاج عبد القادر  اذ ان "ياقوتة النسب..." مصدر أساسي لكل مهتم بجوانب خفية من تاريخ الأمير عبد القادر والمواقف المتخذة منه.[14]
وفيما يلي مسحة شاملة لحضور تاريخ الجزائر في كتابات العربي المشرفي خلال القرن التاسع عشر:
-1
-1ذخيرة الأواخر والأُوْل فيما يتضمن من أخبار الدول:
             ويعتبر من أهم مؤلفات المشرفي وأجلّها قدرا، وهو تأليف يجمع بين التاريخ والرحلة ألفه تلبية لطلب تلميذه و قريبه مصطفى المشرفي. حيث جاء في فاتحة الكتاب ما نصه: "فقد ورد علي مكتوب من لا تسعني مخالفته وتتأكد علي بالقرابة إجابته أن  ضع تقييدا قاصرا على سيرة ملوك الأتراك...كما طلب مني ما نعلمه من سيرة ملوك الدولة العلوية ونسبتهم الشريفة النبوية...فلبيته لما دعاه وأجبته لمسعاه؛ وإن كنت لست أهلا لذلك ولا ممن يسلك أوعر المسالك"" ، وسميته ذخيرة الأواخر والأُول فيما يتضمن من أخبار الدول، وبادرت لامتثال ما به المكتوب ورد لينجز حر ما وعد، وهذا الباعث على تسطير هذه الرسالة ولم أماطل في تسويد أوراق العجالة". [15]
             وقد صنّف المؤلف كتابه على عادة المؤرخين القدامى في مقدمة وستة أبواب وخاتمة. ّ أما المقدمة عرف فيها التاريخ. وقد أوجز في الأبواب الأربعة الأولى منه؛ تاريخ البشرية من آدم عليه السلام إلى ظهور الإسلام.
وأما الباب الخامس فقد أرخ فيه للفترة الممتدة من ظهور الإسلام إلى عصره، وأفرد حيّزا هاما فيه لتاريخ الجزائر وأحوالها خلال العهد التركي ، وعرج على ذكر ثورات درقاوة والتيجانية ونتائجهما على الأوضاع السياسية والاقتصادية للبلاد . كما ذكر مدينة الجزائر وتاريخ بنائها ، ثم تناول مقاومتي الأمير عبد القادر وأولاد سيدي الشيخ . وخصص جزءا من هذا الباب للحديث عن الإفرنج وبعضا من تاريخهم وأعمالهم بالجزائر كإنشاء المدن وتوسيعها وبناء الموانئ وإنشاء الطرقات واستصلاح
الأراضي وإنجازاتهم في قطاع التعليم.
وفي السياق ذاته قدم تراجم وافية لبعض علماء الجزائر خلال هذه الفترة، مثل الحسن بريهمات  وأحمد قدورة  وعلي العمالي ووالده أحميدة العمالي وحمودة القاضي ، وجملة أخرى من العلماء خاصة منهم علماء الأسرة المشرفية وعلماء
مستغانم وتلمسان.  وقد أنهى هذا القسم بخاتمة مطولة تحدث فيها عن أقاليم المغرب الأوسط البحرية والجبلية والصحراوية، واصفا طباع السكان في كل منطقة ومميزاتها الفلاحية وكذا علمائها ومآثرها . ليختم الكتاب كاملا بخاتمة استعرض فيها عددا من مؤلفاته إلى تاريخ انتهائه منه.[16]
-2طرس الأخبار بما جرى آخر الأربعين من القرن الثالث عشر للمسلمين مع الكفار وفي عتو الحاج عبد القادر وأهل دائرته الفجار:
أورده المشرفي ضمن مؤلفاته في الذخيرة .وبناه على مقدمة وسبعة فصول وخاتمة. وقد تناول في الفصل الأول منه سبب ظهور الفرنسيين وغزوهم للجزائر وسبب ظهور جنسهم ، أما في الفصل الثاني فقد تحدث عن السنة التي وقعت فيها الحملة والمعارك الضارية التي دارت بين الأتراك والفرنسيين إلى أن احتلوا مدينة الجزائر ّ ،ليتحدث في الفصل الثالث عن احتلال مدينة وهران والمرسى الكبير وخروج الناس منهما بسببه.
             وأما في الفصل الرابع فتكلم عن نفور المسلمين من أهل غريس وبني عامر ومن والاهم واتفاقهم على قتال العدو ، كما أورد خبر وصول الأمير المغربي إسماعيل إلى تلمسان بعد طلب أهل الغرب البيعة من عبد الرحمن بن هشام. وفي الفصل الخامس تناول مبايعة الأمير عبد القادر على إمارة الجهاد، وذكر عدد الوقائع التي جرت حول الجزائر ووهران ومن مات فيها، حيث نفى في حديثه عن جهاد الأمير عبد القادر أن يكون قد بويع على إمارة الجيش التي هي في نظره تختلف عن مبايعته لإمارة الجهاد ،ثم تعرض لأسباب استيلاء الفرنسيين على الجزائر وسبب تشتيت العربان . لينهي كلامه بالفصل السابع الذي تناول فيه حْكَم من عاير أخاه بالتنصر في الدعوى، وقال له اهجر معي إني مهاجر وإن بقيت فأنت كافر وفي الأخير ذيّل كتابه بخاتمة تحدث فيها عن الإمامة الكبرى وأحكامها.  وعلى العموم فإن طرس الأخبار ومن خلال قراءته والتمعن في مواضيعه وما طرقه المشرفي فيه من أفكار ومعاني يتضح أن مؤلفه كان من دعاة النفوذ الشريفي بالجزائرّ إلا أنه يبقى يتميز بروح خاصة تجرنا إلى القول وكأن مؤلفه وضعه ليدلي بدلوه في الحياة السياسية وقتها.[17]
             من خلال ما سبق يتضح أن المشرفي ساهم بقسط لا يستهان به في التأريخ للوطن الذي فارقه مضطرا على وقع المحن والشدائد سنة ،1844وأدلى بدلوه في الكتابة التاريخية للأحداث التي عاشتها الجزائر خلال القرن التاسع عشر، وترجم
لعلمائها وأعيانها، ودون ملاحظاته ومشاهداته على الجزائر حينما زراها سنة 1849وسنة  1877 توفي رحمه الله سنة 1895 بفاس المغربية و دفن بها [18].




Modifié le: mardi 9 novembre 2021, 22:35