الشعر الجزائري المعاصر
Topic outline
-
السلام عليكم معشر طلبة السنة الثانية ماستر تخصص أدب جزائري، إليكم محتوى مادة الشعر الجزائري المعاصر.
-
* محتوى المادة :
1. مدخل إلى الشعر الجزائري المعاصر
2. الحداثة والمعاصرة
3. بواكير الشعر الجزائري المعاصر
4. اتجاهات الشعر الجزائري المعاصر:
أ- مرحلة السبعينات والوعي الإيديولوجي ب- اتجاهات شعر الشباب في مرحلة الثمانينات
ج- شعر الأزمة
5. موضوعات الشعر الجزائري المعاصر
6. الخصائص الفنّيّة للشعر الجزائري المعاصر
7. اللغة الشعرية
8. الموسيقى والصورة
9. قصيدة الومضة
10. معجم القصيدة الجزائرية المعاصرة
11. دلالات الشعر الجزائري المعاصر
12. الذات الجزائرية
13. التراث الأسطوري
14. التراث الشعبي، التراث الديني
1. مدخل إلى الشعر الجزائري المعاصر
2. الحداثة والمعاصرة
3. بواكير الشعر الجزائري المعاصر
4. اتجاهات الشعر الجزائري المعاصر:
أ- مرحلة السبعينات والوعي الإيديولوجي ب- اتجاهات شعر الشباب في مرحلة الثمانينات
ج- شعر الأزمة
5. موضوعات الشعر الجزائري المعاصر
6. الخصائص الفنّيّة للشعر الجزائري المعاصر
7. اللغة الشعرية
8. الموسيقى والصورة
9. قصيدة الومضة
10. معجم القصيدة الجزائرية المعاصرة
11. دلالات الشعر الجزائري المعاصر
12. الذات الجزائرية
13. التراث الأسطوري
14. التراث الشعبي، التراث الديني
الحصة الأولى: مدخل إلى الشعر الجزائري المعاصر
تمهيد:
شكّل التجديد الذي طرأ على الشعر العربي امتداده ليشمل شعر المغرب العربي، إذْ حذا هذا الأخير حذو الشعر العربي في المشرق وسلك مسالكه الإبداعية، واحتضن شعراء المغرب فكرة الخروج عن البنية التقليدية للشعر العربي، لكن الملاحظ هو تأخّر هذه القطيعة مع القديم لأسباب اجتماعية وسياسية وحتى ثقافية وكانت إبداعات المغرب العربي حتى بعد سبعينات القرن الماضي حيث ترسّخت الأجناس الأدبية وأثمرت المثاقفة مع المغرب إلى أنْ أصبحت النهضة الثقافية والقومية في المغرب رائدة للوطن العربي، ومن هذه الحركية النشطة للشعر العربي نالت الجزائر حظّها.
* الشعر الجزائري في مطلع القرن العشرين:
إنّ المتتبّع للحركة التاريخية للشعر الجزائري الحديث يجده ينظم أغراضا تقليدية كالمدح والفخر والهجاء مطلع القرن العشرين، والسبب هو الاستدمار الفرنسي الذي مارس ضغوطه على اللغة العربية والثقافة الإسلامية، ومع هذا فإنّ الوعي الشبابي الجزائري تنامت لديه روح المقاومة السياسية في شتى الميادين الحياتية بحثاّ عن التجديد في كينونة الشعب الجزائري وأدبه الذي بنت محاولات جادّة ملامحه وأعادت للقصيدة رونقها وفصاحتها، بإحياء الماضي وبعث القصيدة العربية بأمجادها.
جُمعت أسماء ناظمي القصيدة العربية الحديثة في- ديوان الشعر الجزائري الحديث- لمحمد الهادي الزاهري، وتجدر الإشارة إلى أنّ اليقظة الفكرية والثقافية في الجزائر قد ارتبطت آنذاك بالفكر الإصلاحي المعتمد في مبادئه على العودة إلى التراث والمنابع الأولى للدين والتاريخ والثقافة العربية الإسلامية، وقد كان الفكر الإصلاحي يدعو إلى الارتباط بالحضارة العربية كردّ فعل ضدّ التيارات الأخرى التي حاولت تغريب المجتمع الجزائري وطمس شخصيته وتمييع مكاسبه التراثية.
ظلّ الشعر الجزائري في تلك الفترة خاضعاً للنمطية التراثية، محافظاً على وحدة البيت وبنيته التقليدية إلى أنْ دعت الحاجة إلى جعل القصيدة العربية منقادة لدواعي النضال والوقوف في وجه الحركات الهدّامة، قادرة على التعبير عن الموضوعات المحدثة، فتنامي الحسّ الوطني بين الجزائريين واتّساع الصلة بين المشرق والمغرب عبر عدّة روافد؛ الهجرة، الصحافة، الحرب... أدّى هذا الأمر إلى إضفاء سمات فنّية حوت في طيّاتها لمسات تجديدية حظي بها الشعر العربي عامة والجزائري خاصة الذي شهد محطّات انطلاق إبداعية استوعب فيها كلّ الإشكالات، فاكتسب نزعتين: * نزعة المحافظة والتقليد * نزعة التجديد التي انحصرت في بعض الشعراء والنقاد المتأثّرين بالاتجاه الرومنسي.
* اتجاهات الشعر الجزائري ( من الحداثة إلى المعاصرة) :
يمكننا القول إنّ الشعر الجزائري قد مرّ في مسيرته التطوّرية بمراحل انتقالية تجديدية قامت بادئ الأمر على أسس المدرسة الإحيائية التي أسّست مبادئها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إذْ تأثّر الشعراء في الجزائر بغيرهم في المشرق كشوقي وحافظ إبراهيم، والرصافي، فنظموا على طرائقهم، وأبدى الشاعر الجزائري رأيه ووقف يناضل وكلّه إصرار عن حقوق شعبه ضدّ الغزاة، وواكب الحركات السياسية والإصلاحية وناقش موضوعات كثيرة؛ الإدماج، الظلم، الفرنسة، تعليم المرأة... كما ركّز على إحياء التراث العربي وأكّد على فكرة العروبة والانتماء الديني الإسلامي .
مع مرور الوقت وتسارع الأحداث أصبحت النزعة التقليدية قاصرة عن احتواء الأوضاع. الأمر الذي أدّى بالشعراء الجزائريين إلى رفض المقاييس التقليدية والثورة عليها بهدف التجديد لإحداث التغيير وتحقيقه وذلك باللجوء إلى النزعة الثورية التمرّديّة المنبثقة عن الفكر الرومنسي الذي تبنّاه الأدباء والنقاد العرب في أربعينيات القرن العشرين، أضف إلى ذلك الاحتكاك بالأدب الفرنسي الرومنسي، ممّا أدّى بالشعراء إلى اكتشاف جوانب جديدة في الشعر قادتهم إلى استحداث نمط ونوع شعري يثري الساحة الأدبية والحياتية بصفة عامة، وهو الشعر الحرّ الذي حرص على تمسّكه بالمذهب الرومنسي العربي كامتداد للإبداع الشعري وضماناً لاستمراريته فقوامه الخروج عن الإطار الشعري التقليدي.
لقد اعتبر الشاعر الجزائري "رمضان حمود" رائد الدعوة التجديدية، فهو أوّل من أقدم على كسر عمود الشعر، وهو أوّل من نشر محاولة في شعر التفعيلة بجريدة وادي ميزاب العدد 95 سنة 1928. لكنّ الشعراء الجزائريين قد تأخّروا في النظم والكتابة على هذا النمط الجديد لذيوع الشعر العمودي بخطابيته الفعّالة، فالمقام كان يستدعي تلك الخطابية، وكذا انحصار اللغة العربية بسبب ضغوطات الاستعمار وانتشار الأمية.
لقد ساعد الشعر الحرّ على الذيوع والانتشار العديد من العوامل، أهمّها : الاطّلاع على الصحافة الأدبية المشرقية، والسفر إلى المشرق للدراسة، ومن الشعراء الجزائريين المتأثّرين بالشعر المهجري والذين حاولوا الكتابة في نمط الحرّ شيخ المؤرّخين الذي حاول كذلك في الأدب "أبو القاسم سعد الله" رحمه الله. وكان لاندلاع ثورة نوفمبر المباركة عميق الأثر في تطوّر هذا النوع الشعري .
*أهمّ المراجع
- الشعر الجزائري الحديث لعبد الله حمادي.
- دراسات في الأدب الجزائري الحديث لأبي القاسم سعد الله.
- في ظلال النصوص ليوسف وغليسي.
-
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة كلية الآداب واللغات قســـــــــــــم اللغـــــــــــة والأدب العــــــــــربــــــي السنة الجامعية : 20212022
مقياس : الشعر الجزائري المعاصر نوع الحصة : محاضرة
الفئة المستهدفة : السنة الثانية ماستر التخصص : أدب جزائري
المدة المخصصة للحصة : ساعة ونصف السداســـــــــي : الثـــالــــث
الأستاذ : بوداني جيلالي djilaliboudani@yahoo.fr
*الحصة الثانية الحداثة والمعاصرة
تمهيد :
إذا تفحّصنا المفهوم اللغوي لكلمة الحداثة، لاعتبرنا كلّ جديد حديث، وإذا رجعنا بأصل الكلمة إلى التاريخ، لاكتشفنا مدى تعلّقها بالحركات الثورية الخارجة عن السلطة في القرن الثاني الهجري في العهد العباسي، فقد كانت السلطة آنذاك تحارب كلّ الحركات الخارجة عنها بما فيها تلك الحركات التي كانت تطالب سياسيا واجتماعيا بالمساواة والعدالة وعدم التفريق بين المسلم والمسلم على أساس الجنس أو اللون، وكانت تعدّها خروجا على الدين وتعدّ ما في جانبها الفكري هرطقة وإلحادا، فكانت تسمّي جميع الذين لا يفكّرون وفقاً لثقافة الخلافة ب "أهل الإحداث"، وعليه فعبارتا المحدث والإحداث الموصوف بهما الشعر دلالة على ذلك الشعر الخارج على الأصول القديمة.
نلاحظ أنّ أصل كلمة الحداثة مرتبط بالجانب الديني، والحداثة تتجاوز حدود الشعر، فهي أزمة هوية ترتبط بصراع داخلي كما ترتبط بصراع المجتمع العربي مع القوى الخارجية.
* مسألة الحداثة العربية :
مع مطلع القرن التاسع عشر، وبعد تعرّض البلاد العربية للغزو الأوروبي، استعيدت مسألة الحداثة بعد الانقطاع عنها بسقوط بغداد والحروب الصليبية والسيطرة العثمانية .
أعيدت المسألة إلى الواجهة في الأدب العربي بعد تعرّض الأمّة العربية للاحتلال الأوروبي، ممّا أدّى إلى ظهور اتجاهين في مجال الأدب والفكر:
- أصولي يرى في الدين وعلوم اللغة العربية قاعدته.
- تجاوزي يرى في العلمانية الأوروبية قاعدته ونموذجه .
وعليه فقد برزت إلى الوجود التيارات المحافظة أو ما يسمّى الاتجاه الإحيائي، ومن جهة أخرى الاتجاه التأثري بالثقافة الغربية، والذي انصهر عنه الاتجاه الرومنسي والواقعي والرمزي...
* الحداثة والشعر الجزائري المعاصر :
نشأ مفهوم الحداثة في رحاب فلسفات وتصوّرات ومذاهب وإيديولوجيات مختلفة، ومن هذه المرجعيات انطلقت مختلف الحداثات الشعرية في العالم، ومنها العالم العربي الذي نال حظّه منها هو كذلك، وقد حظيت مسألة الحداثة بالاهتمام الكبير في مؤلّفات المفكّرين والنقاد والأدباء العرب .
لقد تأثّر الشعر الجزائري بالحداثة وظهر ذلك في عدّة محاولات تكشف عن الخلجات النفسية المضطربة غير المستقرّة، إذْ بدأت بعض المحاولات تصوّر الشعور بالقلق والضياع والاغتراب من حيث الرؤيا الشعرية، والتشكيل الموسيقي؛ فظهرت قضايا مرتبطة بالظلم والتهميش، والاستبداد والجهل، كما ظهر البناء الجديد في شكل وموسيقى القصيدة، على نموذج شعر التفعيلة وقصيدة النثر وغيرها، وقد أبان عن هذا التجديد مجموعة من الشعراء الجزائريين الذين خاضوا في تلك التجربة الشعرية الجديدة وأعلنوا القطيعة بينهم وبين الشعر العمودي، وقد مثّل هؤلاء كلّ من الشاعر عمر آزراج وعبد العالي رزاقي وأحمد حمدي وغيرهم.
وما يلاحظ على إنتاجات هؤلاء هو تأثّر تصوّراتهم ولغتهم وآلياتهم الفنية بمفاهيم الحداثة، ويبدو أنّ الحركة الحداثية في مرحلة تسعينيات القرن الماضي إلى هذه الألفية أسهمت في ذيوع نص شعري منفتح على الحداثة الشعرية العالمية والعربية، نص ينظر في كيفية إحداث توازن بين التراث والحداثة، ولا يدعو إلى القطيعة والانفصال عن أحد الطرفين ولا إلى التقليد والتماثل مع أحدهما أيضاً، نصّ توافقي يحاول الجمع بين الأصالة والمعاصرة في قالب شعري خاص، نصّ يكشف عن إبداع حداثة منتمية برؤيتها الفكرية والجمالية إلى أصولها من خلال استعادتها للمأثور الشعري الحافل بالبلاغة والإعجاز على مدى أكثر من خمسة عشر قرنا، ومن خلال انفتاحها المشروط والواعي (بعدم الانبهار بالمنجز الغربي) لبعث أنفاس تحمل رؤيا توافقية بين الأصل والواقع .
-
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة كلية الآداب واللغات قســـــــــــــم اللغـــــــــــة والأدب العــــــــــربــــــي السنة الجامعية : 2021/2022
مقياس : الشعر الجزائري المعاصر نوع الحصة : محاضرة
الفئة المستهدفة : السنة الثانية ماستر التخصص : أدب جزائري
المدة المخصصة للحصة : ساعة ونصف السداســـــــــي : الثـــالــــث
الأستاذ : بوداني جيلالي djilaliboudani@yahoo.fr
الحصة الثالثة : بواكير الشعر الجزائري المعاصر
تمهيد :
ارتبط الأدب الجزائري الحديث في ميلاده وتطوّره بالاستعمار الفرنسي، إذْ كان هذا الأخير الصدمة أو الشرارة المولِّدة للهمّة المتبلورة في ميلاد الشعور الوطني والقومي والنفور من كلّ ما ينتمي إلى دولة الغزاة، ففي مطلع القرن العشرين جدّت أمور كثيرة في المجتمع الجزائري أعادت الأمل في نفوس الجزائريين، ودبّت الحياة في عروق أُدبائنا فنهضوا يزرعون بذوراً إصلاحية ونضالية ثورية .
* اللبنات الأولى في الشعر الجزائري المعاصر:
استوعبت النخبة المثقّفة قبيل منتصف القرن الماضي مدى حاجة الشعب الجزائري إلى الوعي بعناصر الهوية الوطنية، فانتعشت الساحة الأدبية شعرا ونثراً ومسرحاً وقويت حركة التأليف بالعربية، خاصة بعودة شيوخ الجزائر كالإبراهيمي وابن باديس، والأمير خالد والطيب العقبي... وتوّجت تلك الفترة بإنتاجٍ أدبيٍّ راقٍ، فألّف "الهادي السنوسي" كتاب "شعراء الجزائر في العصر الحاضر" أثبت فيه قصائد ومقطوعات شعرية لما لا يقلّ عن عشرين شاعراً توزّعوا عبر تيارين شعريين: التيار الإحيائي (الإصلاحي)، والتيار التأثري بالاتجاهات الرومنسية الغربية، وفي الحقيقة يعود الفضل والسبق للشاعر رمضان حمود في النظم على طراز قصيدة التفعيلة أو ما يعرف بالشعر الحرّ.
* ارتباط ميلاد الشعر الجزائري المعاصر بالثورة التحريرية:
بتطوّر الأحداث واندلاع الثورة التحريرية سارع الشعراء الجزائريون إلى اعتناق هذه الثورة المباركة وتنافسوا في حمل شعاراتها، وأحسّوا بضرورة مسايرة الحياة المعاصرة خاصة بعد نكسة 08 ماي 1945 التي راح ضحيّتها الآلاف من الأبرياء، الشيء الذي دفع بالشعراء إلى البحث عن قالب فنّي جديد يعبّرون فيه عن روح العصر وكان ذلك القالب هو الشعر الحرّ، وكانت كتابة هذا القالب على أيدي الشعراء الذين رحلوا إلى المشرق قصد الدراسة، إذْ أحدث المشارقة ثورة كبرى في ميدان الشعر، فما كان على الجزائريين سوى احتواء التجربة، ويؤكّد معظم الدارسين على أنّ البداية الحقيقية الجادّة لهذا النوع الشعري كانت مع ظهور أوّل نصّ من الشعر الحرّ في الصحافة الوطنية وهو قصيدة "طريقي" "لأبي القاسم سعد الله" المنشورة في جريدة البصائر بتاريخ 23 مارس 1955 في العدد 313.
يقول الشاعر أبو القاسم سعد الله رحمه الله:
يا رفيقي
لا تلمني عن مروقي
فقد اخترت طريقي
وطريقي كالحياة
شائك الأهداف مجهول السمات
عاصف التيار وحشي النضال
صاخت الأنات عربيد الخيال
كلّ ما فيه جراحات تسيل
وظلام وشكاوى ووحول
تتراوى كطيوف من حتوف
في طريقي
يا رفيقي
(من كتاب: الزمن الأخضر –أبو القاسم سعد الله-)
يقول سعد الله معترفاً بتأثّره بالمشرق : "...غير أنّ اتصالي بالإنتاج العربي القادم من المشرق –ولاسيما- لبنان واطّلاعي على المذاهب الأدبية والمدارس الفكرية والنظريات النقدية حملني على تغيير اتجاهي ومحاولة التخلّص من التقليدية في الشعر." (عبد الله ركيبي: الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى).
لم يكن شعراؤنا بارعين في خوض غمار هذه التجربة في الشعر بسبب عدم اطّلاعهم على أرقى التجارب الشعرية العالمية في هذا اللون بسبب ضعف المستوى (بفعل الاستعمار)، لكن من جهة أخرى هناك عامل ساعد على دفع هذه التجربة إلى الأمام هو بروز بعض المجلاّت العربية التي كانت تدعو إلى الحداثة الشعرية، مثلا مجلّة "الآداب اللبنانية" التي وجد فيها أدباؤنا متنفّسهم فنشروا أعمالهم فيها.
كانت الثورة التحريرية إذاً ملهم الشعراء والأدباء، كُتب عنها الكثير وتغنّى بها كبار الشعراء ممجّدين ومفتخرين، فكتبوا محرّضين على التحرّر مساندين ثورة شعبهم المباركة.
يقول "سعد الله: في قصيدة بعنوان الثورة:
كان حلماً واختمار
وكان لحناً في السنين
كان شوقاً في الصدور
أنْ نرى الأرض تثور
أرضنا بالذات أرض الوادعين
أرضنا السكرى بأفيون الولاء
كان حلماً، كان شوقاً، كان لحناً
غير أنّ الأرض ثارت
والهتافات تعالت
من رصاص الثائرين...
- ومن الشعراء الذين خاضوا هذه التجربة كذلك الشاعر الطبيب الجرّاح "محمد الصالح باوية"، فقد نظم قصيدة بعنوان " الإنسان الكبير" صدرت سنة 1958. يقول فيها:
قال شعبي يوم وحدنا المصير
أنت إنسان كبير
يا جراحي
أوقفي التاريخ، أنا نبع تاريخٍ جديد
يزرع الكون سلاما وابتساما وبطولات شهيد
من ضلوعي من دمي عبر الجزائر
من خطى طفل جريء يحمل المدفع في أرض الجزائر
يا جراحي
في دمي كنز السنابل
ينحني شوقاً إلى صوت المناجل...
(يعبّر الشاعر في قصيدته عن نفسه المحترقة الملتهبة نضالا وتحرّراً)
-نشير كذلك إلى شاعر آخر كانت له بصمته في هذا القالب الشعري الذي تغنّى بالثورة المباركة، وهو الشاعر "محمد بلقاسم خمار" الذي نسج على منوال سابقيْه، إذْ اصطبغ شعره بصبغة النضالية، يقول في قصيدة " منطق الرشاش" :
لا تفكّرْ ..لا تفكّرْ ..
يا لهيب الحرب زمجر .. ثمّ دمّرْ ..
في الذرى السمراء من أرض الجزائر.
لا تفكّرْ ..
(ظلال وأصداء: محمد بلقاسم خمار).
- معظم قصائد هؤلاء الشعراء كانت بمثابة الطلقات السريعة وإيقاعها كان يمتاز بالتوتّر فالسبب هو وصف الحرب لذلك لم يهتمّوا كثيراً بالجانب الفنّي والجمالي للقصيدة .
بعد انتهاء الحرب شهدت الجزائر صمتاً رهيباً في ميدان الشعر لعدّة أسباب منها انصراف بعض الروّاد إلى استكمال دراساتهم العليا والانشغال بالتدريس في الجامعة (سعد الله مثلا أستاذ جامعي، باوية طبيب) كذلك فقدان الصحافة الأدبية، وعدم وجود اتحاد يجمع الأدباء، وقلّة النوادي الثقافية، أضف إلى ذلك أنّ المجتمع الجزائري خرج من الثورة صفر اليدين ثقافياً، وكذلك تلاشي الروح الثورية بعد دحض المستعمر، إلى غاية فترة ما بعد 1968 إذْ عرف الشعر الجزائري استفاقة السبعينات.
-
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة كلية الآداب واللغات قســـــــــــــم اللغـــــــــــة والأدب العــــــــــربــــــي السنة الجامعية : 2021/2022
مقياس : الشعر الجزائري المعاصر نوع الحصة : محاضرة
الفئة المستهدفة : السنة الثانية ماستر التخصص : أدب جزائري
المدة المخصصة للحصة : ساعة ونصف السداســـــــــي : الثـــالــــث
الأستاذ : بوداني جيلالي djilaliboudani@yahoo.fr
الحصة الرابعة اتجاهات الشعر الجزائري المعاصر
*تمهيد :
بعد الركود الذي شهدته الساحة الأدبية والنقدية في الجزائر بعد الاستقلال مباشرة، وبعد أنْ تبنّت الجزائر نظام الاشتراكية اتجاهاً في سياستها، وبعد انتشار الوعي الماركسي لاحت إرهاصات الشعر الجزائري المعاصر .
أ- مرحلة السبعينات والوعي الإيديولوجي :
بفضل تفجّر حركة التغييرات الجذرية في المجتمع الجزائري من تأميم المحروقات، والعلاج المجّاني، والثورة الزراعية، وإنجاز القرى الاشتراكية مطلع سبعينات القرن الماضي أخذت بوادر نهضة ثقافية تظهر إلى الوجود عبر انتشار دور الصحافة والمجلات الأدبية، فنشطت الحركة الأدبية والنقدية، ممّا ساعد على نشر العديد من الأعمال، إذْ نشر الناقد الجزائري "حسن فتح الباب" دراسة قيّمة حول شعر السبعينات في ملحق النادي الأدبي بجريدة الجمهورية التي كانت تصدر بوهران، كما كانت هناك أعمال تنشر في المجاهد الثقافي لعدّة أعلام أدبية ونقدية جزائرية وعلى رأسهم "أبو القاسم سعد الله" و"محمد مصايف" و"عبد الله ركيبي" و"أبو العيد دودو" و"عبد الملك مرتاض" .
بفضل ذلك النشاط برز اتجاهان في حركة الشعر الجزائري السبعيني:
- اتجاه حاول الكتابة في العمودي والحرّ محاولاً التجديد في إطاره وقد مثّله كلّ من "مصطفى محمد الغماري" و"مبروكة بوساحة" و"عبد الله حمادي" و"جميلة زنير"...
- اتجاه آخر أعلن القطيعة مع الشعر العمودي، فبفعل انتشار الوعي الماركسي آنذاك تمّت القطيعة بين بعض الشعراء الشباب وبين الموروث الثقافي والتراث، "إذْ أصبحوا ينظرون إلى كلّ ما له علاقة بالتراث أو الدين نظرة ضيّقة غير موضوعية" ( محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث، ص 173.)، ومثّل ذلك الاتجاه كلّ من "عمر آزراج" و"عبد العالي رزاقي" و"سليمان جوادي" وحتى "أحلام مستغانمي" ...
- تيار آخر ظهر إلى الوجود هو تيار الشعر المنثور "قصيدة النثر" مثّله "عبد الحميد بن هدوقة" (أرواح شاغرة) و"جروة علاوة وهبي"، لكن عمر هذا الاتجاه كان قصيراً، يقول عنه "محمد ناصر" : "...ولا نكاد نجد فيه إنتاجاً يستوجب التقييم أو التنويه لضعفه الفنّي، ولعلّ إمكانية إدراجه في النثر أصوب من إدراجه في الشعر، ذلك لأنّ هذا التيار لم يصادف نجاحاً ولا قبولاً من طرف الشعراء..." (الشعر الجزائري الحديث، ص 184).
وما تجدر الإشارة إليه أنّ قضية التجديد في الأشكال الشعرية عرفت خصاماً وصراعاً كبيرين، من هنا يرى الشاعر "محمد زتيلي" أنّ الحركة الشعرية الشابة وحدها استطاعت أنْ تواكب حركة الأدباء الشباب في الوطن العربي كما أنّها تمكّنت من أنْ تشكّل رافداً جديداً للحركة الشعرية الجديدة، وأنّ سمة التطوّر تطبع هذه الحركة التي تبحث عن الأشكال والرؤى الأكثر ملاءمة للتعبير عن طبيعة المرحلة، وهنا أكّد ما يذهب إليه الشاعر "عمر آزراج" الذي اعتبر أنّ: "ثمّة تجاوز لصالح القصيدة المحدثة في الجزائر، فالشاعر الجديد استقصاء لمعاناة جماعية بصوت فردي خاص، رغم التفاوت الحاصل في تجارب هؤلاء الشعراء الجدد...( من كتاب شخصيات من الأدب الجزائري المعاصر للأديب والناقد السوري "أحمد دوغان" ).
* الإيديولوجيا في النص الشعري السبعيني :
سيطر الخطاب الاشتراكي على المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الجزائر ممّا أثّر على الخطاب الشعري الذي جاء متشبّعاً بالشعارات الإيديولوجية ذات الطابع السياسي والاجتماعي، والمتتبّع لتلك الحركة يجد أنّها تحمل معجماً شعرياً ضخماً عن الشعارات الإيديولوجية السائدة بفعل النظام الاشتراكي ( الفقر، الجوع، العمل، الثورة، العامل، المصنع، الزراعة، الإصلاح...)، فهذه الوحدات اللغوية تشكّل حقلاً دلالياً واحداً هو الاشتراكية.
يقول الناقد "يوسف ناوي" : "ويمكن أنْ نجد في قصائد محمد الصالح باوية عند نهاية الستينات وبداية السبعينات في مجموعته: "أغنيات نضالية" 1971، و"أحمد حمدي" في مجموعته الشعرية الصادرة في السبعينيات تمثّلاً للوعي النضالي الذي استبدّ بالممارسة وجعلها تتغنّى بقيم التحرّر والاشتراكية." (يوسف ناوي، الشعر الحديث في المغرب العربي، ص 37.)، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الصحف الجزائرية، وخاصة الحكومية هي العامل المساعد الأوّل على دعم هذا التوجّه الاشتراكي في الأدب الجزائري آنذاك.
ب/- اتجاهات شعر الشباب في مرحلة الثمانينات :
بعد التمادي في توظيف الشعارات الاشتراكية في الشعر السبعيني، كان من الطبيعي أنْ يحدث ردّ فعل قويّ على تلك الفترة، بعد أنْ لاحظ الأدباء سيطرة الإيديولوجيا واستبدادها ببنية الشعر وموضوعاته وقيمه الجمالية، يقول في هذا الصدد الأستاذ "عبد الحميد هيمة" : "فقد كانت التجربة الشعرية الجزائرية متردّدة بشكل واضح بين الحداثة والتقليد في مرحلة السبعينات، شهدت هذه المرحلة انتفاضة شعرية خاضت تجربة جديدة تستفيد من تراثها وتحاور النص الجديد محاولة إخراج نص يتماشى مع متطلّبات المتلقي." ( من كتاب: عبد الحميد هيمة، علامات في الإبداع الجزائري، ص 69. )
- الملاحظ على النص الشعري الثمانيني هو توفيقه بين التراث والحداثة، كما نجده قد حافظ على الاتجاهين من حيث الشكل العمودي والحرّ.
يقول الدكتور "عبد الحميد هيمة في كتابه" الصورة الفنية في الخطاب الشعري الجزائري المعاصر: " إذا كانت فترة السبعينات قد رفعت شعار القطيعة مع القصيدة العمودية، فإنّ هذه الفترة تمثّل ذلك التواصل مع الموروث."
عرف النص الشعري الثمانيني انفتاحاً على الآخر وعلى التجارب العالمية، كما لم يخف تأثّره بالماضي، ومن الأشياء الملاحظة في الرؤية الشعرية لهذه الفترة طغيان التوتّر وعدم القناعة والرضا بالواقع، ومحاولة استشراق آفاق جديدة، ممّا دفع إلى حدوث انفجار للنص الشعري الجزائري بسبب هذه الرغبة الملحّة، فحاول الشعراء الاشتغال على عنصر اللغة، فهي تمثّل خلقاً فنّياً بذاته يقيم في البناء الشعري، ومن خلال العديد من النماذج تظهر لنا ظاهرة الإيحاء، فكلّ لفظ له بعده الخاص.
يقول الدكتور الشاعر علي ملاحي في قصيدة "مذكرة العشق" :
تناهت إلى قلبها الذكريات
الحقول استراحت إلى الماء في تؤده
سربلت شعرها في لجاج التطلّع، واستنطقت
خصرها المشتهي ...
ما يلاحظ على النص الشعري الجديد هو ظاهرة الغموض، لذا فالقارئ الحداثي يجد نفسه مرغماً على المشاركة في إنتاج المعنى ولا يستهلكه، وهو حين يلتقي بالنص يجب أنْ يكون مثقّفاً حذقاً ليستطيع محاورته، وأنْ يكون متضلّعاً في اللغة متمكّناً من ناصيتها، قادراً على التعامل معها وتأويل معانيها القريبة والبعيدة، ممّا جعل النص الواحد ينطوي على عدّة مستويات من القراءة.
- أصبح النص الشعري الجديد يخاطب ذاتية القارئ، وبما أنّ الشاعر الجديد لم يعدْ ذلك المتفرّج الواصف لأحداث عصره وقضاياه وإنّما حاول تجاوز هذا الواقع والتمرّد عليه، فنتج عن هذا صورُ كثيرة من القلق والضياع والاغتراب والحنين إلى الطفولة.
- يقول الشاعر "محمد بلقاسم خمار":
وطني تركتك مرغمـــاً وتركت فيك سعــــــــادتــــي
ورمى الزمان بمهجتي كالويل في فقر البــــــوادي
حيث التعاسة كالظلام تثيــــــر آلامــــي وبؤســــــي
ولظى السراب ووحشة الآفاق يلهث كالصوادي
فأنا الغريب بوحدتي بالخوف تمضغني الليالي
وأنا الشريد، أنا الشقي أنا المتعذّب في بعـــــادي
الغربة التي يحسّ بها شاعر الثمانينات هي غربة وسط الأهل في حضن الوطن، إذْ يبدو يائساً تائهاً في متاهات الزمن، متسائلاً في حرارة واستنكار عن حاله وسط هذا المجتمع البراغماتي، في دنيا متسارعة الأحداث، ممّا جعله يشعر بالغربة والتهميش، فولّدت تلك الغربة غموضاً في أشعارهم.
- يقول الشاعر "كمال عجالي" في قصيدة "صراع":
أشقّ الدرب
ملحمة الجراح
وأنا غريب
أسائل الدهر وحدي
والدهر أخرس
لا يجيب
وحدي مع الأقدار...
- ويقول الشاعر "حمدي بحري" متّخذاً من الطفولة ملاذاً للهرب، فالطفل يجسّد حلم الفنّان في العودة إلى الزمن الجميل، زمن الغضارة والحرية اللامحدودة:
تفجّر الغصن حمامات
وشدّني الحنين عشيّة لنبعها
راودتها عن حلمها
حاصرني النخيل
وصوتها الجميل
تلملم الفجر عصافيرا تحطّ في يدي
قبّلتها...
- أمّا الشاعر "عبد الله حمادي" فيلجأ إلى الكأس والخمرة، مفرغاً فيها كلّ آلامه، جاعلا منها الأنيس في محنته:
ما دام نهجك للأصل مختطفا
فحلّ عنك جمال الطرف يصيبنا
وعانق الكأس وارفع ثدي غارتها
واحفظ مصابك، واسكر كي تجارينا.
نلاحظ من خلال هذا النص سيطرة النبرة الخطابية.
- ومن المواضيع التي تجلّت في الكثير من القصائد: الحنين إلى الوطن، وتمجيد الثورة والشهداء، يقول الشاعر "عقاب بلخير":
أيّها الوطن المشتعل
بشعاع الأمل
أيّها الوطن المحترق
بلهيب العرق
أنا غزوتك، يا وطني.
بالرغم من الاستقرار الذي كان يسود الوطن إلاّ أنّ الشعر آنذاك جاء معبّراً عن القلق والضياع، عن التهميش والظلم، عن الغربة وهي غربة روحية وسط الأهل والوطن، إلى أنْ جاءت السنون العجاف التي بخلت علينا بأمنها واستقرارها، حتى أصبح الأخ يقتل أخاه، ودخل الوطن في دوّامة التقتيل والتنكيل، والتشريد والتهجير...
- ج / شعر الأزمة في الجزائر :
تفاعل الشاعر الجزائريّ مع محنة بلاده في التسعينات، كلّ بمنظوره الخاص، وقد ظهرت نخبة من الشعراء الجزائريين بعد تلك المرحلة الصعبة تحمل المأساة المتراكمة في الذاكرة، وأنتجت أدباً سمّي بأدب المحنة أو الأدب الاستعجالي إذْ فاضت قرائحهم معبّرةً عن الآلام والمآسي التي عاشها الشاعر ككلّ مواطن جزائري، فقد تكبّد المثقّف في التسعينات كلّ أنواع التحدّيات والصراعات الطويلة والعنيفة مع الكتابة و الأزمة.
أمام ذلك الوضع ظهرت تلك النخبة فتناولت الظاهرة بالوصف والتحليل، فهبّ العديد من الشعراء إلى نظم محاولات شعرية تصوّر واقعهم وتنقل مشاهد الأزمة، وكان أنْ ظهر إلى الوجود شعر جزائري يغلب عليه طابع الحزن والنقد والثورة على الوضع.
كانت المشاهد الدامية تتزاحم على الشعراء فتناولوا القلم للملمة جراح وطنهم مواسين كلّ من عضّته مخالب الأزمة – وإنْ كان كلّ جزائري قد عاش تلك المحنة- فهي أزمة عميقة وجراحها أعظم، ومن تلك الأصوات التي انطلقت آنذاك "عز الدين ميهوبي"، "يوسف شقرة"، "سامية زقاري"، "باديس سرار"، "شارف عمر" وغيرهم نظم هؤلاء قصائد صوّرت مأساة شعبهم، فسمّيت تلك القصائد "القصائد السوداء" لأنّها تعالج مواضيع الألم الذي عاناه المجتمع الجزائري في العشرية السوداء جرّاء ظاهرة الإرهاب وما خلّفته من نكبات وعنف سياسي خطير، فكان شعر الحقبة السوداء مبرِّراً لواقع الأزمة بين التفسير السياسي والاجتماعي والديني والثقافي والاقتصادي، وكان لابدّ للشاعر من صوت وسلاح يدافع به عن ضحايا ذلك الوضع، وكانت القصيدة مشروع مقاومة يحمل خطاباً ذا طابع فنّي جمالي يحمل واقعاً مريراً ويكشف عن خطايا المصاب الجلل.
اتّخذ شعراء القصيدة السوداء من المجلاّت والجرائد (الشروق، الخبر، الشعب، النصر...) منبراً يبوحون فيه عن قرائحهم في ظلّ غياب دور النشر تزامناً مع مرحلة الأزمة، ف"أحمد شنة" مثلاً نظم قصائد ديوانه " طواحين العبث" سنة 1993 لكنّه ظلّ حبيساً لدى صاحبه بسبب ظروف البلاد التي وقفت حاجزاً أمام دور النشر. كانت صور الإبداع الشعري ملاحمَ تملؤها رائحة الجرم والفناء، وكانت الثقافة عموماً ضحيّة الترهيب والإرهاب إذْ أُغلقت دور الثقافة وأُزهِقت أرواح الكثير من شخصياتها.
ومن نماذج أدب المحنة ما جاء على لسان الشاعر "فاتح علاق" الذي عبّر عن حال بلاده الممزّقة بين فصائل متناحرة على مناصب سياسية وبين معتدين على مصالح المواطن البائس المضطهَد الفارّ من الاعتداء فيقول:
هذا الزمن نعل
من كان يؤمن بالهوى قد ضلّ
من كان يعبد عقله فالعقل ظلّ
أو كان يعبد صمته فالصمت تلّ
قُتل الفتى ما أكفره.
(آيات من كتاب السهو)
- أمّا الشاعر "أحمد شنة" فيصف زمن المحنة وما آلت إليه الجزائر من مآسي ومناكب تُسلَّط يومياً على مواطن أعزل، فراح يلعن مرارة الشتات والتمزّق والموت، والدمار، طالباً من شعبه التمرّد علة واقعه والتطلّع إلى أمل النجاة قائلاً :
تكلّمْ ...بما تستطيع
أمام المدينة مات الربيع
وذابت رموش الصبايا
ونامت عيون المطر
فلا تحك بعدي لهذا الصقيع
أساطير شعب جريح
ولا تنتظر
أنْ يعود إلينا القمر
( طواحين العبث، ص 49)
- أصبحت مهمّة الفنّان في ظلّ الأزمة التعبير عن الانفعالات التي يشعر بها وتصوير كلّ مشاهد المحنة التي لمْ يسلم منها حتى الأطفال الذين اُقترفت العديد من الجرائم في حقّهم، فقد تعرّض هؤلاء إلى الكثير من أشكال الذبح والتنكيل وبقر بطون الأمّهات بوحشية، يقول الشاعر "عزّ الدين ميهوبي" في قصيدة "الطفل" :
أبي احكِ أحجية
نعم حبيبي ...
إذن غنِّ لي أغنية
ليتني عندليبا
إذن افتح الباب حتى أرى قمر الصحو
أسأله أمنية
أخاف عليك حبيبي
وممّ تخاف؟
من الصحو
من لحظة الاعتراف
نعم حبيبي، أجلب الكعك لك
سأملأ حيناً يديك
وحيناً فمك
سأحمل كلّ الهدايا
ونتام على فرح من يجيء غداً
أفاق الصبي على دمعة علقت في الزناد
وبقايا أب ...
وراح يفتّش عن أيّ شيء.
- يصوّر الشاعر في هذه المشهد قصة حوارية بين طفل وأبيه (تبدأ بالفرح وتنتهي بالفاجعة : موت الأب ويتم الطفل) في فضاء كلّه دم .
- يقول نفس الشاعر في موضع آخر :
ذبحوا الأجنّة في البطون
خانوا النساء
سرقوا من الشمس الضياء
خطفوا الصفاء من العيون
زرعوا الدمار
لا فرق بين دم وماء
هم يقتلون
وليس يثنيهم ... أحد.
- أمّا الشاعرة "سامية زقاري" فتمضي في رحلة الموت واصفة مأساة جزائر الاستقلال بائحة بجراح الأنثى، قائلة لها :
فآه وآه وآلاف حرقة آه متى دفنها؟
إلى كم سيبقى البلاء؟
أمن صلب غادرٍ يعمّ بأرضي الفناء ؟
فسحقاً إذا ما رغبت بحكم
وبمنطق سارتر الفناء ...
(قصائد معتقة بالأسى)
- أمّا الشاعر "محمد الصالح باوية" فيقول في : "آخر مرثية للوطن : 08/03/1993" مشخّصاً الفاجعة :
صعبٌ عليّ أنْ أقول جملة مفيدة
في زمن اللاحبّ والمكيد
فكم زجرت سادتي عواطفي
الشخصية
فما كتبت لحظة
ما عشت عن حورية
عن العيون الزرق والظفائر
السحرية
- يشير الشاعر هنا إلى الحالة التي آلت إليها المرأة الجزائرية المستهدفة من قبل سماسرة الموت.
- وصف نفس الشاعر واقع الثقافة أثناء زمن المحنة حين تهشّمت كلّ مقوّمات الثقافة، فقد وصل حال المثقّفين إلى الحضيض، هم ضحيّة سياسة الإقصاء والتهميش، يقول باوية :
أيّها الآتي إلينا ...
مرهقاً يطوي المسافة
حاملاً حبّاً وورداً
وعلوماً وحضارة
لبلادي واكتشافه
كلّ شيء في بلادي ممكن
إلاّ الثقافة ...
(آخر مرثية للوطن)
- يصف الشاعر "أحمد شنة" واقع الشعر الأليم، قائلاً:
تكلّمْ فما عاد للحبّ أيّ اعتبار
قتلنا جريراً بذنب الفرزدق
وجئنا لليلى بأحشاء قيس
وبعنا رمال عكاظ
وبعــنا الأغـــــــاني
وبعنا القصائد
ولم يبق إلاّ الشعار
(طواحين العبث)
- يقول الشاعر "أحمد الطيب معاش" في رثاء الصحفيين المغتالين برصاص الإرهاب: "دحماني خديجة"، و"إسماعيل يفصح"
قلْ للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلـــت لقاتـــــــــــل متعمــّد
بالأمس دحماني خديجة أعدمت غدراً، بأيدي الظلم دون سؤال
وبالأمس أيضاً غادرت أخت لها ملفــــوفة ببــــراءة الأطفــــــــــال
فمضت مليكة مثل من لحقت بها دون الوداع لجيــــــرة أو آل
واليـــــوم (مقران) مثـــل من لحقـــــــت ويغيب عنّا تاركاً العيــــــال
بيت الشروق يصاب في أبنائه مثل الجزائـــــر ليـــــلـــــة الزلزال
فتودّع الآكــــــــــــــــــــــــــام كلّ لـــــــبؤة وتروّع الآجـــــام في الأشبال
ماذا جنى قلم وصوت صادق حتى يُزال بطلــــــقة ونصال؟
- نخلص إلى أنّ الشعراء الجزائريون الذين اهتمّوا بشعر المحنة قد شخّصوا وصوّروا واقع الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في تلك الفترة .
* أهم المراجع :
- عبد الحميد هيمة، علامات في الإبداع الجزائري.
- عبد الحميد هيمة، الصورة الفنية في الخطاب الشعري الجزائري المعاصر.
-
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة كلية الآداب واللغات
قســـــــــــــم اللغـــــــــــة والأدب العــــــــــربــــــي السنة الجامعية : 2021/2022
مقياس : الشعر الجزائري المعاصر نوع الحصة : محاضرة
الفئة المستهدفة : السنة الثانية ماستر التخصص : أدب جزائري
المدة المخصصة للحصة : ساعة ونصف السداســـــــــي : الثـــالــــث
الأستاذ : بوداني جيلالي djilaliboudani@yahoo.fr
الحصة الخامسة، السادسة
الخصائص الفنية للشعر الجزائري المعاصر
(اللغة الشعرية، الموسيقى والصورة، معجم القصيدة الجزائرية المعاصرة)
01. اللغة الشعرية
أ.تمهيد:
إذا أراد أي شخص أنْ يعبّر عن موقف أو شعور أو رأي فلا مناص من توظيف أنسب المفردات والتعابير، والشاعر باعتباره إنسان مرهف الحسّ يختلف عن عامة الناس، لذا فهو حين يكون فنّانا يصبح مطالباً دون غيره أنْ يستعمل لغة حيّة تنبض بالإحساس وتكشف عن الواقع، فمن خلال لغته نعرف مدى تجاوب ذلك الشاعر مع ظروف عصره وقضاياه وآمال أمّته وآلامها. وعليه فاللغة الشعرية لغة تترفّع عن مستوى الكلام العادي وتخضع لمعايير وقوانين تجعلها في ذلك المستوى.
عن التشكيل اللغوي يقول فيلسوف التأويلية المعاصرة "بول ريكور" :"الكلمة ليس لها معنى في ذاتها بل تستمدّ معناها من الوحدات المجاورة لها في السياق الذي ترد فيه." ومن هنا نكتشف تلك المسؤولية الملقاة على عاتق الأديب حتى يخرج نصا أدبيا يرقى إلى مصاف الأدبية.
ب. بنية التراكيب اللغوية:
تتميّز الكلمة من خلال التركيب اللغوي فهو الذي يحدّد معنى الكلمات ويوضّح دلالتها.
القارئ للشعر الجزائري المعاصر يكتشف نصوصا مثقلة بالشعرية تحمل لوحات تنبض بالحياة، وهذا نتاج ذلك الإتقان في التشكيل اللغوي والبناء التركيبي المحكم، فمثلا عندما نقرأ النص الآتي للشاعر الجزائري المعاصر "عاشور فني" نلمح دقّة الانتقاء، يقول في ديوان "زهرة الدنيا":
- كنت أحفر ضدّ المدينة
- حين رأيت القيامة تضرب أطنابها في
- الشوارع
- فاختلط الناس بالناس
- واخترت أنْ أنتقي قدري بيدي
- فباغتني برق عينيك في ظلمة العمر
- هذا الذي لم يزل يترنّح بي
- قلت هذا دمي
فمثلا حين قال الشاعر باغتني بدل فاجأني، برق بدل شعاع، دلالة على اختراق ضوء العينين كاختراق السهم للجسد في شدّة الغفلة
* تظهر دقة انتقاء الألفاظ كذلك في تعبير الشاعر "الأخضر فلوس" عن حنينه بألفاظ ثائرة تحمل دلالات الشوق والحنين بتوظيف الإيحاء:
- وحنيني يفيض على الماء، والوطن
- تساقط فوق رباها الحنين المذاب
- فتأخذها هزّة
- آه يا وطني...
- أيها المغتني بسلاسله
- وخلاخل حكامه
- ها أنا ميّت عطشا وحنينا، فهل يا ترى سوف تضمن لي
- كفني (عراجين الحنين)
* مفردات هذا المقطع دليل على قوّة الحنين وشدّة الشوق، فقد اعتمد الشاعر على وحدات لغوية تكشف عن دلالة الحنين (يفيض، يتساقط، ميّت، عطشا)، تعبيرا من الشاعر عن مدى حنينه لوطنه الذي يصل إلى درجة الموت، وهي وحدات منتقاة بدقّة لتدلّ على الحالة الشعورية للشاعر
* نستطيع أنْ نقول أنّ اللغة الشعرية التي يوظّفها الشاعر الجزائري المعاصر تنقسم إلى لغة مثقلة بعناصر الشعرية من جهة وإلى لغة سهلة لا تحتاج إلى الكثير من التأويل، فهي بسيطة بساطة الشعب الجزائري العربي، ومثال هذا قول الشاعرة الجزائرية "حبيبة محمدي":
- أنْ تكتب ما تعرف
- هو نعناع يُزكّى
- ما يشربه حبرك
- من محبّة
- لست حطبا لكن الذكريات تأكلني
- يرحل الوقت
- بينما القلب يبحث عن عُري
- في الضوء
- لولا الوقت لكانت جميع القلوب مقابر
- الوقت يرمّم نبش السعاد.
02. الموسيقى الشعرية:
يعدّ العنصر الموسيقي عنصرا أساسا من عناصر الشعر، فالجانب الصوتي يساهم في التأثير في المتلقي وأسره بسحر أداء الكلمة، ممّا جعل القدماء يتفطّنون لأهمية هذا العنصر ويجعلونه من أهمّ مميّزات الشعر، بدءاً بفلاسفة اليونان وفي مقدّمتهم "أرسطو" في كتاب "فنّ الشعر"، إذْ يرى أنّ غريزة الموسيقى أو الإحساس بالنغم هي أحد الدافعين للشعر(إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر، ص 14).
كما أولى النقاد العرب القدامى الجانب الصوتي اهتمامهم (الشعر نشأ نشيدا يستدعي غريزة السماع)، فالمتتبّع لمسار الشعرية العربية يلاحظ كيف بدأ الشعر إنشادا يستوجب سامعا يتقبّل النشيد، وهذا لا يتأتّى إلاّ بالنغم الجميل، واللغة العربية تعتمد على الميراث السمعي وعلى التنغيم.
- يلاحظ المتتبّع لمسار التحوّلات الإيقاعية في القصيدة الجزائرية بطء سير العملية ومحدوديتها، فقد عرفت القصيدة الجزائرية في المرحلة المواكبة للاستقلال حميمية البناء العمودي (الشكل التقليدي)، نظرا لتشبّث الشعراء بتراثهم وتمسّكهم بالمفاهيم التقليدية (وحدة الوزن ورتابة القافية)، وإنْ عُرفت –كما أشرنا من قبل- بعض المحاولات القريبة من شعر التفعيلة في مراحل مبكّرة من تاريخ الحركة الأدبية في الجزائر بدءاً برمضان حمود وأبي القاسم سعد الله.
المتفحّص للحركة الشعرية الجزائرية تاريخيا يلاحظ ذلك الانحراف عن قيود البناء التقليدي في القصيدة في مرحلة السبعينات مع شعراء تلك الفترة وعلى رأسهم "عبد العالي رزاقي" و"عمر آزراج" وغيرهما ثمّ مرحلة الثمانينات مع "عز الدين ميهوبي" و"عثمان لوصيف"... نحو شعر التفعيلة، لتصبح قصيدة التفعيلة ظاهرة عامة لا تخلو منها تجربة شعرية.
في مرحلة السبعينات نجد أكثر شعراء المرحلة جرأة على التجريب في مستواه الإيقاعي والفنّي "عبد العالي رزاقي" (الحبّ في درجة الصفر) إذْ تخلّص في بعض قصائده من النبرة الخطابية المباشرة واعتماده على الصور الفنية القائمة على الإيحاء والرمز.
*الحضور الإيقاعي للأوزان الشعرية:
كانت أكثر الأوزان الشعرية حضورا في القصيدة المعاصرة الأوزان البسيطة والبحور الصافية مثل بحر الكامل الذي أصبح يحتلّ الصدارة في اهتمام الشعراء ثمّ بحر الرمل الذي نهض في العصر الحديث، والمتقارب بسلاسته وخفّة تفعيلاته، والرجز باضطراب أوزانه وتلاحق أنغامه، والمتدارك المعروف بخفّته أصبح من أكثر الأوزان شيوعا وسيطرة على إيقاع القصيدة الحديثة، إذْ تناسب موسيقاه الواثبة سرعة الإيقاع في هذا العصر. وفي الحقيقة هذه ظاهرة عامة في الشعر العربي المعاصر.
ظاهرة جديدة عُرفت في الشعرى المعاصر هي ظاهرة المزاوجة الموسيقية كالجمع بين الشعر الحرّ والشعر العمودي في القصيدة الواحدة أو الجمع بين الشعر والنثر وبين بحر وآخر وهي الظاهرة الأكثر شيوعا لدى شعرائنا، ومن أمثلة ذلك الشاعر "عز الدين ميهوبي" في ديوانه "في البدء كان أوراس" في قصيدة "شموخ"، ومن أمثلة المزاوجة بين الحرّ والعمودي نلمس ما كتبه الشاعر والناقد "مصطفى الغماري"، فعلى الرغم من حرصه على النمط التقليدي إلاّ أنّه لم يتوان عن مجاراة جديد الساحة الشعرية العربية في ديوانه "أسرار الغربة" (27 قصيدة عمودية، و5 حرّة)، وكذلك الشاعر "عيسى لحيلح" في ديوانه "وشم على زند قرشي" (08 عمودية، 03 حرّة).
من الظواهر الملاحظة في الشعر الجزائري المعاصر سعيه إلى التخلّص من النبرة الخطابية القوية وجنوحه نحو اللغة الهادئة مع بروز ظواهر إيقاعية كثيرة كظاهرة التداخل الإيقاعي (الشكل الهجين) وظاهرة التدوير استجابة لتطوّرات القصيدة العربية المعاصرة، فهي موجّهة إلى القراءة المتأنّية المتأمّلة والمساهمة في إنتاج دلالاتها (فالمتلقي المعاصر أصبح عنصرا فعّالا في إنتاج الدلالة).
03. الصورة الشعرية:
أ. تمهيد: مصطلح الصورة الشعرية من المصطلحات التي ركّز عليها نقاد الحداثة الشعرية، فهي ليست تلك الصورة البلاغية التقليدية فحسب، وإنّما هي تشكيل متماسك الأجزاء يدخل في تركيبه الصورة البلاغية والرمز والأسطورة والإيحاء وكلّ ما من شأنه أنْ يثير الوجدان ويحرّك الخيط الشعوري.
ب. الصورة البلاغية:
تحتلّ اللغة في الخطاب الشعري المكانة المرموقة لتأتي الموسيقى وتكسبه إيقاعا متميّزا، فالصورة الشعرية هي التي تخلق العالم الخاص للشاعر، فهي جوهر الشعر من شأنها أنْ تحقّق المفارقة وتجمع بين شيئين متباعدين.
من عناصر الصورة الشعرية الصورة البلاغية، هذه الأخيرة التي تعتمد على التصوير الخيالي القائم على التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية، وهي أدوات التزمها الشاعر الجزائري لتقريب الدلالة من ذهن القارئ، وعليه فقد كثرت هذه الأدوات في المدوّنة الشعرية الجزائرية المعاصرة، مثلا تقول الشاعرة "نادية نواصر":
- لأنّني أومن أنّ الشعر فينا ثورة.
- والحبّ فينا ثورة
- الشعر ملح الدنيا
- خبز الذاكرة
- الشعر دم الأمّة المهدور في الأنهار
- والشعر صوت الوطن المذبوح خارج أسوار...
- لأنّني لست امرأة كسائر النساء
- لأنّني مواطنة من أجل حبّ وطني
- مواطنة غريبة الأطوار
- الشعر عقدي والحروف خاتمي
- قصيدتي السوار
- وعطري المفضّل
- وسحري المبجّل (من ديوان نادية نواصر)
* ما نلمحه من صور هنا: تشبيه الشعر بملح الدنيا، فهو يغذي الذاكرة مثل الخبز.
* يصوّر الشاعر لخضر فلوس حنينه إلى وطنه، فيقول:
- أيا سيّد الروح
- يا شمعة تتوهّج قرب نوافذ منزلي الساحلي
- إليك الرؤى
- وعراجين من عبق وحنين.
(تشبيه الوطن بسّد الروح والشمعة المتوهّجة التي تحترق شوقا)
( عراجين من عبق وحنين) كناية عن شدّة الشوق
* تقول "حبيبة محمدي" :
- تتلوّن الذاكرة بمن عبروا
- تفاح أسود من خشب
- قلب يتشكّل كبخور على نار
(جعلت الذاكرة تتلوّن: تشخيص، تشبيه القلب بالبخور...)
ج. الصورة الرمزية:
تعمل الصورة الرمزية على الإيحاء من خلال الرمز الذي يكشف بخصوصياته عن الكائن المرموز له، فالرمز يعمل على توضيح الدلالة بطريقة إيحائية تتصف بالجمالية كونها تعمل على التعبير بطريقة غير مباشرة.
تشكّل الصورة الرمزية ملاذا للشاعر إذْ يتّخذها بمثابة القناع الذي يتستّر خلفه وهو يمرّر رسائله، فتكسبه حرية الإبداع وثراء في الدلالة التي تتطلّب حضور عنصر التأويل قصد تعرية المعنى وتقريب الدلالة، ومن أمثلة توظيف الرمز في الشعر الجزائري المعاصر:
"لخضر فلويس" حين يقول:
- رقية
- يا مرتقى الروح نحو معارجها
- ذا الشتاء الذي يتدلّى على صفحة الحجر المتثاقل
- من أين يدخل عشاقك المتعبون
- رقية
- يا وجع الناس، يا غيمة تتوضّأ في أوّل الأرض.
(رقية دلالة الارتقاء والحرية والمنزلة الرفيعة هي رمز من رموز معاني الوطن والثورة.)
* يقول نفس الشاعر في موضع آخر:
- ومرّت على ألسنة السحب الوطنية دون رذاذ
- ولم تطلع الشمس
- وابتدأ الآن عرس القبائل بالبوق والدربكة
- بلغ الجيش سنّ التقاعد
- مات الذي مات تحت النياشين
- لكنّه لم ير المعركة
(الشمس رمز الحرية)
* يقول "عاشور فني":
- إلى أشلاء من صلبوا شوقا
- على عتبات الحبّ
- أو قتلوا
- وكفّني كلّ مقتول
- بصاحبه
- وكلّ قيس بليلاه
(اتخاذ الرمز التاريخي قيس وليلى دلالة على الحبّ العفيف الطاهر، وهو دلالة على الشوق والحنين إلى الوطن.
* تقول "حبيبة محمدي":
- على كتفي همّ لا يحمله
- سوى أبو الهول
- لكنّهم خذلونا حينما اكتشفوا سرّ الحجر.
(الرمز أبو الهول وهو رمز القوّة ويدلّ هنا على مدى عمق همّها).
04. المعجم الشعري في الشعر الجزائري المعاصر:
أ. تمهيد:
للمعجم الشعري الفضل الكبير والمكانة المرموقة عند المتلقي فبه نغوص في دهاليز اللغة لإزالة الستار عن مخزونها، الشعر يقدّم نفسه إلى القارئ عبر أقنعة متعدّدة من خلال اللغة.
ب. بنية الوحدات المعجمية:
للمعجم قدرة كبيرة على تحديد البنيات الدلالية الأساسية في النص، فدراسته تتيح الكشف عن الحقول الدلالية وتحديدها داخل النص كمفتاح لتحديد البنيات الأساسية لها.
من أهمّ أنواع المعجم الشعري للقصيدة الجزائرية المعاصرة ما يلي
01. المعجم الثوري:
تعتبر الثورة التحريرية الملهم الأكبر للشاعر الجزائري فهو وثيق الصلة بثورتنا المباركة، وهي تمثّل له المنبع الذي يغترف منه لإرواء ظمئه.
تواترت في القصيدة الشعرية الجزائرية المعاصرة وحدات لغوية متشبّعة بدلالات الثورة متفجّرة غضبا (الرصاص، المدفع، الرشاش، البندقية، الطوفان، الدم، الثائر، السجين، التحدي...)، وهذا ما هو إلآ دليل على أنّ الشاعر الجزائري دائما يحمل الثورة بين أضلعه، ومثل هذا فعل "مفدي زكرياء" و"محمد بلقاسم خمار" و "الأخضر السائحي" و"محمد العيد آل خليفة"
* تقول نادية نواصر:
- من نشيد القصف والرعد
- وميض البرق
- عصف الريح، طوفان المطر....
02. المعجم الوطني:
حبّ الوطن أسمى درجات الحبّ، والقارئ للقصيدة المعاصرة يصادف كثيرا مثل هذه الوحدات التي تتقاطر دلالة عن حبّ الوطن: (الأرض الطيبة، البلاد، الشوارع، الحقول، الصبا...)
03. المعجم الطبيعي:
الشاعر الجزائري مشدود إلى طبيعة بلاده المتنوّعة، فهي تشكّل ملاذا له يطبّب بها جراحه، وعليه ما من قصيدة إلا ونجدها ملأى بوحدات الطبيعة (الشمس، الجبال، القمر، الصحراء، العشب، الماء...)، وتكرّر كثيرا هذا المعجم عند كلّ من الشاعر "عبد الحميد شكيل" (مرايا الماء مقام بونة)، والشاعرة "خيرة حمر العين" (لم نشته قمرا).
المتصفّح للخطاب الشعري الجزائري يصادف فيضا من الوحدات الدالة على الطبيعة، مثيرة بذلك مسحة جمالية على شعرية النص، فقد شغلت هذه الوحدات الطبيعية الحيّز الأكبر في المدوّنة الشعرية الجزائرية.
04. المعجم الديني:
هي ثنائية دائمة الحضور في القصيدة الشعرية الجزائرية: المعجم الطبيعي والمعجم الديني، فالشاعر الجزائري لا يمكنه التنصل لأصالته، فهو دائم الاعتزاز بها، لذا القصيدة الجزائرية تزخر بالمعجم الديني (الله، الصلاة، الإيمان، البرزخ، التقوى...) (مفدي زكرياء، محمد العيد آل خليفة، السائحي...)
05. المعجم الوجداني:
المعجم الوجداني هو ذلك المعجم الذي يقوم على وحدات دلالية رقيقة عذبة تؤثّر في المتلقي وتزعزع كيانه (الحنين، الشوق، الفؤاد، الحلم، الصبابة، العذاب...)، نجد هذا المعجم مكرّرا بوحداته كثيرا عند أغلبية الشعراء الجزائريين، "لخضر فلوس" (عراجين الحنين)، "عاشور فني" (زهرة الدنيا)، "نادية نواصر" (صهوات الريح)، "حبيبة محمدي" (وقت في العراء)...
توظيف المعجم الوجداني دلالة على أنّ الشاعر الجزائري التفت إلى ذاته، وصوّر مشاعره وأحاسيسه، فنقل بذلك الشعر من الأيديولوجيا والثورية والخطابية إلى القلب والذات في رقّتها وشوقها.
-