المدارس التاريخية ،البدايات
Enrolment options
محاضرات في مادة المدارس التاريخية
1-المدرسة الإنسانوية (Humanism):
الإنسانونية فكرة أو مدرسة تجعل من الإنسان محور فلسفتها ومحور اهتمامها ، ظهرت بفعل تطور الوعي الأوربي خلال عصر النهضة منذ القرن 14م،تسعى لبسط سلطان العقل على حساب سلطة الكنيسة ، ومن النظم السياسية الإمبراطورية إلى الدولة الوطنية.
وبناء عليه وبالنظر لأفكارها وأعمالها الثورية في هذا المجال، فقد تراجعت مركزية الدين في تفكير الإنسان الغربي وحلّت محلّها مركزية الإنسان(العقل) نفسه، وهذا لا يعنى بأي حال إنكار الانسانويين لوجود الله ولكن جعل من الإنسان مركز الثقل الرئيسي.
أما على صعيد الفرد والدولة فقد ابرزوا أن الإنسان تحركه نزعة فردانية ، فهو بالطبيعة كائن أناني يقدم مصلحته الشخصية ولكن مستعد للتخلي عن جزء من حريته الشخصية طوعًا للدولة، حتى ولو كان نظامًا استبداديًا مقابل المحافظة على فردانيته المتمثلة في ثروته وعائلته وبدنه، والدولة عند المؤرخ الإنسانوي لا علاقة لها بالدين؛ لأنها تستمدُّ مشروعيتها من الفكر الإنساني لا من الدين، والسياسة مجردة من أي قداسة دينية؛ لأنها فعل إنساني خالص، وترتَّب على هذه النظرة المتمحورة حول الإنسان في الجانب الديني ثورة تمثَّلت في ظهور المذهب البروتستانتي (النقدي)، وتمخض في الاقتصاد النظام الرأسمالي.
ويعتبر نيكوللو ماكيافيللي[1] الفيلسوف الايطالي (ت1527) من اهم مفكري هذه المدرسة ،وقد دعا من خلال كتابه الشهير :"الأمير"[2] الى تجريد السلطة من أي قداسة دينية لان السياسة فعل إنساني خالص وهي بحسبه علم الوصول الى السلطة والاحتفاظ بها بطرق هي مزيج بين اللين والقسوة ومن الكرم والبخل ومن النزاهة والنفاق .
والحق أن أهم عمل سعى إليه المؤرخون الإنسانيون يتمثل في مواجهة زيف الكنيسة وحججها الدينية التي تغطي على جانبها المظلم والاستبدادي الرجعي ،ومن اجل مواجهة هذه المعضلة اتجه هؤلاء للتراث القديم ومنه التراث الديني ،كالتوراة ونصوص العهد القديم لدحض أكاذيب وتأويلات الكنيسة ورجالها .
من توجهات المؤرخ الإنسانوي محاولة الغوص في تاريخ الإنسانية واستلهام التجارب منها ، خاصة من خلال التعمق في النصوص الدينية كالتوراة ومحاولة تأويلها، وتعلقه بالماضي جعله يستنبط علوم جديدة منها كعلم الآثار والمسكوكات والبرديات، والنقوش، كما أن المؤرخ الإنسانوي تخلى عن فكرة «العصر الذهبي»، وهدم الفكرة القائلة بأن الماضي أحسن من الحاضر، والحاضر أحسن من المستقبل، وهي الفكرة السائدة في كل مجتمعات ما قبل الحداثة، بل إنه يرى العكس صوابًا، وابتدأ المؤرخ الإنسانوي كتابته باللاتينية ثم عدل عنها ليكتب باللغات القومية.ودعوا للاهتمام باللغات بما فيها المندثرة كالآرامية والعبرية والإغريقية لدراسة النصوص الدينية ومقارنتها .
2-المدرسة العقلانية (Rationalism)
أدى ظهور الثورة الصناعية وما صاحبها من اكتشاف الاختراعات الحديثة وامتلاك الإنسان للآلة، والإيمان بسلطة العقل ومقاومة الخرافات، والتصدي لرجال الدين واستبداد الحكام،الى تبلور أشكال جديدة من الأنظمة السياسية قائمة على سيادة الشعوب واحترام خياراتها ،بالأخص اثر إصلاحات كرومويل في بريطانيا والثورة الفرنسية في 1789م ، ادى ذلك كله إلى تقدم وتغير في رؤية التاريخ؛ فقد ظهرت المدرسة العقلانية وروادها الذين واكبوا تلك التحولات العميقة بأفكارهم العقلانية .
تخلى مؤرخو المدرسة العقلانية عن استعمال اللغة اللاتينية واعتمدوا في شرح رؤيتهم على اللغات القومية المحلية، ومزجوا بين التاريخ والفلسفة واعتبروهم أمرا واحدا، وأصبح في تفسيرهم للتاريخ يعتمدُ على الرؤية الشاملة، خلافًا للإنسانوي الذي اعتمد على العامل السياسي في تفسير رؤيته، كما استحدث نظامًا جديدًا لتحقيب التاريخ فجعله قديمًا ووسيطًا وحديثًا عكس رجال الدين الذين قسّموه لتاريخ وثني وتاريخ مسيحي.
ومن مواطن قصور العقلانية العداء الشديد لرجال الدين والبابوية، وغلبت بلاغة العقلانيين على مضمونهم التاريخي، ومن أهم المؤرخين المعبرين عن العقلانية فولتير، وإدوارد جيبون، وسان سيمون.
3-المدرسة الرومنطقية (Romanticism)
ظهرت هذه المدرسة بداية في ألمانيا،التي كانت مجزاة وتسعى للم شملها وتحقيق وحدتها ، واستلهمت أفكارها من مبادئ الثورة الفرنسية منذ 1789م وما صاحبها من تحرر جذري من الأنظمة الإقطاعية والارستقراطية ، فاعتبرها البعض فتحًا لقرن الحرية، واعتبرها البعض الآخر وبالاً أصاب أوروبا، فأقام الحروب، وخرب الديار والعمران.
وبين تلك النظرة وسابقتها نضجت الفكرة الرومنطيقية والتي تكونت هذه المرة من جهود مؤرخين ينتمون لطبقة النبلاء؛ لذا وجدوا في العصر الفيودالي -عصر السيد الإقطاعي والأقنان- مبتغى دراستهم، فاستعادوا الذكريات مع الحروب الصليبية، ومغامرات النبلاء الفرنسان، ومجَّدوا الطبقة المعدمة، وكرهوا الطبقة البرجوزاية الحاكمة في تلك الفترة، وتميّزوا بكتابة التاريخ بشمولية، فأرخوا للفن والاقتصاد والثقافة، وكانت لغتهم الشعرية هي ما جذَبت القراء لقرائتها وانتشارها بين العوام، وأرادوا من كتابتهم أن يُكتب التاريخ مجردًا من التحليل والتفسير.
لكن من مواطن قصور الرومنطيقيين التركيز الشديد على اختيار الأحداث السياسية الملهبة للحماس والإثارة لجذب القارئ، وطغيان اللغة الشعرية على المضمون التاريخي، وتضخّم الأنا في كتاباتهم،من أشهر مؤرخيها شيلنغ وهردر، وفيخته، وغوته[3]، وأوغستان تياري،وشاتو بريان.
[1] -نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي (: Niccolò di Bernardo dei Machiavelli) 3( مايو 1469 - 21 يونيو 1527 )ولد وتوفي في فلورنسا، كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة. أصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير، والذي كان عملاً هدف مكيافيلي منه أن يكتب نصائح لـلحاكم ، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية. ولقد فُصلت نظريات مكيافيلي في القرن العشرين.المرجع : https://ar.wikipedia.org/wiki/
[2] -للمزيد ينظر :مكيافيللي ، الأمير ،تر:اكرم مؤمن ، مكتبة ابن سينا ، القاهرة ، مصر،2008 .
[3] -يوهان فولفغانغ فون غوته (بالألمانية: Johann Wolfgang von Goethe) (28 أغسطس 1749 - 22 مارس 1832) هو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، والذي ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية،. وما زال التاريخ الأدبي يتذكره بأعماله الخالدة التي ما زالت أرفف المكتبات في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها، وقد تنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر وأبدع في كل منهم، واهتم بالثقافة والأدب الشرقيين، واطلع على العديد من الكتب فكان واسع الأفق مقبلاً على العلم، متعمقاً في دراساته.
ونظراً للمكانة الأدبية التي مثلها غوته تم إطلاق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في شتى أنحاء العالم وهو "معهد غوته"، والذي يعد المركز الثقافي الوحيد لجمهورية ألمانيا الاتحادية الذي يمتد نشاطه على مستوى العالم.
- Teacher: M'hamed DRAOUI