الترجمة قديمة كقدم تعدد ألسنة البشر، وقد عرفها الإنسان القديم و الحديث، غير أن أداءها و تقنياتها ووسائلها اختلفت، كما اختلفت ثقافة الإنسان ووسائله.
ولا شك أنه يصعب علينا استقصاء تاريخها، فالترجمة الشفوية سابقة للترجمة الكتابية، والتأريخ للترجمة يستند على الترجمة الكتابية فقط. إذ وجدت آثار مترجمة من اللغة السمارية إلى لغات جنوب غرب آسيا.وقد يزعم البعض، أحيانا، أن الترجمة أقدم مهنة عرفها الإنسان. وهو زعم لا يخلو من نصيب من الحقيقة. وبداية من عهد بابل، وما كان من نقوش إليفانتين، وحجر رشيد الذي اهتدى به شامبوليون إلى فك مستغلقات الكتابات الهيروغليفية، في عام 1822.
ولقد عرف العرب الترجمة فأحصى اللغويون الدخبل من لغات العجم في لسان العرب حتى في العصر الجاهلي، وقد استشهدوا بلك على مخالطة العرب للعجم ووجود الترجمة بينهم. حيث يقول
السيوطي في المزهر
قوله : " كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على
اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعاً وأبينها إبانة عما في النفس، والذين- عنهم
نُقلت اللغة العربية وبهم اقتُديَ، وعنهم أُخذ اللسان العربي من قبائل العرب هم :
قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في
الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن
غيرهم من سائر قبائلهم .
وبالجملة فإنه لم يؤخذ
عن حضري قط ، ولا عن سكان البراري ممن يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم
الذين حولهم ، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ، ولا من جذام ، لمجاورتهم أهل مصر والقبط
ولا من قضاعة ، وغسان ، وإياد لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرءون
بالعبرانية ، ولا من تغلب واليمن ، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان ، ولا من
بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من أهل اليمن لمجاورتهم للهند والحبشة، ولا من بني
حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين
عندهم ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين
نقلوا اللغة صادفوا حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم ،
وفسدت ألسنتهم" (السيوطي، 1/210)