مرحلة اقتصاد السوق 1989-1999
بعد 30 سنة من الإستقلال نستطيع تلخيص على أساس المؤشرات الاقتصادية كل مار عرفه الاقتصاد الجزائري :
* وجود قطاع الصناعات ضخم لكنه يعتمد على أكثر من 80% من المواد الأولية المستورة بالنسبة للقطاعين العام و الخاص ما عدا الصناعات النفطية التي تمثل أكثر من 92 % من الواردات الكلية.
* الاستعمال الضعيف للقدرات الإنتاجية بسبب عدم اتقان التكنولوجية وعدم قابلية الدينار للتحويل مما جعل الدولة بحاجة ماسة إلى العملة الصعبة، مع ضعف القدرة الشرائية .
* ضعف مردودية المحصول الزراعي المتعلقة بوجود سياسة خاطئة بالنسبة للقطاع الزراعي على العموم.
* عدم تنظيم التجارة مما ادى خلق سوق موازي زاد من سوء الوضعية للإقتصادية و المالية (التضخم أي كتلة نقدية تفوق الإنتاج الوطني1)[1] .
* مديونية خارجية مرتفعة بسبب غياب سياسة حقيقية و سوء تسيير الموارد المالية المقترضة، بالإضافة إلى خدمات الديون التي تمتص 4/3 من المداخيل النهائية للواردات .
* عدم مطابقة و تعاقد النظام الجبائي .
عرفت العشرية الأخيرة من القرن الماضي مرحلة خطيرة، لم تعرف أبدا البلاد انزلا قات كالتي عرفتها خلال هذه الحقبة، فالأوضاع السياسية الغير مستقرة أثرت بصورة سلبية على كل الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية .
لقد عاش الاقتصاد الوطني خلال هذه المرحلة هزات عدة جاءت نتيجة تخريب العديد من ممتلكات الدولة كحرق المصانع، هجرة الإطارات و الكوادر من جهة , وإفلاس المؤسسات وغلقها، وكذا تسريح عمالها من جهة أخرى . ولكن رغم هذا و ذاك بقيت الدولة صامدة أمام هذا الوضـع، و استمر مسؤولي القطاعات الاقتصادية في اتباع أنظمة جديدة تخرج البلاد من الأزمة، وفي سنة 1990 أصدرت الدولة قانون 90/10 الخاص بالقرض والنقد و بموجبه أنشئ مجلس النقد والقرض والذي يعتبر مجلس إدارة البنك المركزي، فمن خلال هذا القانون (كان أول قانون صدر في تلك المرحلة) أرادت الدولة أن تبرز نية توجهها السياسي نحو ما يسمي باقتصاد السوق economie de marche .فقانون 90/10 مهد الطريق لإصدار قانون 93/12 والذي بموجبه أصبح المستثمر حر وله امتيازات وتشجيعات ويسمي هذا القانون بقانون الاستثمارات[2] 1.
ويمكن القول أن قانون 90/10 جاء بتسهيلات و امتيازات للمستثمرين الخواص إلا أنها لم تكن واضحة وبصدور قانون 93/12 اتضحت الصورة والسبل أمام المستثمرين الخواص حيث يسمح هذا القانون بترقية الاستثمار بصورة أوسع .
و هكذا دخلت الجزائر في عملية تعديل وتغيير لتشريعاتها الاقتصادية و هذا تماشيا والمحيط الاقتصادي باعتبار أنها انتقلت من الاقتصاد المغلق إلى الاقتصاد المفتوح، وكمثال عن هذه التغيرات إصدار قانون تجاري جديد، قانون الإجراءات المدنية مع الأجانب، قانون البورصة للقيم ...الخ.
إن هذه التعديلات جاءت نتيجة وجود قوانين غير كافية لتشجيع جلب الاستثمارات المحـلية و الأجنبية الضرورية لإرساء قاعدة اقتصاد السوق، ولتفسير واقع التسيير للمؤسسات الجزائرية سيتم التركيز على أربعة مستويات .
1 – مستويات الاقتصاد الوطني : يمكن دراسة مستويات الاقتصاد الوطني من خلال ما يلي :
أ – مستوى الاقتصاد الكلي : عرفت المؤسسات الجزائرية منذ الاستقلال توجها نحو سياسية اجتماعية هدفها الأساسي الإنتاج من جهة، و امتصاص أكبر قدر من اليد العاملة النشيطة من جهة أخرى . هذا الأسلوب المقرر مركزيا لم يكن يوما في مصلحة المؤسسة الجزائرية التي انعد مت فيها كل الأساليب التقنية المتعلقة بالمفهوم الحقيقي الاقتصاد منها :
* تحديد اليد العاملة .
* استعمال المحاسبة العامة والتحليلية لمعرفة المركز المالي للمؤسسة .
* تحديد كمية الإنتاج ونوعيته .
* استراتيجية الإنتاج والأرباح على المدى القصير، المتوسط والطويل.
* تحديد ديون ومستحقات المؤسسة .
* دراسة السوق أي معرفة نوعية وكمية المنتوج المطلوب ( قانون العرض والطلب ).
إن هذه التقنيات ضرورية لاستمرارية حياة المؤسسات ولكنها انعدمت خلال السنوات السابقة بسبب القرارات المركزية وما زاد الطين بلة هو نقص الوعي الاقتصادي لدى الطبقة العاملة فبدأت ظاهرة عدم الانضباط في العمل من حيث الوقت ( الغياب، الدوران ) بالإضافة إلى عدم المحافظة على ممتلكات المؤسسة كالآلات والمعدات ...الخ . دون أن ننسى أن نلفت النظر إلى أن المنتوج الجزائري رغم الكمية الهائلة إلا أن الجودة والنوعية كانت ناقصة، عفوا منعدمة بسبب غياب الدراسات عند إنشاء المؤسسات التي تقوم بخلق المنتوج أي القيمة المضافة . فقد أوكلت مهمة إنشاء المؤسسات إلى شركات دول أجنبية جلبت إلينا تكنولوجيا قديمة technologie dépasser ، وهذا ما جعل المنتوج الجزائري لا يستطيع أن ينافس على الإطلاق ولو بنسبة قليلة أي منتوج عالمي . ورغم قرارات الدولة بعدم السماح للمنتجات الأجنبية باكتساح الأسواق المحلية إلا أن هذا المنتوج يختـق الحدود و يباع في السوق السوداء . و يمكن التعرض الى مؤشرات مختلفة لدراسة هذا المستوى :
- الصـــادرات : اشتهرت الجزائر منذ الاستقلال و لا تزال بأنها من بين اكبر الدول المصدرة للبترول و الغاز الطبيعي وتحتل نسبة كبيرة تقدر ب %98 أما الباقي %02 يعود إلى منتجات أخرى كالحوامض ... و غيرها[3] 1.
إن هذه النسبة تظهر و بشكل مخيف إن مستقبل الجزائر الاقتصادي في خطر فاعتماد الدولة يرتكز بشكل أساسي على عائدات النفط و التي تباع كمواد أولـية و بأثمان زهيدة، وان باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى كزراعة و الصناعة و الخدمات، السياحة ........ الخ و كأنها غير موجودة فعوض أن تكون هده القطاعات منتجة أصبحت مستهلكة .
لم تكن الدولة تول أي اهتمام لعدم نجاعة القطاعات الأخرى و كان ارتكازها طبيعيا على قطاع المحروقات و لكنها تفطنت حينما عرف العالم أزمة 1986 و انخفضت أسعار البرميل الواحد من البترول انخفاضا محسوسا فمن 40$ إلى 13$ ، فنقصت إيرادات الدولة، و بالتالي بدأت تبحث عن سبل تنعش بها القطاعات الاقتصادية الأخرى للزيادة من إيراداتها من جهة و لمواجهة الأزمات النفطية في المستقبل من جهة أخرى .
- الــواردات : خلال الحقبة الأخيرة كانت الجزائر دولة استهلاكية اكثر منها منتجة، و هذا ما جعلها تستورد المنتجات التي تفتقر إليها خاصة المواد الغذائية و المواد الأولية .
وقد جاءت الإصلاحات الجبائية بهدف تشجيع الاستثمارات الخاصة و تنمية الصادرات، حيث أن إحداث الضريبة على القيمة المضافة TVA أكد ذلك لانه من جهة يفتح المجال أمام العمل المغاربي المشترك عن طريق التناسق بين الضرائب في هذه الأقطار و يسهل عملية التبادل الصناعي و الـتجاري و عليه فهذه الضريبة تعفي عملية البيع و الصنع التي تتعلق بالبضائع المصدرة و تشجيعها للصادرات .
- المديــونية : ارتفعت مديونية الجزائر و ارتفعت معها خدمات الديون، و أصبحت الدولة تواجه شبحا اسمه المديونية. إلا أن الحكومة أعلنت في نوفمبر 2001 على لسان رئيسها السيد علي بن فليس رئيس الحكومة أخبارا سارة تؤكد على أن رقم المديونية يستـمر في الانخـفاض و قد بلـغ حيينها 22,5 مليار دولار .
- التضخم : إن التضخم المالي في الجزائر عرف أزمة نقدية و التي جاءت نتيجة انخفاض أسعار النفط فسمحت الدولة بإصدار النقود بدون مقابل " الإنتاج، الاحتياطي من الذهب " فمع أواخـر الثمانينات أعلنت الجهات الرسمية على أن هناك كتلة نقدية تقارب 50 مليار دينار متداولة في السوق بدون مقابل . و هذا التضخم أرادت الدولة أن تتخلص منه مع بداية التسعينات فأعلنت عن سياسة انخفاض قيمة العملةDévaluation du dinars . و بدأت السوق الوطنية خلال هذه الفترة تعرف اضطرابات يعبر عنها على الخصوص الوضع الحاد لتضخم الأسعار التي ارتفعت خاصة المواد الغذائية في 1986 بمعدل% 576.
وهـذا رغـم سياسة إسناد أسعار مواد الاستهلاك الأساسية التي خصصتها الدولة في تلك السنة(80 م.دينار) [4]، وفي الحقيقة إن التضخم مس جميع المواد الاستهلاكية بدرجات متفاوتة و قد قدم جهاز التخطيط رقم متوسط للتضخم للسنوات الآتية:
-1987-1985 1,9 %سنويا
- 1990 3,16 % سنويا
-1991 4,24 %سنويا
لا شك أن هذا التضخم يدل على الحالة الناذرة للمنتوجات و هي وليدة عجز في الإنتاج مع ضعف الإمكانيات المستوردة من السلع على سند الطلب الوطني و هو وضعية أزمة اقتصادية نتج عنها بروز مظاهر الاقتصاد الغير رسمي الذي يشكل سياسة المضاربة عبر شبكة أو إدارة الوسطاء .
و بالنسبة للمؤسسات العمومية الجزائرية فقد عرفت عدة تقلبات و اضطرابات راجعة للأسباب التالية :
* سوء النظام الاقتصادي و السياسي.
* سوء تسيير المؤسسات و تطبيق تقنيات البرنامج المسطر لها من طرف الدولة.
* سوء الاختيارات الاستثمارية و عدم ملائمة التحويلات.
* ضعف المردود المالي للقطاع العام و ضعف الرقابة.
* ارتفاع المديونية و اختلال موازين مدفوعاتها.
ومؤخرا تسعى الحكومة إلى تقليص التضخم و هذا ما أكده رئيسها حيث أعلن أن احيتاطات الصرف فاقت 18 مليار دولار[5] 1.
ب – مستوى الاقتصاد الجزئي : إن دخول الجزائر إلى مرحلة اقتصاد السوق حتم عليها إدخال العديد من التعديلات و التغيرات القانونية لتسهيل عملية الاقتصاد الحر الذي يتطلب إرساء قواعد مثل المنافسة، الخوصصة، حرية التجارة ........الخ .
من اجل ذلك سـعت سيــاسة الدولة ٌلإنشاء المؤسـسات الصغيرة و المتوسطة P.M.E
(petites, moyenne Entreprises ) و قد كانت الاتصالات حثيثة من أجل نظام أساسي لتحفيز الاستثمار المقرر من المشرع الجزائري كالتالي :
ففي مجال ترقية الاستثمار و خلق قدرة تشغيل الشباب و في انتظار فائدة من ذلك، فهناك نظامين لتحفيز الاستثمار .
1/ نظام ترقية الاستثمار : إن المرسوم التشريعي رقم 93/12 المؤرخ جاء بثلاث أنظمة مشجعة هي :
النظام العام : هو مرتبط بقرار وكالة ترقية الاستثمار (APSI) المقرر من المنشور التشريعي رقم 17-08 و يقضي بالإعفاء من حقوق الملكيات بجميع المنشآت العقارية في اطار الاستثمارات، تطبيق القانون المثبت و المحدد ب 5% للمواد المسجلة للنشاطات المؤسسة و التي تؤدي الى ارتفاع رأس المال و التصريح الضريبي للرسم على القيمة المضافة و تقديم الخدمات في الواقع الاستثمار .
2/ نظام المناطق الريفية : يتكامل لترقية المناطق للتوسع الاقتصادي (ZEE) و هدا الارتباط متساوي بقرار (APSI) و هذا يوضح النظام العام مع الإيجابيات المرتبطة بمرحلة الاستغلال من المرسوم 21-22 و يقضي بالاعفاء IBS,VF,TAP لمدة تتراوح ما بين خمس سنوات إلى عشر سنوات، و حتى 31/12/1998 كان التخفيض بـ 50 % من المعدل بالنسبة (IBS) و هذا مقرر بمنشور 49 من قانون المالية لسنة 1999 .
نظام منطقة التبادل الحر: مواصفته هي مواصفات النظام الجبائي الجمركي و الإعفاءات المرتبطة بطبيعة النشاط يخضع لمجموعة من الضرائب و هذا المفهوم مقسم إلى مجموعة من المنتجات المتشابهة الواردة للنشاطات الممارسة في المناطق المذكورة أعلاه المادة 28 للمرسوم ( 93/11) و قد نص هذا القانون على أن تكون الإعفاءات الضريبية والرسوم ملغاة بالنسبة النقل السياحي المستغل، الإيرادات الناتجة عن النشاط الاقتصادي معفية من الضرائب، و كذا دخل الأشخاص الأجانب المستخدمين استثمار النشاط في مناطق التــبادل الحر و تكون نسبة الإعفاء 20 % .1 [6]