Topic outline

  • تاريخ الفكر اللساني (الهنود واليونان)

    اهتمام الإنسان بالظاهرة اللغوية قديم قدم الحضارات التي عرفها هذا الإنسان القابل للتحضر الإيجابي في مختلف البيئات، وليس وليد العصر الحاضر، وذلك لأن اللغة من أهم المقومات التي اعتزت بها الشعوب منذ أن لاحظت تميّز كل أمة بلغة تتواصل بها، وتصل حاضرها بماضيها، وتحمل مجمل ثقافتها ومنتجاتها العلمية والفنية ومقدساتها أيضا... وفوق ذلك لا تشاركها فيها أمةٌ أخرى، فنظرت إليها نظرة إكبار وإجلال، وبذلت الجهود لخدمتها حفظا، وجمعا، وتأليفا، ونظرا في ظواهرها، وتقعيدا لقوانينها، وتلقينا لقواعدها للأجيال، واستماتت في الدفاع عنها، وعملت على توسيع مساحتها ونشرها على حساب لغات شعوب أخرى...

    ولذلك فإنه لا يمكننا في الإجابة عن السؤال المتعلق بتاريخ الفكر اللغوي لدى الإنسان إلا الجزمُ بكونه موغلا في القدم، ضاربا بجذوره في أعماق التاريخ، مرتبطا بالحضارات القديمة خاصة الشرقية منها، متنوعا حسب تنوع تلك الحضارات واختلاف أسسها التي قامت عليها من مصرية قديمة وسومرية وأكّادية وصينية قديمة وفينيقية ويهودية وهندية وإغريقية ورومانية وعربية إسلامية...

    ولو لم يكن للحضارات القديمة إلا فضل الاهتداء إلى الكتابة وتطويرها، وذلك بغية تسجيل الملفوظ القيّم من اللغات المختلفة، وإعطائه حياة أطول حتى يطلع عليه الغائب، وتتوارثه الأجيال اللاحقة بعد أن لاحظوا اندثار الكلام بمجرد نطقه لكفاهم ذلك إنجازا. غير أن التحقيق العلمي يقتضي الوقوف على أهم النقاط والقضايا التي مثلت سبقا بحثيا وجهودا لغوية تركها أولئك السابقون منذ قرون، وضارعوا أو فاقوا في بعضها ما توصل إليه البحث اللغوي الحديث، ولذلك سنحاول الوقوف على أهم المنجزات اللغوية لدى حضارتين مثلتا فجر الفكر الإنساني بصفة عامة والدراسات اللغوية بصفة خاصة، وهما: الحضارة الهندية القديمة، والحضارة اليونانية، للكشف عن بعض جوانب البحث اللغوي لدى القدماء، ومعرفة تفكير الإنسان آنذاك، وموقفه من اللغة وطبيعتها بصفة عامة، ومن بعض قضاياها بصفة خاصة.

    1/ الهنود: 

    إن من أقدم ما حفظه لنا التاريخ من أعمال لغوية متعلقة بالقدماء تلك الأعمال التي سجلها الهنود القدماء قرونا طويلة قبل الميلاد منطلقين في ذلك من لغتهم الهندية القديمة السنسكريتية وهي لغة كتابهم المقدس الفيدا، ومن ثم آمنوا بكونها لغة إلههم إندرا الذي يعبدونه، والذي منحهم ذلك الكتاب المقدس بتلك اللغة التي صارت لذلك مقدسة لديهم، ولذلك كان لزاما على كل هندي أن يتقن تلك اللغة- لغة إندرا ولغة الفيدا- حتى يقرأ ذلك الكتاب المقدس قراءة صحيحة ويفهم ما فيه، كما كان لزاما على العلماء منهم خاصة أن يخدموا تلك اللغة، ولذلك ظهر في المجتمع الهندي بمرور العصور كثير من العلماء اللغويين، وكان على رأسهم النحوي الشهير بانيني الذي استفاد مما سجله اللغويون الذين سبقوه، وأضاف إضافات قيّمة تصف قواعد اللغة السنسكريتية وصفا دقيقا، وتسهل تعلّمها، فكان شبيها في الحضارة العربية الإسلامية بسيبويه الذي لم ينطلق في كتابه من فراغ وإنما استفاد من آراء من سبقوه وعلى رأسهم الخليل بن أحمد وأبو عمرو بن العلاء والأخفش الأكبر.

       فهؤلاء الهنود وعلى رأسهم بانيني -خير النحاة الوصفيين القدماء- قد أولوا القضايا اللغوية أهمية بالغة خاصة في لغتهم الهندية السنسكريتية، وذلك قبل نظرائهم الإغريق بحقبة زمنية طويلة، وقد كانت مواضيعهم ذات صبغة دينية لأنهم لم يكونوا فلاسفة، بل إنهم يعدون من أوائل اللغويين الذين أشبعوا لغتهم الحاملة لكتاب (الفيدا) دراسة ووصفا وتحليلا واستنباطا للقواعد الفونولوجية والمورفولوجية والنحوية للغة السنسكريتية القديمة قصد تقويم ألسنتهم وحفظها من اللحن الذي يحول بينهم وبين النطق والفهم الصحيحين للفيدا، ولذلك اكتسب الدرس اللغوي قداسة لا مثيل لها حتى شاعت بينهم مقولة مأثورة مفادها" إن الماء هو أقدس شيء على الأرض، والكتب المقدسة أكثر قداسة من الماء، ولكن النحو أكثر قداسة من الكتب المقدسة"

       - التأليف المعجمي: يعد الهنود من أوائل الأمم المتحضرة التي اهتدت إلى التأليف المعجمي اللغوي من أجل حفظ الألفاظ ومعانيها، لاسيما ما كان منها ذا علاقة بالنصوص الدينية وبكتاب الفيدا خاصة، وذلك قبل العرب وإن لم تكن مكتملة كالمعاجم العربية.

       أما عن أهم القضايا اللغوية التي عالجوها وحازوا فيها على قصب السبق أيضا، فضلا عما سبق ذكره:

       - نشأة اللغة: فقد انقسم الهنود إزاء نشأتها، أو كيفية اكتساب الأصوات لمعانيها إلى فريقين، فاعتبرها بعضهم قديمة، وهي هبة إلهية من صنع معبودهم " إندرا Indra " الذي أعطى لكل الأشياء والحيوانات أسماءها. بينما اعتبرها فريق آخر اختراعا إنسانيا ونتاجا لنشاطه الفكري.

       - علاقة اللفظ بمعناه: أي كيف تفصح المباني عن المعاني، وقد تعددت حوله الآراء من رافض لفكرة التباين بين اللفظ ومعناه فلا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ومن مصرح بأن العلاقة بين اللفظ ومعناه قديمة وفطرية أو طبيعية، ومن قائل بوجود علاقة ضرورية بينهما شبيهةٍ بالعلاقة اللزومية بين النار والدخان، ومن ذاهب إلى أن الصلة بينهما مجرد علاقة حادثة ولكن طبقا للإرادة الإلهية.

       - أقسام الكلم من حيث الدلالة: قسموا دلالات الكلمة إلى أربعة أقسام تبعا لعدد الأصناف الموجودة في الكون، وهذه الأقسام هي:

          1- قسم يدل على مدلول عام أو شامل (رجل).                        2- قسم يدل على كيفية (طويل).

          3- قسم يدل على حدث (جاء).                                       4- قسم يدل على ذات  (محمد).

      - وجود الترادف والمشترك اللفظي باعتباره ظاهـرة عامة في اللغات.    - دور القياس والمجاز في تغيير المعنى.

       - قضية السياق وأهميته في إيضاح معنى المفردات، وهي من القضايا الدلالية الهامة التي يبحثها علم اللغة الحديث.

       وعلى العموم فإن الدراسات اللغوية الهندية تتمتع بقيمة علمية كبيرة، فقد انتظمت في فروع مستقلة لكل منها أهداف ومناهج خاصة، كاللسانيات العامة، والنحو الوصفي، والفونتيك، والفونولوجيا، والمورفولوجيا، والدلالة... مع تميزها بالشمولية، والانسجام، والاقتصاد!.

    2/ اليونان:

       أُثر عن اليونان القدماء نظرات وآراء لغوية، ولما كانوا فلاسفةً أكثرَ منهم علماءَ دين، وأصحابَ إرث علمي فلسفي وأدبي لا أصحابَ كتاب مقدس، فقد كانت نظرتهم إلى المسائل اللغوية -على غرار غيرها من المسائل- ميتافيزيقية نوعا ما، مع كونها متنوعة مشتملة على تصنيفات صوتية، وتقسيمات صرفية، وقواعد نحوية، وآراء دلالة ومؤلفات معجمية...

    كان هدف النحو عندهم تعليميا لتلقين المتعلم فنون الكلام والكتابة، غير أنهم بنوه على أسس من المنطق، وعدوه جزءا لا يتجزأ من الفلسفة. وقد كان من أشهر نحوييهم العالم الأسكندري ثراكس thrax .

    تناثرت الآراء والأبحاث الصوتية اليونانية في محاورات أفلاطون، وفي الشعر والخطابة لأرسطو، وكان أكثرها في كتابات نحوييهم، وقد فرقوا – منطلقين من لغتهم- بين الأصوات الصامتة والأصوات الصائتة، فعرّفوا الصامت بأنه الصوت الذي لا يتأتى نطقه دون الصائت، وعرفوا الصائت بأنه الصوت الذي يمكن نطقه وحده، فهو مستقل. وقد اعتمدوا في تصنيفهم الأصوات على ملاحظة الآثار السمعية للأصوات، لا على أسس فيزيولوجية قائمة على فحص وظائف أعضاء النطق كما فعل الهنود والعرب، ولذلك كان تصنيف الهنود والعرب أكثر دقة.

    التأليف المعجمي: اهتدى اليونانيون إلى صناعة المعاجم قبل العرب، ومن أقدمها معجم يوليوس بولكس وهو كالمخصص لابن سيده.

    البحث الدلالي: وقد نالت قضية الدلالة قسطا كبيرا من أبحاث الفلاسفة اليونانيين، وكان من بين أهم القضايا التي تناولوها بالدراسة:

       - قضية العلاقة بين اللفظ ومعناه، أو ما يسمى بثنائية الطبيعة / العرف، وقد تقاسم البحث في هذه القضية فريقان، ذهب أحدهما إلى أن العلاقة بين اللفظ ومعناه طبيعية، أي إن للألفاظ معنى لازما متصلا بطبيعتها، وكان على رأس هؤلاء أفلاطون، فيما ذهب الفريق الآخر إلى أن العلاقة بينهما عرفية اصطلاحية ناجمة عن اتفاق بين البشر، وقد مثل هذا الاتجاه أرسطو.

       - معالجة أرسطو الفرق بين الصوت والمعنى، وذهابه إلى أن المعنى مطابق للتصور الموجود في العقل المفكر، والكلمة ليست مجرد أصوات منطوقة، بل المعنى جزء متكامل من الكلمة، فلا توجد كلمات تكون مجرد أصوات. ومن ثم ميز بين ثلاثة أمور:

    1- الأشياء في العالم الخارجي.      2- التصورات (المعنى )              3 - الأصوات ( الرموز أو الكلمات).

    - وكان تمييزه بين الكلام الخارجي والكلام الموجود في العقل هو أساس معظم نظريات المعنى في العالم الغربي خلال العصور الوسطى.  والعلاقة التي تربط بين الكلمات والأشياء (مشاراتها) هي علاقة إشارة غير مباشرة، أي إن البنية ترتبط بمشارها عن طريق المعنى (المفهومي) الوسيط المتعلق بكليهما بصورة مستقلة كما يوضحه الشكل التالي:                                 

                                            معنى (مفهوم)

                       بنية  مشار                                  

       - استناد أرسطو في تقسيمه الكلام إلى مستند دلالي حسب ما تفيده الكلمة من معنى، فالاسم عنده ما كان ذا دلالة مجردة من الزمن، أما الفعل فما كان له دلالة على الحدث والزمن، في حين الحرف ما لم يكن له في نفسه أي معنى.

       - يعد حديث أرسطو في كتاب ( فن الشعر) عن الانتقال اللغوي في الاستعارة وأشكال هذا التبديل في مواقع الدالات والمدلولات أساسا ومركزا تفرعت منه الفروع في الأبحاث البلاغية بعد ذلك لدى الدارسين الأوربيين، وقد تداخلت فيها النظرات اللغوية والنقدية والبلاغية إلى أن بدأ علم الدلالة ينحو منحاه علما مستقلا بقضاياه ومناهجه ومنطلقاته على يد برييل وآخرين.

       - وبعد أرسطو كانت مدرسة الرواقيين التي أسسها زينون حوالي 300 ق.م. فكانت لهم مناهجهم وأفكارهم الخاصة في معالجة المسائل اللغوية وبطريقة منظمة، حيث يردون كل شيء إلى المنطق.  

       - اهتمام علماء اليونان بعلم الاشتقاق etymology أو التأصيل، أي اكتشاف المعاني الأولية للكلمات، وذلك ضمن علم الدلالة التاريخي للإجابة عن السؤال: كيف أمكن لمجموعة محدودة من الكلمات الأولية المتوافقة صوتيا والتي منحتها أو علمتها الآلهة في البداية أن تتضاعف لتنتج الأعداد الهائلة من كلمات معجم اليونانية أولا، ومعجم اللاتينية بعد ذلك، لتواجه متطلبات المدنية ذات الثقافة الرفيعة؟

       - أما برقلس Proklos في القرن الخامس الميلادي فقد اهتم بالتغير الدلالي محاولا أن يربطه بالتغير الحضاري، وقد لاحظ أن التغير الدلالي يتخذ عدة أشكال كالمجاز وتوسيع المعنى وتخصيصه.

    3/  أما عن الرومان وباعتبارهم تلامذة اليونان، فقد حذوا حذو اليونانيين في معالجة القضايا اللغوية، الأمر الذي جعلهم مقلدين أكثر منهم مخترعين، وربما كان "فارو" ( 116– 27 ق.م) أكثر الكتّاب الرومان استقلالية وأصالة في الكتابة عن الموضوعات اللغوية، ومن ذلك مناقشته لمسائل دلالية متعددة في كتابه)اللغة اللاتينيةDe Lingua Latina ( فكان من بين ما تناوله، قضية نشأة اللغة، ومسألة الطبيعة والاصطلاح، والقياس والشذوذ، وفيما يخص هذه الثنائية الأخيرة أكد على ضرورة الاعتراف بها في اللغة ودورها في توليد المفردات والمعاني الجديدة، ولذلك كانت ظاهرة التوليد والاشتقاق من أهم ما اعتنى به فارو.

     

     


  • تاريخ الفكر اللساني (العرب)

    يشكل تاريخ 610 م منعرجا حاسما في حياة الأمة العربية في كل الميادين، لأنه فصل بين عهدين متناقضين، عهد سابق لهذا التاريخ، وهو العصر الجاهلي، وعهد لاحق له، وهو العهد الإسلامي.

    فإذا سألنا عن المنجزات اللغوية لتلك الأمة في العهد الأول (الجاهلي) فإنه يستحيل أن نجد كتابا لغويا، أو عالِمَ نحوٍ، أو وصفا للّغة، وذلك على غرار بقية المجالات الأخرى، لا لشيء إلا لأن تلك الأمة كانت أمة أمية بدوية غير متحضرة... حيث لم يعرفوا من الثقافة إلا ما كان شفويا بما في ذلك الشعر الذي سجلوا فيه كل ما يخصهم من آداب، وسياسة، واقتصاد، ونُظُم اجتماعية، ومعتقدات دينية، فضلا عن كونه ممثلا نظامَهم اللغوي في أرقى وأبلغ مستوى... حتى قال فيه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه-:" كان الشعر علم قوم، لم يكن لهم علم أصح منه." وقال فيه ابن عباس – رضي الله عنهما-:" إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب." وهذا الشعر نفسه- وهو الميراث الوحيد- لم يكن على الأرجح مدونا، وإنما تناقلته الأجيال مشافهة لقلة الكتابة والكَتَبة، لأن الكتابة من مستلزمات الحضارة لا من خصوصيات البداوة.

    أما العهد الثاني - أي منذ 610م- فهو العهد الذي تحول فيه العرب -بسبب مجيء الإسلام- من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن البداوة إلى الحضارة، ومن المشافهة إلى التدوين... فهو العهد الذي تحضر فيه العرب تحضرا ايجابيا. وإن من مستلزمات الحضارةِ التمدنُ والاستقرارُ وهجرُ حياة البداوة، ومن مستلزماتها أيضا العلم، لأن الحضارة والجهل لا يلتقيان، ومن مستلزمات العلم التدوينُ، ولذلك اندثرت المشافهة شيئا فشيئا لتحل محلها الكتابة في مختلف العلوم  والفنون.

    تحوُّلُ العربِ في ظرف قصير من حال الضعف والتشتت والجهل إلى حال القوة والوحدة والعلم إنما كان في إطار دولة – هي الدولة الإسلامية- التي طالبها الدين الجديد بالعلم والفهم ونشر تعاليم القرآن والسنة خارج شبه الجزيرة العربية، وبين أجناس مختلفي اللغات من فرس، وهند، ونبط، وأقباط، وبربر، ورومان، ويونانيين...وهو الأمر الذي أدى إلى انتشار رقعة الإسلام ودخول الأعاجم المختلفي اللغات في دين الله جماعات ووحدانا، واختلاطهم بالعرب، مع حاجتهم الماسة – وهم أعاجم- إلى قراءة القرآن العربي، وفهمه، وتدبره، وإقامة الصلاة به، إضافة إلى ترددهم على البيئة العربية خاصة الحجاز للحج والعمرة والتفقه في الدين على أيدي أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فضلا عما عرفته بعض البيئات العربية – خاصة الحواضر- من إقامة كثير من الأعاجم المسلمين بها إقامة دائمة، وهو الأمر الذي أدى إلى تفشي اللحن في كثير من البيئات العربية، وضعف سليقة أبناء العرب. وخوفا من أن ينتقل اللحن الواقع في كلام الناس إلى القرآن الكريم صار لزاما على العقلاء من العرب أن يحموا لغتهم وكتابهم المقدس عن طريق البحث اللغوي، والتقعيد لهذا اللسان حتى يتعلمه الأعجمي فيلحق بالعربي في الفصاحة، وحتى يُحفظ به لسان العربي من الزلل، ولتُعَرّب البلدان التي فُتحت كالأندلس وشمال إفريقيا وبلاد فارس والهند والصين...

    وفي هذه الظروف بدأ العرب يفكرون في دراسة لغتهم واستخراج قواعدها بدءا بأبي الأسود الدؤلي ومن جاءوا بعده أمثال يحي بن يعمر وعبد الرحمن بن هرمز وعنبسة الفيل وميمون الأقرن ونصر بن عاصم الليثي...  خاصة فيما تعلق بتحسين الخط ونقط المصحف، ليُكمل المسيرة بعد ذلك لغويون ونحاة وبلاغيون عباقرة كعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي وعيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب وأبي الخطاب الأخفش الأكبر وصولا إلى شيخ العربية الخليل بن أحمد وتلميذه الأعجمي سيبويه ومن جاءوا بعدهم.

    إن هذا النشاط الذي بدأ مع أبي الأسود قد تفرع بعد ذلك مسفرا عن علوم لغوية عديدة أفصحت عن ذكاء العرب المسلمين وإبداعهم في التعامل مع الظاهرة اللغوية، حيث تفننوا ولم يلحق شأوهم في كثير من الفنون أحد ممن سبقهم من الأمم الأخرى، أو ممن جاء بعدهم، فقعّدوا للغتهم صوتا وصرفا وتركيبا، وناقشوا بمستوى راقٍ كثيرا من القضايا التي ناقشتها الأمم السابقة كقضية أصل نشأة اللغة، والوضع والاستعمال، والحقيقة والمجاز، وعلاقة الألفاظ بالمعاني... فأبدعوا في ذلك نحوا، وصرفا، وبلاغة، ومعجما، وعروضا، وخطا إضافة إلى تميزهم في المجال الصوتي الذي كان شديد الصلة بالقراءات القرآنية، هذا فضلا عن إسهامات علماء الأصول ومناقشاتهم اللغوية من أجل الاستنباط الصحيح للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

    ويمكننا فيما يلي أن نشير إلى بعض ما تميز به البحث اللغوي عند العرب المسلمين مما يؤكد أن البحث اللغوي ليس وليد الحاضر، ولكنه قديم قدم الحضارات الإنسانية، ولا أدل على ذلك من كثرةِ مؤلفاتهم التي أغنت المكتباتِ العالمية وتنوعِها، إضافة إلى كثرة العلماء الذين أسهموا في ذلك كثرةً لا تضاهيها فيها أمة أخرى:

    - البحوث الصوتية التي كانت انطلاقتها من القراءات القرآنية والتي تميز فيها العرب عن اليونانيين باعتمادهم على أسس فيزيولوجية تشريحية دقيقة قائمة على فحص وظائف أعضاء النطق، وعلى تحديد مواضعها بالنسبة لكل صوت.

    - الدرس النحوي وما أفرزه من مناهج مختلفة معتدة بالسماع أو القياس، وما ترتب عن ذلك من مدارس نحوية متعددة ، وما صحب ذلك من وآراء نحوية متنوعة حتى داخل المدرسة الواحدة، ولذلك لم يعرف علم من علوم اللغة ما عرفه النحو من ثراء واهتمام وكثرة رواد وتأليف، حتى لقب أشهر مؤلفات النحويين، وهو الكتاب لسيبويه بقرآن النحو.

    - انفصال الصرف عن النحو وقيامه علما مستقلا له مواضيعه ومؤلفاته وعلماؤه.

    - التأليف المعجمي وتعدُدُ مناهجه ومدارسه، وكثرةُ منتجاته بين معاجم الموضوعات ومعاجم الألفاظ، بدءا بغريب القرآن لابن عباس، مرورا بأعظم عمل معجمي وهو العين للخليل بن أحمد، ثم الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام، والألفاظ لابن السِّكِّيت، والجمهرة لابن دريد، والبارع للقالي، وتهذيب اللغة للأزهري، والمحيط للصاحب بن عباد،  والصحاح للجوهري، ومعجمَيْ المجمل والمقاييس لابن فارس، وفقه اللغة للثعالبي، ومعجمَيْ المحكم والمخصص لابن سيده... وغيرها من المعاجم، حتى ليمكننا القول إنه لم يخل قرن من القرون من التأليف المعجمي المبدع.

    - قيام البلاغة علما مستقلا له أسسه، ومواضيعه، وأعلامه كالجاحظ، وابن المعتز، والجرجاني، والسكاكي، وله مؤلفاته ونظرياته وأهمها نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني.

    - نشأة علم أصول النحو مستفيدا من علم أصول الفقه للبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي أدلته، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل.

    - إسهام علماء أصول الفقه في الدرس اللغوي خاصة فيما يتعلق بالمباحث الدلالية للاستنباط الصحيح للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ومن ذلك تناولهم لدلالة المنطوق ودلالة المفهوم، العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين، المشترك والمترادف والمتضاد ومعاني الحروف والأسماء الشرعية وغيرها مما يتعلق بالمبادئ اللغوية التي نجدها مبثوثة في كتب الأصول كالإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، والأشباه والنظائر لتاج الدين السُّبكى، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي، وإرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني.

    - كان البحث في دلالات الألفاظ من أهم ما تنبه إليه اللغويون وغير اللغويين في وقت مبكر واهتموا به اهتماما كبيرا، خاصة مفردات القرآن الكريم، وما اهتمامهم بالخط ونقط المصحف الشريف ثم ضبطه بالشكل وبحثهم في معاني الغريب في القرآن الكريم والحديث عن مجاز القرآن والوجوه والنظائر في القرآن الكريم، وإنتاج المعاجم الموضوعية ومعاجم الألفاظ... إلا خير دليل على ذلك، ومن أهم تلك المباحث الدلالية تطرق سيبويه في الكتاب لقضية تعدد اللفظ للمعنى وتعدد المعنى للفظ في باب سماه "هذا باب اللفظ للمعاني" فقال:" اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين." ومن ذلك تناول الجاحظ في كتاب (البيان والتبيين) وكتاب (الحيوان) مباحث مرتبطة بموضوع الدلالة كتطرقه للدلالة السياقية، ومناسبة الكلام لمقتضيات المقام. ومن ذلك أيضا محاولة ابن فارس (ت395هـ) في المقاييس ربط المعاني الجزئية للمادة بمعنى عام يجمعها. ومحاولة ابن جني (ت392هـ) في الخصائص ربط تقلبات المادة الممكنة بمعنى واحد يجمعها فيما سماه الاشتقاق الأكبر. ومحاولة أبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي(ت 322هـ) في القرن الرابع الهجري أن يجمع من شتى الألفاظ العربية ألفاظا تغيرت مدلولاتها ومعانيها في العصر الإسلامي عما كانت عليه في العصر الجاهلي ، وذلك من أجل تحديد مدلولاتها وبيان اشتقاقها ومعرفة جذورها، وفق دراسة تطورية تاريخية فوضع بذلك اللبنة الأولى في علم معاني الأسماء العربية والمصطلحات الإسلامية في كتاب سماه (الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية). ومحاولة الزمخشري(ت538هـ) الناجحة- في معجم أساس البلاغة – في التفرقة بين المعاني الحقيقية والمعاني المجازية. دون أن ننسى جهود عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) الدلالية خاصة في كتابيه – دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة - الدائرة في مجملها حول مسألة اللفظ والمعنى في نظرية النظم التي أقامها على النحو وعلم المعاني، أي العلم بالتركيب والعلم بالدلالة. يضاف إلى ذلك كثيرٌ من جهود البلاغيين في دراسة الحقيقة والمجاز وكثير من الأساليب كالأمر والنهي والاستفهام...

        إن ما أشرنا إليه فيما يتعلق بالدرس اللغوي العربي ليس سوى غيض من فيض، ومع ذلك يدل على منجز عربي عظيم، وإبداع غير مسبوق، حيث إن " الدراسات النحوية العربية قد بلغت إلى مستوى علمي رفيع ونضج فكري مستنير. لقد جمعت بين النقل والعقل والوصف والتحويل. وهناك مظاهر عديدة تناولها العرب بالدراسة المستفيضة، ولم يتطرق إليها علماء الغرب إلا في القرن العشرين، قد شملت هذه الدراسات ميادين عديدة منها المورفولوجيا، والتركيب، والدلالة، والصوتيات، وصناعة المعاجم... وهذا لا يعني أن كل الدراسات اللغوية العربية لم يعترها أي ضعف أو خلل".

    لقد استمر هذا الدرس اللغوي الذي عرفته جل الحضارات القديمة قرونا طويلة، متسما بالمعيارية، مؤديا وظيفته التعليمية، محاولا إلحاق المتأخر في لغته بالمتقدم، مشدودا إلى ماضي اللغة غير ناظر في حاضرها.

     


  • اللسانيات الحديثة، مفهومها، موضوعها، مجالاتها ( ثنائيات دي سوسير: النظام والشكل: اللغة والكلام/ الآنية والتزامنية)

        اتسمت تلك الدراسات اللغوية التي عرفها القدماء كالهنود واليونانيين والعرب المسلمين، والتي سيطرت على الدرس اللغوي قرونا طويلة قبل الميلاد وبعده بكونها معتمدة على منهج واحد هو المنهج المعياري ذي النزعة التعليمية، حيث قرره أبناء تلك الحضارات من أجل الحفاظ على اللغة وفق صورتها المثالية الأولى، رافضين بذلك كل تغير يمس لغاتهم بمرور الزمن، فيؤدي بذلك إلى اختلاف لغة الخَلَف عن لغة السلف، فتحدُثُ بذلك قطيعة بين الأجيال تسفر عن عدم فهم المتأخرين لما تركه الأسلاف المتقدمون من منتجات حضارية يعتزون بها، ومن كتب مقدسة يؤمنون بها، كما هي حال الهنود والعرب المسلمين، أو من منتجات علمية وفلسفية وأدبية كما هي حال اليونانيين. ولذلك يمكن القول إن الهدف من الدرس اللغوي لدى القدماء لم يكن متعلقا باللغة في حد ذاتها، وإنما أريد به خدمةُ أمور أخرى خارجة عن اللغة لا تُحفظ إلا بحفظ اللغة لكونها سُلما موصلا إليها، فكان درس الهنود بالدرجة الأولى خدمة لكتابهم المقدس الفيدا، وذلك لئلا تنقطع الأجيال اللاحقة عن قراءة وفهم ما في ذلك الكتاب، وكذلك الأمر بالنسبة للعرب المسلمين، حيث تروي كثير من المصادر أن بداية الدرس اللغوي العربي تعلقت بالخوف من وقوع الناس في اللحن أثناء قراءة القرآن الكريم، ولذلك كان أول ما ابتدأه أولئك الدارسون نقطُ المصحف الشريف، ومن ثم شاع بينهم أن قراء القرآن الكريم وفهمه واجب، ولا يتم بذلك إلا بمعرفة العربية وإتقانها، ولذلك صار تعلمها واجبا دينيا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما اليونانيون فكان درسهم معياريا أيضا، ولكن لحفظ تراثهم الفكري الفلسفي والأدبي، ولذلك غلبت على نحوهم  الصبغة المنطقية دون تخلٍ عن المعيارية على غرار بقية الأنحاء والدراسات اللغوية القديمة التي استمرت مسيطرة بطابعها المعياري التعليمي على ساحة الدرس اللغوي باعتبار المعيارية المنهج الوحيد للتعامل مع الظاهرة اللغوية، وهو ما جعل المتأخر الذي يعيش في القرن 17م مثلا يتعلم القواعد نفسها التي تعلمها المتقدم الذي عاش في القرن 4 ق م مثلا، فيُنشِئ المتأخر كلاما على منوال ما أنشأه المتقدم، ويفهم الخلف كل ما تركه السلف لأن لغتهما واحدة، ممنوعة من التغير والتطور لقيام المنهج المعياري بدور الحارس الحامي للغة. ووفق المنهج المعياري إذا ما امتُثِلت قواعده يستطيع العربي اليوم فهم ما أنتجه الجاهلي كامرئ القيس مثلا، بل وينتج لغةً كلغة ذلك الجاهلي الفصيح، لأن قواعد ومعايير كلٍ منها واحدة.

       غير أنه وبسبب ما عرفته الحياة الفكرية والعلمية عامة من تطور في مختلف العلوم والنظريات عشية النهضة العلمية الغربية، وما صحبها من ثورة صناعية، وما تمخض عن ذلك من حركة استعمارية خاصة في القارة الآسيوية المعروفة بالأصالة والتعدد اللغوي، حيث لم تعد فيزياء القرن 19م، وعلومُه التجريبية، وطبُّه، وصناعتُه، وعمرانُه، وعلومُه الإنسانية... كفيزياء القرن 10م، وعلومِه التجريبية، وطبِّه، وصناعتِه، وعمرانِه، وعلومِه الإنسانية... فقد جددت مختلف العلوم والميادين البحثية مناهجها، فعرفت بذلك تطورا لم تشهده من قبل.

     وقد كانت النظرية التطورية لداروين -في القرن19م- في تفسير نشوء العناصر الحية وارتقائها في إطار العلوم الطبيعية من أكثر النظريات العلمية شهرة ومصداقية، مما أدى بكثير من العلماء في مختلف التخصصات إلى تبنّيها وتطبيقها في مجال بحوثهم، ومن ثم حاول اللغويون الذين عانوا طويلا من أزمة المنهج تبني هذه النظرية في مجال اللغة باعتبارها –اللغة- عندهم كالكائن الحي الذي يتولد بعضه من بعض، ويتفاوت في فترة التعمير، فيمر بمراحل قوة ومراحل ضعف إلى أن يموت مخلفا في الغالب نسلا يحمل بعضا من سماته وخصائصه، وبذلك تمكن اللغويون من الثورة على المنهج المعياري القديم الذي جثم على صدر الدراسات اللغوية قرونا طويلة.

       وفي إطار تطبيق اللغويين لهذه النظرية على الظاهرة اللغوية بغية الكشف عن تحول اللغات عبر الزمن قدموا خاصة في القرن 19م بحوثا لغوية علمية جديدة غير معهودة، لكونها تبنت المنهج التاريخي الكفيل بالكشف عن الأطوار التي مرت بها اللغة محل الدراسة، ونبذت في الوقت نفسه كل تلك التفسيرات العقائدية، والآراء غير العلمية، والمعيارية التي كانت سائدة قبل هذا العصر، إضافة إلى تبنيها المنهج المقارن الذي يهدف إلى الكشف عن صلة القرابة بين اللغات المنتمية إلى أسرة واحدة، ومن ثم عُدت تلك البحوث المقارنة والتاريخية بحوثا علمية بامتياز، وسمي ذلك الميدان باللسانيات، وعُرف فيما بعد باللسانيات المقارنة والتاريخية تمييزا له عن منهج لساني آخر هو المنهج الوصفي الذي عُرف في القرن 20م ونال شهرة أكبر.

    الدراسات المقارنة والتاريخية ق19م:

       فميلاد اللسانيات بوصفها علما حديثا إنما يعود – كما ذكرنا- إلى القرن الميلادي التاسع عشر، حيث "عدت سنة 1816م عند عامة اللغويين الأوربيين من الجيل السابق سنة ميلاد اللسانيات كعلم لصدور أول كتاب- وهو لفرانس بوب- تحلل فيه لأول مرة في التاريخ عدة لغات من الوجهة التاريخية وعلى أساس المقارنة العلمية لغرض علمي بحت يتجنب فيه فرض الحدود والمعايير والتأمل الفلسفي والتحليلي الأرسطوطاليسي" وقد شهد ذلك العصر ثلاث منعطفات كبرى في مسيرة هذا العلم، هي:

    1- اكتشاف اللغة السنسكريتية الهندية على يد وليام جونزW. Jones ( ت 1794م) عام 1786م، وملاحظة صلة القرابة بينها وبين اللغتين الأوروبيتين الإغريقية واللاتينية.

     2- ظهور القواعد المقارنة منذ اكتشاف اللغة السنسكريتية، خاصة بين اللغات الهندية والأوروبية، وكان من أشهر من طبق المقارنة في الدراسات اللغوية شليجل F. Schlegel ( ت 1829م) وغريم J. L. Grimm( ت 1863م) و راسك R. Rask( ت 1832م) و بوب Bopp( ت 1867م) الذي درس مجموعة من اللغات منها الفارسية والعربية والعبرية والسنسكريتية وعددا آخر من اللغات الأوروبية، وذلك لإثبات القرابة بينها، وقد تبعه في ذلك لغويون آخرون أمثال ماكس مولر M.Muller وجورج كورتيوس G.Cutius و أوغست شليشر A.Schlaicher.

    3- نشوء علم اللغة التاريخي الذي لم يعد يهتم بإثبات القرابة بين اللغات، بل يهتم بمعرفة جميع التطورات اللفظية في لغة ما من خلال مجموع تاريخها، مع بقاء تداخل بين الأسلوبين المقارن والتاريخي.

       وفي أحضان المنهج التاريخي تربى كثير من اللغويين، وعلى رأسهم دي سوسير Ferdinand De Saussure ( 1857- 1913م) قبل أن يتحول عنه إلى منهج آخر ارتبطت به اللسانيات الحديثة أكثر من غيره لكونه أكثر علمية، وهو المنهج الوصفي الذي طرحه دي سوسير بديلا عن التاريخي، فصار الرجل بذلك أبا للسانيات الحديثة دون منازع.

    مفهوم اللسانيات الحديثة، موضوعها، مجالاتها/ ثنائيات دي سوسير(النظام والشكل/ اللغة والكلام/  الآنية والتزامنية)

        بعد أن ذكرنا الإطار التاريخي لنشأة الدراسات اللغوية الحديثة -التاريخية والمقارنة- خاصة منذ القرن 19م ثائرةً على الدراسات القديمة – المعيارية- متحررة ًمنها، وممهدةً لدراسات لغوية أخرى دعا إليها دي سوسير – الوصفية-  أكثر علمية من السابقة- التاريخية والمقارنة- وذلك منذ مطلع القرن 20م، سنحاول التعرف على هذا العلم الحديث الناشئ الذي عرفته الساحة اللسانية خلال القرن 20م من خلال التطرق إلى تعريفه، وموضوعه، ومنهجه، وأهم قضاياه، وأشهر رواده وأعلامه.

        ولما كان عنوان كل شيء دليلا عليه، ومجمِلا لمحتواه، أو مسهما في الكشف عن جانب من جوانبه ارتأينا الوقوف عند هذا المصطلح (لسانيات) مستعينين بمعارفنا القبلية من أجل تكوين تصورٍ أوليٍّ حول هذا الميدان البحثي وسبب تسميته أو ترجمته إلى العربية بهذا الاسم.

    اللسانيات: اسم منسوب ومجموع جمع مؤنث سالما، مفرده: اللساني. ( تخلصنا من الألف والتاء لأنهما ليستا سوى علامة جمع تأنيث، لتبقى لدينا كلمة: اللسانيّ)

    اللساني: اسم منسوب إلى اللسان كقولنا: بحث لسانيّ، موضوع لسانيّ، عالم لسانيّ... (تخلصنا من الياء المشددة لأنها ليست سوى ياء النسبة، لتبقى لدينا كلمة: اللسان)

    اللسان: قد تحمل كل كلمة في اللغة أكثر من معنى، وبرجوعنا إلى بعض المعاجم تصادفنا المعاني التالية لكلمة لسان:

    - اللسان: العضلة أو الجارحة داخل فم الكائنات الحية الحيوانية بما في ذلك الإنسان متكلما كان أو أبكم، وهي كلمة مذكرة وجمعها ألسُن.

    - اللسان: الثناء، قال تعالى:{ واجعل لي لسان صدق في الآخِرين}[الشعراء/84] أي: اجعل لي ثناءً حسنا باقيا إلى آخر الدهر.

    - اللسان: الرسالة والمقالة المنسوبة إلى شخص معين، وهي كلمة تُذكّر وتؤنث فتُجمع في التذكير على ألسِنة وفي التأنيث على ألسُن، قال أعشى باهلة:                

    إني أتتني لسانٌ لا أُسَرُّ بها ..... من عَلْوَ لا عجبٌ بها ولا سَخَرُ.

    - اللسان: اللغة، أو لغة قوم ما، قال تعالى:{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}[إبراهيم/04] أي بلغة قومه.

    -  ومن معانيها المجازية، لكنها متداولة بكثرة:

         - لسان النعل: الهَنَةُ الناتئة في مُقدَّمها. - لسان القوم: المتكلم عنهم. - لسان الميزان: عَذَبَتُه. - لسان النار: ما يتشكل منها على شكل اللسان.  - لسان الحمَل ولسان الثور: نبات سمي بذلك تشبيها باللسان.

    فإذا كانت كلمة لسان تحمل كل هذه المعاني، فما هو المعنى الذي نُسب إليه هذا العلم؟ أهو تلك العضلة التي تشترك فيها الكائنات الحية الحيوانية، والتي زُوِّدت بها باعتبارها ذات وظيفة حيوية لكونها جزءا من الجهاز الهضمي؟ أم هو الثناء؟ أم هو ما ينتجه الفرد من رسائل ومقالات؟ أم هو ما مُيِّز به الإنسان ثم تميز به قوم عن قوم من لغة خاصة يتواصلون بها؟...

    إن المعنى المراد من بين كل تلك المعاني هو ما مُيِّز به الإنسان عن باقي الكالئات من كونه ذا وسيلة تواصلية عرفية عجيبة داخل مجتمع معين تسمى اللغة، وبذلك يمكننا القول إن كلمة لغة تساوي كلمة لسان حين تُطلق ويراد بها لغة مجتمع معين، ومن ثم نفهم بأن Linguistique La باعتباره علما غربي التربة والمنشأ هو ما اهتم بقضايا اللغة أو اللسان ما دام اللفظان مترادفين أو شبه مترادفين، ولذلك ترجمه بعض العرب خاصة المشارقة إلى علم اللغة أو اللغويات منطلقين في ذلك من كلمة (لغة) باعتبارها الأكثر شهرة واستعمالا في هذا العصر، وترجمه آخرون خاصة المغاربة إلى اللسانيات أو اللسْنيات أو الألسنية... منطلقين في ذلك من كلمة (لسان) باعتبارها الأفصح لأن النصوص الفصيحة – خاصة القرآنية- استعملت اللسان دون اللغة كقوله تعالى:{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}[إبراهيم/04] وقوله:{ لسانُ الذي يُلحِدون إليه أعجمي وهذا لسانٌ عربيٌّ مبين}[النحل/103] وقوله:{ بلسانٍ عربيٍّ مبين}[الشعراء/195] وقوله:{ واختلافُ ألسنتِكم وألوانِكم}[الروم/22] وقوله:{ وهذا كتابٌ مصدقٌ لسانًا عربيا}[الأحقاف/12].

    وإذا كان هذا هو تصورنا البسيط للسانيات، فما هو تعريفها الدقيق عند أهل الاختصاص؟

    تعريف اللسانيات: تجمع كل تعريفات اللسانيات Linguistique على كونها دراسة اللغة دراسة علمية، ومن ثم يصلح تطبيق منهجها على كل لغات العالم دون تمييز، شأن اللغة في ذلك شأن كل الظواهر المقصودة بالدراسة العلمية، ولذلك عُرفت بتعريفات عديدة لكنها متفقة حول كونها: العلم الذي يدرس اللغة الإنسانية دراسة علمية تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع، بعيدا عن النزعة التعليمية والأحكام المعيارية.

    فقد جاء في هذا التعريف مجموعة من الكلمات تمثل أركانا بُني عليها مفهوم اللسانيات هي:

    1- طبيعة اللسانيات: علم: حيث يعد هذا اللفظ ذا قيمة كبيرة في التعريف، إذ ليس كل بحث علما، ولذلك أراد أصحاب هذا الميدان الرقي بالبحث اللغوي إلى مصاف العلوم من خلال الالتزام بكل ما يقتضيه البحث العلمي عامة من شروط على رأسها الموضوعية، والاعتماد على منهج علمي قائم على الملاحظة الدقيقة للظاهرة المدروسة، والفرضية، والتجريب وصولا إلى صياغة القانون الخاص بها، والذي يضبط حقيقتها وعناصرها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ويصلح تعميمه على كل الظواهر المشابهة. وإذا أمكننا تطبيق ذلك على الظاهرة اللغوية أمكننا الجزم بأن البحوث من طائفة العلوم لا الفنون هي التي تنتمي إليها اللسانيات، وأنها بالضبط من فصيلة العلوم الاجتماعية.

    2- موضوعها: اللغة الإنسانية: فكما أن لكل علم موضوعا يشتغل عليه، فكذلك للسانيات موضوع تهتم بدراسته دراسة علمية، وهو اللغة الإنسانية. وقد يتبادر سؤال إلى الأذهان وهو: ألم يكن موضوع الدراسات اللغوية المعيارية القديمة متعلقا باللغة الإنسانية، وكذلك الأمر بالنسبة للدراستين المقارنة والتاريخية؟! فما الجديد –إذن- ما دام موضوع اللسانيات الحديثة هو موضوع الدراسات اللغوية القديمة نفسه، أي اللغة؟!

     فالجواب عن هذا السؤال يتعلق بطريقة أو منهجية الدراسة التي اختارها المحدثون، كما يتعلق الجواب بفهمٍ جديد للغة، إذ لم يعد مفهوم اللغة لدي المحدثين كمفهومها لدى القدماء. وإذا اختلف المفهوم وتغير المنهج تغيرت- بالضرورة- الدراسة والنتائج. وسنقف بعد هذا التعريف على ثنائية الموضوع عند دي سوسير، إذ فيها يحدد المفهوم الصحيح لموضوع اللسانيات وهو اللغة باعتبارها نظاما أو شكلا لا باعتبارها مادة، مفرقا بينها وبين الكلام، كما سنقف على ثنائية المنهج التي حدد من خلالها دي سوسير طريقة الدراسة العلمية الوصفية للغة باعتبارها نظاما لا باعتبارها مادة.

    3- منهجها: دراسة علمية تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع: في هذا الجزء من التعريف تقليل من شأن المنهج التاريخي دون إنكارٍ له، لأن الدراسات المقدمة حول اللغة والتي يعتبرها أصحابها دراسات علمية لاعتمادها على مناهج البحث العلمي لا يمكن إنكارها، ومن ذلك الدراسات التاريخية التي كشفت بمنهجية علمية عن جوانب من اللغة لم تكن معروفة، غير أنها دراسات تفتقد نوعا ما إلى الدقة أو إلى الشمولية، فالدراسة التاريخية مثلا تناولت اللغة من الخارج مركزة على العوامل المؤثرة في لغة ما والتي أدت بها إلى التغير والتطور بمرور الزمن دون أن تجرؤ على تناولها داخليا، كما تناولتها باعتبارها حدثا ماضيا مكتوبا ولم تفكر في دراستها باعتبارها واقعا حاضرا منطوقا، ومن ثم اهتمت بلغة الماضي مهملة لغة الحاضر... ولذلك رأى دي سوسير أن أنسب منهج لدراسة الظاهرة اللغوية دراسة علمية حقيقية متلافية أخطاء المناهج السابقة -وعلى رأسها التاريخي- هو المنهج الوصفي القائم على المعاينة والملاحظة المباشرة للظاهرة المدروسة. ولذلك دعا دي سوسير إلى ضرورة دراسة اللغة في ذاتها داخليا، وإلى تقديم اللغة الآنية المنطوقة، دون اشتغال بالعوامل الخارجية – السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية...- التي أثرت على اللغة فأدت إلى تغيرها.

    4- الاحتراز: بعيدا عن النزعة التعليمية والأحكام المعيارية: وهو استبعادٌ للمنهج المعياري، إذ لا تعد من العلمية في شيء تلك الدراساتُ القائمةُ على صياغة قواعدَ ومعاييرَ قصد تعليمها للناشئة، لأن الدارس العلمي الموضوعي يقف عند حدود الوصف لا يتعداها، ولذلك بيّنها دي سوسير بأنها دراسة اللغة من أجل ذاتها، أي ليس من أجل تعليمها للأجيال أو الافتخار بها كما كان شأن المنهج المعياري. ففي هذا الاحتراز –إذن- تنبيه للدارس لئلا يقع فيما وقع فيه أصحاب المنهج المعياري من غرض تعليمي أبعدهم عن العلمية وجرّدهم من الموضوعية.

    ثنائيات دي سوسير:

      طرح دي سوسير مجموعة من الثنائيات التي بنى عليها نظريته، سواء فيما يتعلق بفهمه الخاص للظاهرة اللغوية، أو فيما يتعلق بطريقة وصف وتحليل هذه الظاهرة علميا، وهي:

    1-   ثنائية الموضوع: اللغة  La Langue والكلام  La Parole:

    اللغة والكلام – وحتى اللسان- عند من سبق دي سوسير -وعند غير المتخصص- شيء واحد، أي " تلك العناصر المادية التي يمكن سماعها ونطقها، وتتسم بخصائص فيزيائية مميزة" وربما قالوا: مُيٍّز الإنسان عن الحيوان باللغة، وللعرب لغة هي غير لغة الفرنسيين، أو كلامهم غير كلام الفرنسيين، أو لسانهم غير لسان الفرنسيين، ولغة زيد أبين من لغة عمرو، أو كلامه أبين من كلامه... و" كثيرا ما نستخدم في كلامنا اليومي كلمة لغة للتعبير عن الكلام، نقول لغته جيدة أو لغته رديئة والمقصود بهذا الاستخدامُ الفردي للغة." وقد يوضح ذلك ما جاء في تعريف ابن جني ( ت 392ه) للغة – وهو من أحسن التعريفات- من خلال اعتباره إياها مادة صوتية – والصوت يدرك بالحواس- حيث قال:" أما حدها – أي اللغة- فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم." حيث يمكن أن يصدق هذا التعريف على ما تنتجه الجماعة، كما يصدق على ما ينتجه الفرد من أصوات تسمى في عرف اللسانيين المحدثين كلاما La Parole، دون إنكار ما جاء في التعريف من نقاط ركز عليها المحدثون في تعريفهم للغة كخاصيتها الاجتماعية، ووظيفتها التواصلية.

    أما اللسانيون الوصفيون المحدثون، وعلى رأسهم دي سوسير فيفرقون بين مصطلحات طالما اعتقد من سبقوهم أنها ذات معنى واحد، وقد اعتمد دي سوسير في تفريقه على ثنائية (اللغة  La Langue والكلام  La Parole) قصد معرفة أي شقي هذه الثنائية يعد موضوعا صالحا للدراسة اللسانية، ومن ثم تعلقت هذه الثنائية -كما ذكرنا- بموضوع الدراسة اللسانية، حيث اختلف مفهوم اللغة (أي اللسان)  La Langueعند دي سوسير -باعتبارها موضوع الدرس اللساني- عن مفهومها لدى من سبقوه، وهو الأمر الذي وضحه من خلال هذه الثنائية، حيث لم يهتد أولئك القدماء إلى التفريق أو رسم حدود فاصلة بين المفردتين فاعتبروهما بمعنى واحد، ولذلك عقد دي سوسير بينهما مقارنة قصد تبيان أوجه الاختلاف بينهما، وتبيان أيهما أجدر بأن يكون موضوعا للدراسة اللسانية، فكان أهم ما ركز عليه هو فكرة النظام التي ارتبطت باسمه وكانت أهم كشوفاته، حيث تصدق عنده على أحد شقي هذه الثنائية دون الآخر.

    انطلق دي سوسير في تفريقه بين شقي هذه الثنائية من ثالوث ( اللغة Le Langage/ اللسان La Langue/ الكلام La Parole) حيث كثيرا ما تتداخل مفاهيم هذه المصطلحات فلا يفرق الناس بينها، وربما اعتبروها مترادفات، ولذلك – ورغبة منه في تحديد أيّ منها يصلح موضوعا للسانيات- فرق بينها باعتبار بعضها متضمنا لبعض حسب الترتيب الذي ذكرناه.

    فاللغة  Le Langage: هي اللغة الإنسانية بصفة عامة، وهي ملكة إنسانية تمثل ما تميز به الإنسان بشكل عام عن باقي الكائنات الحية الحيوانية من وسيلة اتصالية راقية لا تشبه طرائق الحيوانات في الاتصال، ولذلك – إذا ما أردنا أن نذكر ما تميز به الإنسان- قلنا: إنه عاقل، إنه مفكر، إنه ذو لغة... فاللغة الحقيقية إذن – باعتبارها ملكة- لا تنسب إلا إلى الإنسان، وهي لغة واحدة غير متعددة، غير أنها لا تُدرك إلا في إطار مجتمعي معيّن فتسمى حينئذ لسانا، وهو – وإن كان بشريا- إلا أنه يختلف من مجتمع إلى آخر فيتعدد لأجل ذلك.

    فإذا أردنا أن نقدم دراسة علمية عن اللغة الإنسانية فإنه يتوجب علينا معاينة هذه اللغة الإنسانية، غير أننا سنصطدم بحقيقة متعلقة بكون اللغة الإنسانية غير مجسدة في صورة واحدة يمكن إدراكها، حيث إننا إذا طلبنا من أحدهم أن يعبر عن حالة ما باللغة الإنسانية فإنه لا مناص من استعمال الإنجليزية إن كان إنجليزيا، أو الفرنسية إن كان فرنسيا، أو العربية إن كان عربيا، أو العامية إن كان عاميا... أي إن بعض بني الإنسان يتكلم بطريقة معينة، وبعضهم الآخر يتكلم بطرائق أخرى تنتمي جميعُها إلى اللغة الإنسانية، ونجد بعضهم يكتب بطريقة معينة وبعضهم الآخر يكتب بطرائق أخرى... وهكذا، إذ ليس هناك لغة واحدة موحدة بين البشر، وإنما لهم صور متعددة للغة. فهل ننطلق في هذه الدراسة التي أردناها للغة الإنسانية من الإنجليزية أم الفرنسية أم العربية أم... ؟! أننطلق من لغة تكتب من اليمين إلى الشمال أم من لغة تكتب من الشمال إلى اليمين...؟! لأجل هذا قلنا إن اللغة الإنسانية Le Langage لا تُدرك إلا في إطار مجتمعي معيّن فتسمى حينئذ لسانا La Langue، وداخل تلك الأطر الاجتماعية يمكن دراستُها دراسة علمية.

     وبهذا يتضح أن اللغة  Le Langage– لأنها إنسانية- أعم من اللسان  La Langue– لأنه مجتمعي فقط-، وإنّ هذه اللغة  Le Langage ذات جانبين: جانب جماعيLa Langue، وجانب فرديLa Parole، ولا يمكن تصور أحدهما بغير الآخر.

     

     

     

     

    أما اللسان La Langue: فمختلف عن اللغة، لأنه يعني اللغة المعينة، كالعربية والفرنسية والإنجليزية... فهو جزء محدد من اللغة، وهو جزء جوهري لكونه نتاجا اجتماعيا لملكة اللغة، ومجموعةً من التقاليد الضرورية التي تبناها مجتمع ما ليساعد أفراده على ممارسة تلك الملكة، فممارسة هذه الملكة لا يكون إلا بمساعدة الوسيلة التي تبدعها المجموعة وتضعها في خدمة هذه الملكة.

     فإذا كانت اللغة ملكة بشرية خُصّ بها الإنسان دون سواه من الكائنات من أجل التواصل، فإن اللسان ظاهرة اجتماعية تمثل نظاما من العلامات التي تعارف عليها أبناء مجتمع معين وتوارثوها جيلا عن جيل فمكّنتهم من التواصل فيما بينهم فقط، ولذلك يمكن القول إن اللسان La Langue: نظام من العلامات الصوتية الاعتباطية التي تُستخدم في الاتصال بين بني الإنسان.

    وليس للسان  La Langueتحقق فعلي، لأنه عبارة عن قوانين وقواعد لغوية ( مجردة غير محسوسة) محصورة موزعة على أذهان أبناء المجتمع الواحد، أو هو كما – كما عرّفه دي سوسير-" رصيد (trésor) يُستودع في الأشخاص الذين ينتمون إلى مجتمع واحد بفضل مباشرتهم للكلام، وهو نظام نحوي يوجد وجودا (تقديريا) في كل دماغ، أو على الأصح في أدمغة المجموع من الأشخاص، لأن اللسان لا يوجد كله عند أحد منهم بل وجوده بالتمام لا يحصل إلا عند الجماعة."

    والناس حين يتواصلون-ويحصل بينهم فهم متبادل- لا يتكلمون القواعد(لأنها مجردة غير محسوسة) وإنما ينشئون كلاما(مادي محسوس) منطوقا أو مكتوبا، ويتفاوتون في ذلك، انطلاقا من تلك القواعد ووفقا لها، فينقلون " اللغة من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل عن طريق الكلام أو الاستعمال".

    فاللسان أشبه ما يكون ببرمجة (مجردة) آلية موحَّدة لمجموعة من الحواسيب زُوِّدت جميعا بنظام واحد (وليكن نظام الوورد2007)، حيث إننا إذا كتبا نصا (مادي محسوس) وفق ذاك النظام (وورد2007) المسجل في ذاكرة حاسوبنا، فإنه لا يمكن أن نطلق اسم الوورد على ذلك النص، لأن النص المُنتَج ليس عبارة عن قوانين، وإنما هو مُنتَج مادي حصلنا عليه انطلاقا من القانون المجرد(وورد2007) الذي بُرمج عليه حاسوبنا– وهو ليس ملكا لحاسوبنا وحده-ومن ثم فإنه بإمكاننا أن ننقل ذاك النص إلى حواسيب أخرى، فإذا كانت تلك الحواسيب مزودة بالبرنامج نفسه( وورد2007) استطاعت أن تقرأ النص، وكأنها تواصلت مع حاسوبنا الذي ينتمي إلى مجتمعها، أما إذا لم تكن مزودة بالبرنامج نفسه(وورد2007) -مع كونها مزودة ببرامج أخرى- فإنها لن تستطيع قراءة النص، وكأنها حاولت التواصل مع حاسوبنا فلم تفلح لأنه لا ينتمي إلى مجتمعها وإنما ينتمي إلى مجتمع آخر. ومثل النص الذي أنتجه حاسوبنا وقرأته الحواسيب الأخرى المماثلة فإنه باستطاعة تلك الحواسيب إنتاجُ نصوص أخرى لا حصر لها وقراءتُها أو فهمُها انطلاقا من كونها مزودة بالبرنامج نفسه.

     فهل يُستساغ بعد الآن الخلط أو عدم التفريق بين النظام وبين ما ينتجه ذلك النظام؟! إن طبيعة كلٍ منهما تختلف عن طبيعة الآخر، ولذلك فإن طبيعة اللسان La Langueتختلف عن طبيعة ما ينتجه اللسان، وهو الذي سماه دي سوسير كلاما  La Parole كما سنتعرف على ذلك.

    معنى كون اللغة (اللسان)  La Langue  نظاما:

        لنا أن نطرح السؤال التالي – إذا أردنا أن نفهم ماهية النظام بصفة عامة -: ما الذي جعل من كومةٍ من الرمل والحصى، وحزمةٍ من الحديد، وأكياسٍ من الإسمنت، وقطعٍ من الخشب، وصفائحَ من الزجاج و... ما الذي جعل من هذا الركام بيتا جميلا مرة؟ وحجرة دراسة مرة أخرى؟ ومسجدا مرة ثالثة؟... إنها الأنساق (الأنظمة) التي نُظمت وفقها تلك العناصر، فلولا النسق (النظام) لبقيت تلك العناصر مجرد أكوام من الرمل والحصى والحديد... لولا النسق (النظام) لما كان لأيٍّ منها قيمة، أي لولا المخطط الذي اختاره المهندس، ولولا معرفة أين يوضع الحديد؟ ومن أي عيار؟ وكيف ينسج؟ وكيف تخلط الخرسانة؟ وما نسبة الإسمنت فيها؟ وما نسبة كلٍ من الماء والرمل والحصى؟ ولولا معرفة أن الأساس يُقدَّم علة الأعمدة، وأن الأعمدة تُقدَّم على الجدران، وأن السقف يأتي في الأخير... لولا إتقانُ كل هذا، وتفاعلُ كلِّ هذه العناصر، وقيامُ كلٍ منها بدوره، والتزامُه بمكانه لما حصلنا على ذلك البيت المتقن، أو الحجرة الدراسية الرائعة، أو المسجد الجميل... فمن عرّف اللغة خارج مفهوم النظام – بكونها أصواتا- كان كمن عرّف البيت بكونه كومةً من الرمل والحصى ...  إلخ.

        إن اعتبار اللغة (اللسان) نظاما عند دي سوسير يعني أنها بنية تحكمها شبكة من العلاقات الداخلية التي تربط مستويات اللغة بعضها ببعض، أو إنها مجموعة من الأنظمة تتكامل فيما بينها ولا يمكن فصل نظام عن آخر أثناء التأدية الفعلية للكلام. فاللغة -إذن- ليست مجرد قائمة من المفردات ولاهي " مجموعة من الألفاظ يعثر عليها المتعلم في القواميس، أو يلتقطها بسمعه من الخطابات ثم يسجلها في حافظته." إنما تُتصور اللغة وتُوصف باعتبارها نظاما " من العناصر المترابطة على المستويات الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، لا على أنها تراكم من كيانات قائمة بذاتها."

                                                4/ المستوى الدلالي                   (تُدرس الدلالة دراسة علمية)

                           

                                          3/ المستوى التركيبي        (لا تُدرس الجمل، بل أنماط الجمل)       

    اللغة (اللسان) La Langue = نظام                                                          

                                              2/ المستوى الصرفي           (لا تُدرس الكلمات، بل أنساق الكلمات)

         

                                       1/ المستوى الصوتي            (لا تُدرس الأصوات، بل قوانين الأصوات ووظائفها )                                                                                             

        إن النظام في اللغة (اللسان) يعني – في اللسانيات- تلك العلاقات المتبادلة للعناصر، "العلاقات بين العناصر، وليس العناصر نفسها هي موضوع العلم." ومن ثم قال دي سوسير بأولوية النسق أو النظام – في الدراسة اللسانية- على العناصر، ووظيفة اللسانيِّ هي استكشافُ تلك العلاقات التفاعلية الداخلية بين عناصر النسق، ووصفُها وتحليلُها، فلا يُحدَّد أيُّ عنصر إلا من خلال علاقته الخلافية مع العناصر الأخرى، لأن حصول التغير على أحد العناصر يعني تغيرَ النظام كلِّه أو ربما تعطُّلَه، فإذا قلتُ:( صباح هذا اليوم أيقظني منبه الساعة) فإني سأكون بصدد التعامل مع نظام تركيبي خاص في لغتنا العربية، وإذا قلتُ:(أيقظني منبه الساعة صباح هذا اليوم) فإني سأكون بصدد التعامل مع نظام تركيبي آخر تتيحه لغتنا، أما إذا قلتُ:( منبه أيقظني هذا صباح اليوم) فإن النظام في هذه الحالة قد تعطل، ولا أحد من أبناء العربية يوافقني على ما نطقته من تركيب فاسد، لا لشيء إلا لأني خالفت النظام ولم ألتزم به – مع أني صغت تلك القطعة من العناصر نفسِها التي ركبتُ منها التركيبين الأول والثاني !

    أما الكلام La Parole: فهو التأدية الفعلية الفردية للسان، أي ما ينتجه فرد ما داخل مجتمعه انطلاقا مما يعرفه من نظام وقوانين وقواعد لسانِه ( كاللسان العربي أو الفرنسي أو الإنجليزي...) ولذلك فهو " نشاط شخصي مراقب، يمكن ملاحظته من خلال كلام الأفراد أو كتاباتهم." ومن ثم يتعدد الكلام داخل المجتمع الواحد بتعدد الأفراد الناطقين، فأقول: سمعت كلام زيد، وأعجبت بكلام فاطمة... لأنه– حسب دي سوسير- إنتاج شخصي خاص بالفرد الذي أنتجه صوتا أو كتابة، دون أن ننسب الكلام إلى الجماعة، لأن للجماعة لساناLangue وليس لها كلامParole، ومن ثم اعتُبر (الكلام) العنصر الأضيق بين هذه العناصر الثلاث( اللغة/ اللسان/ الكلام)، فالكلام متضمَّن في اللسان، واللسان متضمَّن في اللغة، أو فلنقل: اللغة مشتملة على مجموعة من الألسنة، وكل لسان مشتمل على كلام كثيرٍ من الناس.

    وباختصار نقول إن دي سوسير استطاع التمييز بين ما هو ملكة بشرية، وما هو تواضع اجتماعي، وما هو نشاط فردي متعلق بالذكاء والإرادة، حيث إن:

    اللغة Le Langage: هي ما يميز الإنسان عامة عن بقية العوالم الأخرى من ملكة لغوية.

    اللسان La Langue: يكون داخل اللغة، وهو ما يميز مجتمعا عن آخر، كالذي يتميز به المجتمع العربي عن المجتمع الفرنسي أو الإنجليزي –مثلا- من نظام لغوي معين.

    الكلام La Parole: يكون داخل اللسان الواحد، وهو ما يميز شخصا عن آخر داخل المجتمع الواحد، كالذي يتميز به زيد عن عمرو –مثلا- فيما ينتجه كل منهما.

    يمكننا القول - بعد هذا التفريق- إن اللسانيات تهدف إلى دراسة اللغة الإنسانية Le Langage بصفة عامة، ولما كان غيرَ ممكن إدراكُ هذه اللغة الإنسانية إلا في وفق وجودين، أحدهما اجتماعي وهو نظام يميز جماعة عن أخرى La Langue، والآخر فردي وهو أداء La Parole يميز فردا عن آخر داخل المجتمع الواحد، كان لزاما على دي سوسير أن يختار أيّ هذين الوجودين ( النظام الاجتماعي أم الأداء الفردي) أولى بالدراسة العلمية.

    وقد قرر دي سوسير غير مرة في كتابه أن اللسان La Langue هو موضوع الدراسة وحده، لكن الكلام La Parole هو الوسيلة الوحيدة المتوفرة لدراسة اللسان دراسة علمية لكونه –أي اللسان- مجردا لا يمكن التعرف عليه إلا من خلال كثيرٍ من الكلام الذي أنتجه أبناء مجتمع ما انطلاقا من قواعده، وفي هذا يقول روبنز:" بينما يشكل ( Parole) أو الكلام المادة التي يمكن الحصـول عـلـيـهـا مباشرة، فإن الهدف الصحيح للغوي هو ( Langue) لغةُ كل جماعة لغوية، أي المعجم والقواعد والفونولوجيا المغروسة في كل فردٍ بسبب نشأته في اﻟﻤﺠتمع المعين وتنشئته على الأسس التي وفقا لها يتكلم لغة هذا اﻟﻤﺠتمع ويفهمها."

    لم اعتبرت اللغة ( اللسان La Langue) أولى في الدراسة اللسانية من الكلام La Parole على الرغم من كونهما جانبين متناظرين لظاهرة واحدة هي اللغة الإنسانية؟!

    بإجراء مقارنة بين اللغة La Langue( التي سميناها من قبل لسانا) وبين الكلام La Parole من خلال خصائص كل منهما تتبين أفضلية اللغة في الدراسة اللسانية على الكلام، وبمثل تلك المقارنة استطاع دي سوسير أن يميز –باقتدار- المستوى الذي يتأثر بذكاء الفرد وثقافته وإرادته، من المستوى الذي يعمل البنيويون على كشفه ووصفه ودراسته. فكثيرة هي الخصائص التي جعلت من اللغة(اللسان) La Langueموضوعا للدرس اللساني، ويكفيها كونها قواعد قارة ثابتة من صنع المجتمع لا من صنع الأفراد، والثابت يمكن ملاحظته ووصفه وصفا دقيقا، بخلاف ما لم يكن قارا كما هي حال الكلام La Parole باعتباره نشاطا فرديا متنوعا متعلقا بذكاء الفرد وإرادته. وقد ذهب ستيفن أولمان إلى أبعد من ذلك حين ركز على ما يلي: اللغة ثابتة مستقرة والكلام عابر سريع الزوال، واللغة تفرض علينا من الخارج في حين الكلام نشاط متعمّد مقصود، كما أن اللغة اجتماعية والكلام فردي.

        وقد رسم محمد قاسم المومني حدودا فاصلة بين المصطلحين لا تخرج في مجملها عن تلك الحدود التي بينها دي سوسير، فقال:"...أما (Langue) فهو النظام الذي يتعالى على الأفراد، هي جملة القواعد التي تحدِّد ضمن حالة لغوية استعمالَ الأصوات والأشكال ووسائل التعبير التركيبية والمعجمية. فهي تجريد باعتبارها نظاما متعاليا. وهي ظاهرة اجتماعية بما أنها توفر النمط الذي يحتذيه كل أفراد المجموعة اللغوية الواحدة في أفعالهم اللسانية وردود أفعالهم. أما (Parole) فهي تخص الاستعمال الفردي لهذا النظام المتعالي، فهي ظاهرة فردية محسوسة تخرج بالوضع اللغوي من وضع التجريد إلى وضع المحسوس، ومن وضع القاعدة إلى وضع استعمال القاعدة."

        كما أن اللغة(اللسان) La Langueسابقة للكلام باقية بعده، إذ إنها موجودة وإن لم تُنطق، يقول ليونز:" هناك علاقة وثيقة بين اللغة والكلام، ومنطقيا فإن الأخير (الكلام) يفترض سلفا الأول (اللغة) أي: إن المرء لا يستطيع الكلام دون استخدام اللغة، أي بدون التكلم بلغة معينة، لكن من الممكن أن يستخدم اللغة دون أن يتكلم."

       إضافة إلى عدم إحاطة الفرد باللغة (اللسان) La Langue لسعتها، وقديما قال الشافعي في الرسالة:" لا يحيط باللغة إلا نبي." إذ إنها ليست موجودة بشكل مكتمل عند أي متكلم وإنما وجودها المكتمل متعلق بالجماعة، فكل فرد يحاول أن يأتي كلامُه وفق لغة مجتمعه، ولكن لا يمكن أن يحققها تحقيقا كاملا، فاستعماله لها استعمال نسبي ولذلك نجد الأفراد متفاوتين في مراعاة قواعد لغتهم، ولعل هذا من أهم الخصائص التي دفعت بدي سوسير لأن يتخذ اللسان (اللغة)  La Langueموضوعا للدرس اللساني، خاصة أن كلام الأفراد يتحقق في صُوَر كثيرة غير محصورة سواء أتعلق الأمر بالمفردات أم بالعبارات والجمل، وهي منتجات لا سبيل إلى حصرها فضلا عن دراستها. أما القوانينُ والقوالب التي تصاغ وفقها تلك المفردات، والأنماطُ التي تبنى عليها تلك الجمل فمحصورةٌ معروفة في كل لغة ولذلك يمكن دراستها، ومن ثم كان موضوع الدراسة العلمية للسان مقصورا على تلك القواعد والأنماط أو النماذج التي يأتي الكلام وفقها.

         فبإمكاننا أن ننجز عددا غير متناهٍ من الجمل التي تشبه جملتنا (أكل الولد التفاحة) والتي جاءت وفق النمط التالي(فعل ماض+ فاعل معرف ب "ال" + مفعول معرف ب "ال") فنقول: قرأ الطالب النص- راجع التلميذ الدرس– حرث الفلاح الأرض- قرض الفأر الحبل... لنجد أنفسنا أمام جمل غير محصورة، ولكنها وفق نمط واحد على منواله أُنشِئَت تلك الجمل، ولذلك لا ينبغي أن ندرس كل تلك الجمل التي تمثل قائمة مفتوحة، وإنما ينبغي أن ندرس تلك النماذج والقواعد المحصورة في كل لغة.

         ثنائية المنهج: (الآنية والزمانية)

    إذا كانت الثنائية الأولى (اللغة/ الكلام) متعلقة بسؤال هو: ما موضوع اللسانيات؟ فكان طرفا تلك الثنائية( اللغة/ الكلام) من أجل اختيار أحدهما موضوعا للدرس اللساني واستبعاد الآخر، فإن سؤالا آخر يُطرح الآن وهو متعلق بكيفية التعامل علميا مع ما تم اختياره موضوعا لهذه الدراسة، وهو اللغة.

     ولما كان الكون محكوما بالحركة والسكون كانت كل الظواهر الكونية معرَّضة لهاتين الحالتين(الحركة /السكون) ومن تلك الظواهر الظاهرة اللغوية – موضوع الدرس اللساني- ولذلك فإن السؤال المطروح فيما يتعلق بكيفية التعامل علميا مع اللغة هو: ما هي النظرة الأَوْلى بالتقديم في دراسة النظام اللغوي دراسة علمية؟ أهي النظرة الآنية باعتبار اللغة ساكنة، أم النظرة التاريخية باعتبار اللغة متطورة؟

       ومن ثم فإن الإجابة عن ذلك السؤال المتعلق بكيفية التعامل مع اللغة- تبعا لما تعرفه اللغة من حركة وسكون- أدت بدي سوسير إلى الإقرار بوجود نوعين من الدراسة يجب التمييز بينهما، وهما الدراسة الآنية أو السكونية، والدراسة الزمانية أو التطورية، حيث تقدم لنا كل دراسةٍ حقائقَ عن اللغة مختلفةً عما تقدمه الدراسة الأخرى " وهذا منه محاولة إصلاح للآراء الخاطئة التي أضلت أكثر اللغويين الغربيين منذ أن افتتنوا بمفهوم التطور كمفهوم إجرائي في تحليل الظواهر، وقابلوا به المعيارية النحوية أو المنطقية العقيمة."

       إن اختلاف ما تقدمه هاتان النظرتان شبيه إلى حد بعيد بوصفين مختلفين قدمهما تلميذان لغزال جميل، حيث قدم التلميذ الأول وصفه للغزال وهو طليق بعيد عنه يعدو في البراري، بينما قدم التلميذ الثاني وصفه للغزال وهو قريب منه مسجون في قفص، فلا شك أن الوصفين يختلفان من حيث الدقة، ولا شك أن وصف القريب أدق، لأن ملاحظةَ الثابت المستقر- فضلا عن كونه قريبا- ووصفَه أوضحُ وأدق من ملاحظة المتحرك- فضلا عن كونه بعيدا- وذلك لأن الحركة كثيرا ما تعيق الدراسة الدقيقة، وكمثال آخر فإننا لا نستطيع تشريح أرنب لدراسة أنسجته مثلا إلا بتخديره، فذلك التخدير يسكن ويمنع الحركة ويمكّن من الملاحظة الدقيقة المريحة وما كنا لنحصل عليها لو كان متحركا غير مخدّر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللغة، حيث إن الناظر إلى لغة معينة كما هي متداولة بين أبنائها يدرك أنها ساكنة ثابتة فلا يشعر بأي حركة أو تطور فيها، بينما إذا نظر إلى تلك اللغة عبر تاريخها أدرك أنها متحركة متطورة من زمن إلى آخر، فهذا الناظر يدرك أنها ساكنة في الزمن الواحد، غير أنها متطورة إذا اختلفت الأزمنة، وكأنها كما وصف الله عز وجل الجبال في قوله:{ وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مرَّ السَّحَاب }[النمل/88].

       وكما سمينا الثنائية السابقة ثنائية الموضوع، يمكن تسمية هذه الثنائية بثنائية المنهج (آني/ زماني) نسبة إلى الحالة التي تكون عليها اللغة أثناء دراستها، إما حالة ثبات وسكون، وإما حالة حركة وتطور. ومن خلال هذه الثنائية أيضا، وبعرض خصائص كل من البعدين الآني والزماني، يمكن الوقوف على قيمة ما نبّه إليه دي سوسير من ضرورة الاعتماد على الرؤيتين في دراسة اللغة دون خلط بينهما، مع إلزامية تقديم الآنية على الزمانية:

    1/ الزماني: تختص الزمانية أو التعاقبية باللسانيات الخارجية بوصف المراحل التطورية للغة عبر الأزمنة المتتابعة حيث تدرس تطور اللغات وعلاقة ذلك بالسياسة والمجتمع والثقافة... "فثقافة أمة ما تؤثر تأثيرا ملموسا في لغتها، كما أن اللغة من المقومات المهمة للأمة." وهي الدراسة التي كانت شائعة في القرن التاسع عشر –أي قبل دي سوسير- والتي كان يعتقد أصحابها أنها الدراسة العلمية الوحيدة للغة حتى قالوا:" لا علم إلا في المنهج التاريخي" فكادوا أن يهملوا اللغات المعاصرة التي تمثل الحاضر.

    ويمثل البعد الزماني (التعاقبي، التطوري، التاريخي...) دراسةَ اللغة حسب الهيئات التي اتخذتها بمرور الزمن، من خلال ملاحظة تلك التطورات وتسجيلها وإرجاعها إلى عواملها المؤثرة فيها بغية الوقوف على القوانين العامة لتطور اللغات ومن ثم التنبؤ بمستقبلها...

    2/ الآني: بينما تختص الآنية أو التزامنية –التي دعا إليها دي سوسير- بوصف حالة اللغة كما تجري في زمن معين ومكان معين بقطع النظر عن حالتها التي كانت عليها قبل ذاك الزمن أو بعده، أي تدرسها في ذاتها وبمعزل عن التاريخِ وعن كلِّ العوامل الخارجية المؤثرة فيها. حيث يتعين على اللساني – وفق هذه الرؤية- دراسة نظام اللغة كما يجري في لحظة من اللحظات، من خلال الاهتمام باللسانيات الداخلية التي تدرس نسق اللغة وقواعدها الباطنية.

     فحتى يوصف النظام وصفا دقيقا ويحلل تحليلا علميا لا بد أن يكون ذلك النظام في حالة سكون وثبات، فيُبحث المستوى اللغوي الواحد من جوانبه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية في زمن بعينه ومكان بعينه، وإذا استطعنا وصفه وهو ساكن أمكننا بعد ذلك فقط ملاحظة التغيرات الطارئة عليه بتعاقب الأزمنة. ولذلك ألح دي سوسير على أن الدراسة الزمانية لا يمكن أن تؤتيَ أكلَها إلا بعد دراسة نظام اللغة المقصودة وضبطه عبر أزمنة مختلفة، ولا يكون ذلك إلا بتسكين اللغة في زمن محدد للتمكن من معرفة نظامها في مختلف مستوياتها، ثم فعل الشيء نفسه في زمن آخر ثابت، وهكذا دواليك ليتسنى للباحث بعد ذلك دراسة التطور ووصفه وصفا دقيقا في أي مستوى من مستويات اللغة المعينة بمقارنة حالها من زمن إلى آخر اعتمادا على ما قدمه المنهج الوصفي من معطيات علمية لتلك اللغة خاصةٍ بأزمنة محددة.

        ويمكن التمثيل لهاتين النظرتين- منطلقين من لغتنا العربية- وفق المحور التالي، حيث يمثل الخط (أ، ب) الدراسة الوصفية الآنية، بينما يمثل الخط(ج، د) الدراسة الزمانية التعاقبية. وكلتا الدراستين مهمة غير أن الوصفية القائمة على دراسة اللغة في ذاتها أهمُّ وأَوْلى لكونها أدقَّ وأكثرَ علميةً وموضوعيةً من الأخرى، خاصة أنها تعرِّفنا بحقيقة حالةِ اللغة ونظامها، بينما تعرفنا التعاقبية بتاريخ اللغة ومؤثراتها الخارجية، ولا خلاف- منطقيا- في كون معرفةِ النظام أسبقَ وأوْلى بالتقديم من معرفة ما يطرأ على هذا النظام من تغيرات:

    ج

     

     

     

     

     


    Zone de Texte: [Tapez le contenu de l'encadré. Un encadré est un texte indépendant ajouté au document principal. Il est souvent aligné sur le bord gauche ou droit de la page, ou placé en haut ou en bas. Utilisez l'onglet Outils de zone de texte pour modifier la mise en forme de la zone de texte de l'encadré.]

     

     

     

     

    Zone de Texte: الدراسة الزمانية

     

     

     

     

     

    Zone de Texte: [Tapez le contenu de l'encadré. Un encadré est un texte indépendant ajouté au document principal. Il est souvent aligné sur le bord gauche ou droit de la page, ou placé en haut ou en bas. Utilisez l'onglet Outils de zone de texte pour modifier la mise en forme de la zone de texte de l'encadré.]

     

     

     

     

     

     

     

    أ

     

     

                      الدراسة الآنية          

     

    د

     

     

     

     

    - القرن الأول قبل الإسلام

     

    - القرن الهجري الأول

     

    - القرن الهجري الثاني

     

    - القرن الهجري الثالث

     

    - القرن الهجري الخامس

     

    - القرن الهجري الثامن

     

    - القرن الهجري الثاني عشر

    ب

     

     


    -القرن الهجري الخامس عشر

     

     

     

    فالخط ( أ، ب) يمثل دراسة وصفية للغة العربية في زمن محدد- وهو القرن الهجري الخامس عشر- حيث تكون فيه حالة اللغة ساكنة مستقرة، وهو الأمر الذي يمكِّننا من دراسة حالةِ نظام اللغة دراسة داخلية بمعزل عن كل المؤثرات الخارجية. كما يمكننا أن ندرس حالات هذه اللغة في أزمنة أخرى شرط تسكين اللغة بتحديد زمن معين( كما هو موضح بالخطوط الأفقية المتقطعة)، كأن يكون العصرَ الجاهلي ممثلا في القرن الأول قبل الإسلام، أو عصرَ صدر الإسلام ممثلا في القرن الهجري الأول الذي عرفت فيه اللغة تطورا ملحوظا عما كانت عليه في الجاهلية، أو العصرَ الأُمويَّ، أو العباسيَّ الأول أو الثاني أو عصرَ المماليك... وكلها أزمنة عرفت فيها اللغة العربية حالات تطور، غير أن تلك الحالات محتاجة إلى الكشف عنها من داخِلها كشفا علميا دقيقا.

    ومن خلال ما تقدمه الدراسة الوصفية من حالات مرت بها اللغة العربية من جاهلية، وإسلامية، وأُموية، وعباسية، ومملوكية، وحديثة يمكن - بعقد مقارنة بين هذه الحالات المتعاقبة- التأسيسُ لدراسة تاريخية زمانية، وهي الممثلة في الخط (ج، د)، تعنى بتعليل أسباب التطور كأن ترجعها في عصر صدر الإسلام إلى الأسباب الدينية وتأثير القرآن الكريم على اللغة، وفي العصر الأُموي إلى العوامل السياسية بسبب تنافس الأحزاب-كالشيعة والخوارج والأمويين والعباسيين- على الخلافة وانعكاس ذلك على اللغة، وفي العصر العباسي إلى العوامل الاجتماعية والثقافية التي اصطبغ بها مجتمع ذلك العصر متأثرا بالثقافة الفارسية واليونانية... إلخ.

        وبهذا يكون دي سوسير أشهر من دعا إلى ضرورة التمييز وعدم الخلط بين المنهجين، لأن هناك فرقا بين الشيء وبين تاريخ ذلك الشيء – كما بين ذلك من خلال مثاله المشهور عن لعبة الشطرنج- حيث " صاغ وأوضح ما اعتبره اللغويون السابقون أمرا مفروغا منه أو تجاهلوه، وهو البعدان الأساسيان الضروريان للدراسة اللغوية. والبعد الأول هو الدراسة التزامنـيـة Synchronic التي تعالَجُ فيها اللغـاتُ بـوصـفـهـا أنظمة اتصال تامة في ذاتها في أي زمن بعيد، والبعد الثاني هو الدراسـة التعاقبية (التاريـخـيـة) diachronic التي تعالَج فيها تاريخيا عوامـلُ الـتـغـيـيـرِ التي تخضع لها اللغات في مسيرة الزمن. ولـقـد كـان إنجـازا لـسـوسـيـر أن يميز بين هذين البعدين أو المحورين لعلم اللغة: البعد التزامني أو الوصفي، والبعد التعاقبي أو التاريخي، وكل منهما يستخدم مناهجه ومبادئه الخاصة به وأساسياته في أي مقرر تعليمي ملائـم لـلـدراسـة الـلـغـويـة أو الـتـدريـس اللغوي".

    ولما كان لكل بُعد من هذين البعدين مناهجه ومبادؤه الخاصة تمايزت الدراسةُ الوصفية الآنية التي دعا إليها دي سوسير عن الدراسة التعاقبية التاريخية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، واستقلت بذاتها، لأن الدراسة التاريخية متنافية -إلى حد بعيد- مع دراسة اللغة كنظام، ولذلك قيل:" العلوم إذا اختلفت في المنهج تباينت في الهوية." وهو الأمر الذي جعل من اللسانيات التزامنية – الآنية- علما مختلفا الاختلافَ كلَّه عن اللسانيات التعاقبية – الزمانية- منهجا وموضوعا، فضلا عن قيمتها – لقيمة منهجها الوصفي- التي فاقت قيمة اللسانيات التاريخية، وهو ما جعلها مدينةً – إلى مدى بعيد- بِعِلَّة وجودها للمنهج أكثر مما هي مدينةٌ للموضوع.

    ولذلك لابد من الإقرار- إذن- بعد عرضنا لخصائص كل من المنهجين التاريخي التعاقبي، والوصفي الآني بأن أزمة الدراسة اللغوية بصفة عامة هي أزمة منهج، وهو الأمر الذي أقر به دي سوسير، ولولا تلك الأزمة ما جثمت المعيارية على صدر الدراسة اللغوية قرونا طويلة... وإذا اعتُبر الاهتداءُ إلى المنهج التاريخي حلا لمجابهة تلك الأزمة، فإن ذاك الحل نفسه سرعان ما تحوّل إلى أزمة حين لم ينظر إلى اللغة إلا من جانب واحد متعلق بهيئتها التطورية الناتجة عن مخلَّفات التاريخ متغاضيا عن هيئتها السكونية، ولم يدرس من اللغة إلا اللغةَ الماضية المكتوبة مهملا بذلك اللغة الحاضرة المنطوقة، فضلا عن قصوره عن دراسة اللغة في ذاتها دراسة داخلية مكتفيا في ذلك بالدراسة الخارجية... فإذا كانت هذه النقاط السلبية محسوبة على المنهج التاريخي المتعلق بالماضي فإن ذلك يعني أن أزمة المنهج لازالت قائمة، ولابد للأزمة من حل، وهو ما تجلى في الدراسة الوصفية الآنية التي اهتدى إليها دي سوسير مبينا ضرورتها وقيمتها مقارنا بينها وبين الدراسة التاريخية التي كانت سائدة من قبل والتي كان يعتقد اللسانيون أنها الدراسة اللغوية العلمية الوحيدة.

    وبهذا التمييز بين الدراستين يكون دي سوسير- الأب الروحي للبنيوية- قد قدم لنا إجابة وافية عن السؤال المتعلق بأيّ المنهجين – الوصفي أم التاريخي- أوْلى بالتقديم في دراسة اللغة باعتبارها نظاما؟ وهي الإجابة التي يبرئ من خلالها نفسه من أن يكون رافضا للدراسة التاريخية أو منكرا لقيمتها.


  • اللسانيات الحديثة، مفهومها، موضوعها، مجالاتها/ ثنائيات دي سوسير ( الدليل اللغوي: الدال والمدلول/ التركيب والاستبدال)

    3- ثنائية العلامة اللغوية Signe (الدليل اللغوي أو الوحدة اللغوية أو الرمز اللغوي): الدال Signifiant والمدلولSignifié : تعد العلامة اللغوية - باعتبارها مما كشفت عنه الدراسة الوصفية الداخلية لنظام اللغة- ذات أهمية بالغة في الدراسة اللسانية، فهي المركز الذي دارت حوله أبحاث دي سوسير، وما تفريقه بين ثالوث (اللغة واللسان والكلام) وإقرارُه بأن اللسان هو موضوع الدرس اللساني إلا لتوضيح ما يقوم عليه نظام اللسان من أدلةٍ، ولذلك عرّف اللسان بكونه نظاما من العلامات الصوتية أو الأدلة اللغوية المخزّنة في أذهان أبناء الجماعة اللغوية الواحدة، وحتى يُكشف عن ذاك النظام لابد من الكشف عن العلامة اللغوية من خلال مفهومها، وطبيعتها، وخصائصها، وعلاقة بعضها ببعض... وهو ما يؤكد– بما لا يدع مجالا للشك- إقامةَ اللسانيات جوهرَ تعريفها للظاهرة اللغوية على مفهوم العلامة.

    مفهوم العلامة: العلامة اللغوية من أهم ما يتكون منه الجهاز اللغوي، وهي وحدة لغوية ناشئة عن اتحاد عنصرين هما الدال والمدلول، اتحادا ذهنيا غير قابل للانفصال كاتحاد وجهي الورقة الواحدة. فكل ما ينتمي إلى مجتمع معين من وحدات لغوية (أسماء، أفعال، أدوات...) خزّنها أبناء ذلك المجتمع في أذهانهم واستعملوها وتواصلوا بها فيما بينهم دون أن ينكر أحدهم على الآخر أو يخطئه تسمى علامات لغوية سواء نطقوها أثناء كلامهم أو كتبوها أو لم يفعلوا ذلك واكتفوا باستعمالها ذهنيا كمن يحدِّث نفسه أو يقرأ قصيدة دون تلفظ... فهي – إذن- موجودة في النفس أو الذهن حتى وإن لم ننطقها، ومن ذلك: كرسي، طاولة، قلم، كتاب، أكل، جلس، فوق... كلها علامات مخزنة في أذهان أبناء العرب – بنسب متفاوتة- يستعملونها متى شاءوا نطقا أو كتابة، بل حتى عن طريق الحوار الداخلي دون اعتماد على جهاز النطق لأن العلامة بشقيها (الدال والمدلول) مستودعة في الذهن، ومتى أردنا التواصل عُدنا إلى ذلك المستودع سواء كنا مخاطِبين أو مخاطَبين.

    وإذا كانت العلامة بهذا المفهوم فهل يعرف كل أبناء المجتمع الواحد جميع العلامات اللغوية على حد سواء؟ والإجابة عن هذا السؤال: بالطبع لا، فبهذه العلامات مع ما تخضع له من نظام خاصٍ تتشكلُ اللغةُ، واللغة –كما عرفنا- ملكُ المجتمع وليست ملكَ الأفراد، ولذلك يستحيل أن يحيط فردٌ ما بلغةِ مجتمعِه كلِها، وكذلك الأمر بالنسبة للعلامات اللغوية. وحتى يتضح ذلك أكثر نقول: ما الذي يمنع كثيرا من أبناء العرب من أن يفهموا أو أن يستعملوا علامات مثل: همرجلة، شيظم، تنوفية، شَبْرَقَ، أَرْقَلَ... التي وردت في قول الشاعر:

    حَلَفْتُ بما أَرْقَلَتْ نَحْوَه... هَمَرْجَلَةٌ خَلْقُهَا شَيْظَمُ

    وَمَا شَبْرَقَتْ مِنْ تَنُوفِيَةٍ... بِهَا مِنْ وَحَى الجِنِّ زَيْزَيْزَمُ.

    فكثير منهم، وإن أدركوا تتابع هذه الأصوات وتمايزها عن غيرها، إلا أنها لا تعدو كونها أصواتا تلقّفتها آذانُهم شبيهةً بأصواتٍ صادرة عن متحدث هندي أو صيني...، لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون في أذهانهم صورا ذهنية (مدلولات) مقابلة لذلك التتابع الصوتي، وإذا ما بيّنا مدلول كل تتابع صوتي مما ذكرنا صارت تلك العلامات – بعد اتحاد الدوال بالمدلولات- جاهزة لأن يتواصل بها من جهلوها من قبل إرسالا واستقبالا، ولذلك لا يمكن للعلامة أن تتشكل إلا باتحاد الدال بالمدلول وفق ما يقضيه المجتمع لا الفرد، فلا قيمة لدال خالٍ من المدلول ولا لمدلول ليس له دال، كما أنه لا قيمة لعلامة صنعها الفرد ولم تتلقّفها الجماعة بالقبول والتداول.

     

    طبيعة العلامة: العلامة اللغوية باعتبارها "محصلة ارتباط بين الدال والمدلول" كما يرى دي سوسير، أو باعتبارها " موضوعا قابلا للتحليل ضمن مستويين يسميهما سوسير تباعا بالدال والمدلول" لا تربط اسما بشيء، فهي غير ثنائية (الاسم والمسمى) كما أنها تختلف عنده عن ثنائية (اللفظ والمعنى) وذلك لما تميزت به من طبيعة سيكولوجية شملت طرفيها (الدال والمدلول)، وفي هذا الفهم الخاص للعلامة اللغوية باعتبارها كيانا ثنائيا يتألف من الربط بين عنصرين بيانٌ لطبيعة هذين العنصرين، وإجابة عن سؤالنا: أهما الاسم والمسمى؟ أم هما اللفظ والمعنى؟ أم لهما في عرف دي سوسير مفهومٌ آخرُ متماشٍ مع نظرته البنوية؟

    قد بين دي سوسير من خلال هذه الثنائية خطأ ما يذهب إليه بعض الناس من اعتقادهم أن اللغة ليست سوى عملية لتسمية الأشياء، وكأنها قائمة من الألفاظ يقابل فيها كل لفظ الشيء الذي يدل عليه، يقول دي سوسير- مع تعليق لعبد الرحمان الحاج صالح-:" يظن بعض الناس أن اللسان إنما هو في أصله مجموع ألفاظ، أي قائمة من الأسماء تطلق على عدد مماثل من المسميات... وفي تصورهم هذا نظر... إن الدليل اللغوي لا يربط بين شيء ولفظ، بل بين مفهوم وصورة صوتية ( أي يربط لا الشيء المسمى باسمه الملفوظ بل مفهوم ذلك الشيء أو تصوره في الذهن بصورة لفظه الذهنية) فهذه الصورة الصوتية ليست هي الصوت المادي لأنه شيء فيزيائي محض، بل انطباع هذا الصوت في النفس والصورة الصادرة عما تشاهده حواسنا... فالدليل اللغوي إذاً كيان نفساني ذو وجهين."

    فمن خلال هذا القول لدي سوسير مع ما صحبه من تفسير لعبد الرحمان الحاج صالح نحصل على أربعة أمور مختلفة في طبيعتها، أمرين ماديين منتميين إلى العالم الخارجي، وهما:

    1- الموجود الخارجي(المسمى أو المرجع Référent) أو الشيء المشار إليه في الواقع الخارجي، وهو مادي في الغالب.

    2- اللفظ (الصوت المادي) وهو شيء فيزيائي محض (موجات صوتية) ينتجه الفرد نطقا أو كتابة، فهو منتمٍ إلى الكلام.

    وأمرين نفسيين مجردين منتميَيْن إلى العالم الذهني الداخلي، ويعتبران انعكاسا للموجودَيْن الخارجيَيْن في الذهن، وهما:

    3- الصورة الصوتية، وهي انطباعُ الصوتِ الفيزيائيِّ أو أثرُهُ في النفس (انعكاس اللفظ أو الصوت المادي "رقم 2")

    4- المفهوم (الصورة الذهنية) أي مجموع السمات الدلالية المستقرة في الذهن (انعكاس الموجود الخارجي في الذهن "رقم 1")

    فهل يعتبر دي سوسير هذه الأمور الأربعة من صميم اللغة باعتبار هذه الأخيرة نظاما متعاليا على الأفراد متمايزا عن الكلام باعتباره ماديا؟

    عرفنا أثناء تفريق دي سوسير بين اللغة والكلام أن اللغة ذات طبيعة مجردة لكونها نظاما اجتماعيا، ومن ثم جزم بأن اللغة شكل وليست مادة، ولذلك لابد أن تكون طبيعة كل ما ينتمي إلى عالم اللغة- لا الكلام- شكلياً غيرَ ماديٍّ، وهو ما أدى به إلى استبعاد بعض العناصر من تلك الأمور الأربعة لأنها مادية مخالفة لطبيعة اللغة، أو خارجة عن عالمها داخلةٌ في عالم الكلام، والشكل التالي يوضح ذلك:

    يقول دي سوسير:" إن العنصرين اللذين يدخلان في الإشارة اللغوية (العلامة اللغوية) هما ذوا طبيعة سيكولوجية، يتحدان في دماغ الإنسان بآصرة التداعي(الإيحاء)، وهذا أمر ينبغي تأكيده، فالإشارة اللغوية تربط بين الفكرة والصورة الصوتية، وليس بين الشيء والتسمية، ولا يقصد بالصورة الصوتية الناحية الفيزياوية للصوت، بل الصورة السيكولوجية للصوت، أي الانطباع أو الأثر الذي تتركه في الحواس."

    ولذلك استبعد دي سوسير من العلامة اللغوية الموجود الخارجي(رقم1) أو الشيء الذي تحيل إليه العلامة في العالم الواقعي(المرجع Référent) لأنه لا علاقة له بنظام اللغة، كما استبعد اللفظ (رقم2) لأنه منطوق أو مجرد ظاهرة فيزيائية قد يتناولها الفيزيائي من جملة ما يتناوله من ظواهر فيزيائية، فضلا عن كون المنطوق تابعا للمتكلمين ومختلفا باختلافهم، وليس تابعا للمجتمع، يقول دي سوسير:" أما الجزء الفيزيائي فيمكن من الآن أن يبرأ من ذلك، لأننا عندما نسمع من يتكلم بلغة لا نعرفها، ندرك بالفعل الأصواتَ، ولكن بعدم فهمنا لها نبقى خارج الحدث الاجتماعي... فجانب التأدية لا دخل له، لأن التأدية ليست أبدا من عمل الجماعة، بل من عمل الفرد دائما، والفرد دائما صاحب أمرها، وهي التي نسميها parole ." ولم يعترف سوسير إلا بما كان ذا طبيعة نفسية مجردة، وهو الشرط الذي يتوفر في الصورة الصوتية(3) باعتبارها ذات طبيعة سيكولوجية وقد سماها دالا، والمفهوم(4) باعتباره أكثر تجريدا من الصورة الصوتية، وقد سماه مدلولا، ومن ثم كان الدال والمدلول عنده حقيقتين نفسيتين ومنهما يتشكل الدليل اللغوي (العلامة) الذي يعتبر كيانا سيكولوجيا في عُرف دي سوسير كما هو موضح في الشكل التالي بعد استبعادنا للجانب المادي من الشكل السابق:

     

    فالدال هو الصورة الصوتية(أو السمعية) أي الإدراك النفسي لتتابع الأصوات، وليس الصوت نفسه لأن هذا الأخير(الصوت) حقيقة فيزيائية محضة متعلقة بالكلام ومنتجِه(المتكلم) لا باللسان الذي يستلزم التجريد والطابع الاجتماعي، ولئن كانت الطبيعة الذهنية أو السيكولوجية للصورة الذهنية(المدلول) واضحة فإن الطبيعة السيكولوجية للصورة السمعية (الدال) تتضح من خلال ملاحظة كلامنا الداخلي دون نطق كمن يقرأ قصيدة قراءة صامتة، فمثلا: (قلم) دليل لغوي مكون من دال ومدلول، وداله ليس تلك الأصوات الفيزيائية الناتجة عن النطق والتي تسمى لفظا، وإنما هو الإدراك النفسي لتتابع الأصوات بهذه الطريقة: قاف ثم لام ثم ميم كما هو مستقر في أذهاننا، ولو غيرنا التتابع لحصلنا على دال آخر مرتبط بمدلول آخر أيضا مثل (ق، م، ل= قمل)... فإذا سمعنا لفظ (قلم) ربطناه مباشرة بمعناه لأنه كان مخزنا في الذهن (النفس) فلمْ نستغرب هذا التتابع لأنه مألوف لدينا خلافا لبعض التتابعات غير المألوفة مثل( تَطَخْطُخ، حَيزَبُون، دردَبيس، طَخا، نُقاخ، َعَطْلَبِيس...) فلكونها غير مستقرة في أذهاننا عجزنا عن ربطها بما يقابلها من مفاهيم (مدلولات).

    والمدلول هو الصورة الذهنية لا الموجود الخارجي، أي مجموع السمات الدلالية المستقرة في الذهن، فمثلا: (قلم) دليل لغوي مكون من دال ومدلول كما عرفنا، ومدلولُه هو ما استقر في أذهاننا من ملامح دلالية تميزه عن غيره: شيء، مادي، يستعمل للكتابة، به حبر... وبمجموع هذه الملامح الدلالية المستقرة في أذهاننا ميّزنا القلم عن الورقة والطاولة والكتاب والمحبرة والمِرْوَد والبُرغي... 

    فالعلامة اللغوية أو الدليل كلٌ مركبٌ من صورتين، إحداهما صورة صوتية والأخرى صورة ذهنية، حيث تستدعي كل منهما الأخرى، فهما متحدتان اتحادا تاما كوجهي الورقة الواحدة، حيث إن سلامةَ أحد الوجهين سلامةٌ للآخر وتمزقَه يؤدي –بالضرورة- إلى تمزق الآخر، يقول دي سوسير:" يسمى دليلا (لغويا) المركب المتكون من المفهوم والصورة الصوتية(صورة اللفظ في الذهن)... ولكن نقترح إبقاء لفظة (الدليل) للدلالة على الكل، واستبدال لفظتي (المفهوم) و(الصورة الصوتية) بلفظتي (الدال) و (المدلول)" كما هو مبين فيما يلي:

    خصائص العلامة اللغوية:

    تميزت العلامة اللغوية ببعض الخصائص منها:

     1- الاعتباطية(Arbitraire du signe) : ما الذي أهّل دالا معينا (مثل: قلم) دون سواه من الدوال للتعبير عن مدلول معين (شيء، مادي، يستعمل للكتابة، به حبر...) دون سواه من المدلولات؟ أهناك مناسبة أو علاقة طبيعية لزومية، أو عقلية منطقية أدت إلى ذلك، أم هو مجرد اتفاقٍ عرفي بين أبناء الجماعة اللغوية على جعل دال معينٍ معبرا عن مدلول معين؟

    يذهب دي سوسير إلى أن العلاقة بين طرفي العلامة اللغوية (الدال والمدلول) علاقة اعتباطية غير معللة، فليس بين مدلول (قلم) وبين داله في العربية أي علاقة ضرورية مباشرة -خلافا للعلاقة اللزومية بين الدخان والنار وبين الأثر والسير مثلا- ومن ثم كان بإمكان المتكلمين بالعربية مثلا استبدال ذلك الدال (قلم) بدال آخر متى أجمعوا على ذلك، كما كان بإمكانهم أن يقابلوا ذاك المدلول(شيء، مادي، يستعمل للكتابة، به حبر...) أثناء الوضع الأول بدوال أخرى كأن يقلبوا ترتيب الأحرف (ملق أو مقل أو لمق...)  أو أن يسموه سيارة أو تفاحة أو طاولة، ويسموا الطاولة قلما، ويسموا التفاحة سيارة... فليس هناك ما يمنع –حسب دي سوسير- من نسبة الدوال إلى المدلولات لأن تلك النسبة اعتباطية غير قائمة على علاقات طبيعية لزومية بين طرفي معظم العلامات اللغوية، باستثناء عدد قليل جدا منها يمكن أن يلاحَظ بين لفظها ومعناها علاقةٌ طبيعية لكونها محاكاةً للأصوات قائمةً على العرف، ومثال ذلك bow-bow في الإنجليزية، يقابل ذلك ouaoua في الفرنسية، ومثله في العربية زقزق، قهقه...

    إن ما يؤكد اعتباطية العلامة كَوْنُ المدلولات واحدةً عند الناس جميعا، غير أن الدوال التي تقابل تلك المدلولات مختلفة من مجتمع إلى آخر، ولو كانت العلاقة بينهما طبيعية لزومية لكانت موحدة بين الناس جميعا، ولوُجِدت – تبعا لذلك- لغة موحدة في العالم أو لغات متشابهة إلى حد بعيد، لكن الواقع يخالف ذلك، فلو أخذنا هذا المدلول(شيء، مادي، يستعمل للكتابة، به حبر...) فإن كل الناس في العالم تعرف هذه الصورة الذهنية فهي موحدة بينهم، ومع ذلك تعبر عنها كل مجموعة بحرية تامة، فتطلق عليها مجموعة (قلم) ومجموعة أخرى (stylo) ومجموعة ثالثة (pen) ورابعة (cálamo) ... بل تعبر عنها المجموعة الواحدة بدوال متعددة ضمن الترادف، فتسميها العرب (القلم، اليراع، السيالة) مع ما يلاحظ من تباين بين الصور الصوتية لهذه الدوال العربية المعبرة عن تلك الآلة المخصصة للكتابة...

    ولا تعني اعتباطية الدليل أن اختيار الدال متروك للمتكلم، إذ لا قدرة للمتكلم على التحكم في الدال بتغييره بعد أن تلقَّفته الجماعة وحظي بقبولها، يقول دي سوسير:" إن كلمة الاعتباطية تحتاج إلى توضيح، فهذه الكلمة لا تعني أن أمر اختيار الدال متروك للمتكلم كليا، بل أعني بالاعتباطية أنها لا ترتبط بدافع، أي إنها اعتباطية لأنها ليس لها صلة طبيعية بالمدلول."

     2- الخطية: مادامت العلامة اللغوية أهم عناصر اللغة فقد اتسمت بما تتميز به اللغة عامة من مفهوم رياضي هو الخطية. يقول دي سوسير في شأن هذه الخاصية:" لما كان الدال شيئا مسموعا (يعتمد على السمع) فهو يظهر إلى الوجود في حيز زمني فقط، ويستمد منه هاتين الصفتين:

    أ- إنه يمثل فترة زمنية.

    ب- تقاس هذه الفترة ببعد واحد فقط: فهو على هيئة خط."

     فكما يعرّف الخط رياضيا بكونه مجموعة غير منتهية من النقاط المتتابعة التي يمكن قياسها، بحيث لا يمكن أن تقع في الحيز الواحد نقطتان أو أن ترسم نقطتان في زمن واحد، فلا يمكن أن ترسم النقطة رقم 10 مثلا –إذا أمكننا ترقيم النقاط- إلا بعد الانتهاء تماما من رسم النقطة رقم 09 وقبل الشروع في رسم النقطة رقم 11، فكذلك العلامة اللغوية في جانبها المتعلق بالدال أثناء التأدية، حيث يمكن قياسها مادامت تمثل تتابعا وامتدادا زمنيا للأصوات، فيكون لها بداية ولها نهاية، وبذلك تتمايز الوحدات بعضها عن بعض بما لها من حدود ممثلة لبدايتها ونهايتها كالقطعة من الخط، فالدال (قلم) مثلا عبارة عن تتابع صوتي هو (ق+ فتحة+ ل+ فتحة+ ميم+ الحركة الإعرابية) يظهر جليا أثناء الاستعمال نطقا أو كتابة، ففي المنطوق يشغل كل صوت من تلك الوحدة زمنا سابقا لزمن الصوت الذي يليه، مع استحالة نطق صوتين في زمن واحد أو الفصل بينهما بزمن، فلا تنطق اللام مثلا إلا بعد الفراغ تماما من نطق القاف وقبل الشروع في نطق الميم، وإذا ما خالفنا ذلك التتابع الخطي حصلنا على دال آخر ذي مدلول مغاير أو مهمل مثل (قمل، لقم، لمق، ملق، مقل)، وإذا ما قارنا امتداد الدال(قلم) بامتداد الدال (استعمال، أو سفرجل، أو مستسلم...) عرفنا أن بينهما –من حيث القياس- فرقا كالفرق بين الخطوط من حيث الطول. أما فيما يتعلق بالمكتوب فإن الحرف الواحد من ذاك الدال يحتل حيزا مكانيا معينا بكونِه تاليًا لحيز الحرف السابق، وأسبقَ من حيز الحرف الذي يليه مع استحالة أن يزدحم حرفان على مكان واحد أو يبقى بينهما فراغ يفسد التتابع ويخل بالبنية، يقول دي سوسير:" عناصر الدال السمعي تظهر على التعاقب، فهي تؤلف سلسلة، وتتضح هذه الخاصية عندما نعبر عن الدال كتابة، فيحل الخط المكاني لعلامات الكتابة محل التعاقب الزمني."

     3- الثبوت والتغير: في هذه الخاصية إجابة عن سؤال هو: بم تتميز العلامة اللغوية، أبالثبوت أم بالسكون؟ والحقيقة أن هذه الخاصية ناشئة عن نظرتين مختلفتين للعلامة متعلقتين بالآنية والزمانية، حيث إن العلامة الواحدة غالبا ما تتميز بكونها ثابتة في مجتمع وزمن معينين وكثيرا ما تحافظ على صورتها لدى الأجيال اللاحقة، فيدل دال معين على مدلول معين لا يتغير، وذلك لوجود عوامل تعمل على منع التطور، غير أن ذلك لا يمنع – في بعض الحالات- من حصول تحول في العلامة بمرور الزمن وقبول الجماعة ورضاهم عن صورتها الجديدة، فيدل دال معين في زمن آخر على غيرِ ما كان يدل عليه في السابق، أو يكتسب المدلول نفسه دالا جديدا، أو يصيبه تغيير في صورته الصوتية، وذلك لتوفر عوامل وقوى أخرى مضادة مؤدية إلى ذلك التغير أو التطور، فتبقى " اللغة عاجزة جذريا عن الدفاع عن نفسها ضد القوى التي تغير من حين لآخر العلاقة بين الدال والمدلول، وإن هذه لإحدى عواقب الطبيعة الاعتباطية للعلامة."

    فما أكثر العلامات اللغوية العربية التي سجلت لنا المعاجم -خاصة- حياتها وحركيتها من خلال ما طرأ عليها من تغير بسبب ما عرفته البيئة العربية في صدر الإسلام من حركة لغوية قوية نقلت دلالات كثير من الألفاظ إلى غير ما كانت تدل عليه في الجاهلية كالقرآن والصلاة والزكاة والحج والكفر والفسق والنفاق.... وهي التي سميت بالكلمات الإسلامية باعتبارها مصطلحاتٍ وأسماء شرعية، كان أبو حاتم الرازي [ت322ه] قد ألّف فيها كتابه (الزينة في الكلمات الإسلامية ).... وما أعقب ذلك من حركات علمية وتيارات فكرية أثرت على العلامات اللغوية فظهرت تصورات ذهنية جديدة لدوال قديمة كالمفهوم الجديد للنحو، والحال والتابع والسبب والوتد... إضافة إلى ما عرفته البيئة العربية في العصر الحديث، عصر النهضة العلمية والتكنولوجية، من حركة لا تقل قوة عما عرفته في صدر الإسلام وبعده، حيث نقلت كثيرا من الدوال للعبير عن مدلولات لم تكن مقصودة أو معروفة من قبل كالسيارة والقطار والهاتف...  

    4- القيمة La valeur: مفهوم القيمة مفهوم اقتصادي محض متعلق بالعملات، حيث إن قيمة عملة أو ورقة نقدية ما إنما تتعلق بما يقابلها من جنسها ممثَّلا في قطع نقدية أخرى من العملة نفسها سواء كانت أكبر منها أو أقل، أو بصرفها إلى عملة أخرى، أو بما يقابلها من فائدة تحققها كأن تكون تلك الفائدة خدمة أو لباسا أو طعاما... فقيمة القطعة (10 دج) مثلا تتحدد بمقارنتها بقطعة (5 دج) وبقطعة (2000 دج) مثلا، أو بمقابلتها بما تمثله بالنسبة للأورو (7‰) أو الدولار (8‰)، أو بما يمكننا اقتناؤه بها (مثلا قلم رصاص رديء، قطعة حلوى صغيرة، مسمار... بينما قد نقتني بقطعة 2000 دج  قميصا أومعطفا)، فإذا كانت قيمة تلك القطعة النقدية محددة بما يمكننا اقتناؤه بها من مادة استهلاكية أو خدماتية وبمقابلتها بقطع أخرى تمكِّننا من اقتناء سلع أخرى أفضل أو أدنى مما حققته هي، فتتفاضل القطع وتتفاوت في قيمتها نظرا لما تحققه، فكذلك الأمر بالنسبة للوحدات اللغوية.

        فقد رأى دي سوسير أن الوحدات اللغوية لا يمكن أن تُدرس دراسة علمية حقيقية إلا من خلال القيمة، لأن لهذه الأخيرة –القيمة- أهميةً كبرى في معرفة حقيقة الأشياء، ومن ذلك الوحدات اللغوية التي لا تَستمِد قيمتها إلا من النظام اللغوي المنضوية تحته وفق ما أراده لها المجتمع وتواطأ عليه، لأن " المجتمع ضروري لوضع قيَم يعتمد وجودها بصورة كلية على استعمالها وقبولها من قبل الجمهور. إن الفرد وحده لا يستطيع وضع قيمة لغوية واحدة."

    فليس للوحدة أي قيمة ذاتية، وإنما تتحدد قيمتها بعلاقاتها مع بقية الوحدات الأخرى داخل النظام نفسه وتقابلها معها، ولا قيمة للوحدات التي ينتجها الفرد ما لم تتبنّها الجماعة، أو التي تكون خارج النظام، ومن ثم فإن أشكالا مثل:( قطاطيب، كَمُوج، خُنفشار، قثعب، بقلب، ديز...) تعد أشكالا عديمة القيمة لأنها ليست من العربية، ولا مما تعارفت عليه الجماعة، ولا تعبر عن فكرة ما، ولا تقابلها وحدات أخرى، فمثلها في القيمة مثل القطع النقدية المزوّرة، أو الموضوعةِ في المتحف لكونها تعود إلى قرون ماضية، أو مثل شريحة هاتف محمول كانت ملكا لنا غير أنها لم تعد في الخدمة فلم تعد لها قيمة، فهي– كقطعة- بحوزتنا إلا أن الرقم بحوزة مستخدم آخر مستفيدٍ منها إرسالا واستقبالا.

        كما أن قيم الوحدات متفاوتة، فبعضها أكثر تعبيرا عن فكرة ما وأدق من بعض، ولذلك كانت مفردات القرآن الكريم أدقَّ تعبيرا عن فكرة ما رغم وجود ما يمكنه أن يُعتبر مكافئا في لغة العرب، وإذا أمكن أن تكون الكلمة العربية (إله) مكافئة في قيمتها للكلمة الفرنسية (dieu) أو الإنجليزية (god)، فإن هاتين الكلمتين الأجنبيتين لا يمكنهما أن تكونا من حيث القيمة مكافئتين للكلمة الإسلامية (الله) الدالة على التوحيد، فلا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث خلافا لكلمة (إله) وللكلمتين الأجنبيتين(dieu) و(god) التي تجمع على ( آلهة، dieux، gods) على التوالي، ولذلك فإن(الله) الذي يعبده المسلمون بحق هو غير(dieu) أو(god) الذي يعبده النصارى لأن مدلولَيْ اللفظتين مختلفان جدا، فالأولى أقدر على تمثيل فكرة التوحيد وأنه ( لم يلد ولم يولد)، خلافا للأخرى العاجزة عن ذلك لقيامها على عقيدة التثليث أو الأقانيم الثلاثة، الأب والابن والروح القدس.

    4- ثنائية العلاقات بين الأدلة( التركيب والاستبدال أو التوزيع والاختيار)

        من خلال ما عرّفنا به دي سوسير من حقائق عن اللغة خاصة ما تعلق بكونها نظاما من العلامات الصوتية الاعتباطية، ومن خلال كشفه عن حقيقة ثنائية العلامة اللغوية -باعتبارها أهم ما يشكل النظام اللغوي- مع ما تميزت به من خصائص لاسيما ما تعلق بالاعتباطية والخطية والقيمة، يتبادر إلى أذهاننا سؤال هو: هل يمكن للعلامة وحدها أن تفي بغرض التواصل؟ أو هل بمقدور الأفراد أن يتواصلوا بمفردات مستقلٍ بعضُها عن بعض؟

        للإجابة عن هذا السؤال يمكننا أن نضرب مثلا برجل عربي حاول أن يتعلم اللغة الفرنسية فعمد إلى معجم فرنسي فحفظ كثيرا من الألفاظ بمعانيها فصار يعرف أن (Stylo= قلم / Livre= كتاب /Avion= طائرة / Pain= خُبز/ Eau= ماء / Or= ذهبٌ/ Écrire= كَتَبَ / Manger= أَكَلَ...) فهل يمكِّنه ذلك الرصيد من العلامات اللغوية من التواصل باللغة الإنجليزية بأريحية أم ستعترضه صعوبات، خلافا لمن نشأ على تلك اللغة؟

       يجيبنا عبد الرحمن الحاج صالح- رحمه الله- بقوله:" ليس اللسان مجموعة من الألفاظ يعثر عليها المتعلم في القواميس أو يلتقطها بسمعه من الخطابات ثم يسجلها في حافظته" ولذلك فإن هذا العربي سيعجز عن التواصل رغم معرفته كثيرا من العلامات اللغوية، ولن يتواصل بها إلا كما يتواصل الأطفال الصغار بتعبيرهم عن الفكرة بكلمة واحدة -وربما لا تصلح في ذلك المقام- لافتقارهم للنظام الذي يربط الوحدات بعضها ببعض، ويمكّنهم من الانتقال في استعمال اللغة من حال الإفراد إلى حال التركيب، مستعينا بالقواعد الخاصة بالعلاقات التركيبية التي لا يكتسبونها إلا بمرور الزمن والتقدم في السن، وذلك في مرحلة تالية لمرحلة اكتساب المفردات، ولذلك فإنه يجب على هذا العربي -حتى يتواصل بالإنجليزية- أن يتعلم أهمَّ ما يمثل تلك اللغة، وهو قواعدها الصوتية والصرفية والتركيبية وحتى الجوانب الدلالية، لا لشيء إلا لأن الناس جميعا لا يتواصلون بمفردات، وإنما يتواصلون بجملٍ ذات أنماط وقواعدَ خاصةٍ، مشتملةٍ على كل مستويات اللغة صوتا وصرفا وتركيبا ودلالة، ولذلك اعتُبرت الجملة أهمَّ وحدات التحليل اللساني، واعتُبرت العلاقات بين الوحدات اللغوية داخل الجملة الواحدةِ الهدفَ الذي يسعى المحللُ للكشف عنه، سواءٌ تعلق الأمر بعلاقة الوحدة ببقية الوحدات التي قد تحلّ محلها وتقع موقعها في الجملة، أو تعلق الأمر بعلاقتها بالوحدات التي تتركب معها في الجملة.

       يبدو إذن أن  الوصف الدقيق للسان مرهون ببيان العلاقات بين الوحدات اللغوية، ما دامت تحكمه " شبكةٌ واسعة من العلامات والتراكيب، حيث لا تكتسب مكوناتُها قيمتَها إلا من خلال علاقاتها بالكل." وهو الأمر الذي ركز عليه دي سوسير حين اعتبر شبكة العلاقات التي تربط الأدلةَ اللغوية بعضَها ببعض من أهم أركان النظام، ولذلك وجب أن تأخذ قسطا كبيرا من اهتمام الدارسين.... وهذه العلاقات المتبادلة في الـلـغـة تـقـوم على كل من البعدين الأساسيين للتركيب اللغوي التزامـنـي: الـبـعـد الأفـقـي syntágmatic المنطبق على تتابع المنطوق، والبعد الرأسي (الترابطي associative Paradigmatic المتمثل في أنظمة العناصر أو الفئات المتقابلة.(

    يمثل البعدان الأفقي والرأسي (العمودي) نوعين من العلاقات بين الأدلة داخل النظام، هما على التوالي العلاقات التركيبية( التوزيع)، والعلاقات الاستبدالية (الترابطية أو الاختيار):

      أ- العلاقات التركيبية syntagmatiques ( التوزيع): تتمثل في العلاقات التي تعقد بين وحدتين فأكثر من أجل تراكيبَ وأنماطٍ معينة للوحدات وفق ما هو معروف من اختصاص كل لغة بقواعد تركيبيةٍ معينةٍ تمكِّن مستعمليها من البناء الصحيح للمفردات والجمل، ومن ثم تُعرف قيمة كل وحدة لغوية من خلال تقابلها مع وحدات أخرى تسبقها أو تلحقها أو من خلالهما معا. يقول دي سوسير:" نحن عادة لا نتفاهم باستخدام إشارات فردية معزولة، بل باستخدام مجموعات من الإشارات، أو كتل منتظمة، هي  في حد ذاتها إشارات. ففي اللغة يمكن إرجاع كل شيء إلى الفروق وكذلك إلى المجموعات."

       فهذا النوع من العلاقات يظهر أثناء الإنجاز الفعلي للغة، وهو متعلق بانتظام عناصر الكلمة وتسلسلها- أي الأصوات- وبانتظام عناصر الجملة وتسلسلها - أي الكلمات- على شكل خطيٍّ حيث تأتي متدرجةً، كلُّ عنصر عقب الآخر -كما عرفنا ذلك في خاصية الخطية التي تتميز بها اللغة عامة والعلامة خاصة- فالعلاقة المجيزة لاجتماع فعل ما وفاعل ما سواءٌ أتى الفاعل تاليا للفعل كقولنا:(مات الرجل) أو أتى الفعل تاليا للفاعل كقولنا:(الرجل مات) بإسناد الفعل (مات) إلى من يُتَصَوَّر منه الموت وهو (الرجل)، أو العلاقةُ المانعة لاجتماع فعل ما بفاعل ما كقولنا -مجانبين الصواب-:(تألم الشَّعر) لعدم إمكانية إسناد الألم للذي لا يتصور منه ذلك، أو قولنا في تركيب غير متعارف عليه:(الساعةِ أيقظني منبهُ باكرا) مع ما يلاحظ من فرق بين ذلك وبين قولنا:( أيقظني منبه الساعة باكرا)... كل ذلك من العلاقات التركيبية الخاصةِ باللسان العربي المميزةِ له عن بقية الألسنة.

    وكذلك الأمر بالنسبة للمفردات لأنها نتاج علاقات تركيبية، حيث تتيح اللغة العربية لأبنائها أن يبدءوا في تركيب المفردة بمتحرك وتمنعهم من البدء بساكن، خلافا للغات أخرى، كما تمنع أن يتوالى ساكنان... إلخ. فتلك القواعد الصرفية التي تُبنى المفردات على منوالها ليست سوى علاقات تركيبية على مستوى المفردات، فالفعل (كتب) لم يتحول إلى بنية إلا بفضل تلك العلاقات التركيبية التي عقدت بين عناصره (الأصوات) وفق هذا التسلسل: ك + فتحة + ت + فتحة + ب + فتحة = كتب، ولو غيرنا التوزيع لحصلنا على تراكيب أخرى ليس لها معنى أو لها معنى غيرُ معنى الفعل(كتب) مثل: كبت، تكب، تبك، بتك، بكت.

     وتمثل الصيغ الصرفية العلاقاتِ التركيبيةَ الخاصة بالمفردات، فتمكننا من إنتاج أفعال على الأوزان التالية (فَعَلَ، فَعُلَ، استفعل، تفاعل، افعوعل...) أو أسماء على الأوزان التالية (فَعَل، فِعال، فاعِلة، مِفعال، استفعال...) وتمنعنا من إنتاج أفعال أو أسماء من ستة عشر صوتا مثلا، كما تمنع توالي بعض الأصوات أو اجتماعها في كلمة واحدة وفق ما ينصّ عليه الصوتي العربي.

    ولذلك فإن كل التراكيب والبنى المتاحة في لسان ما -سواء كانت مفردات أو جملا- منطويةٌ على علاقات تركيبية تسمح لعناصرها بالتوزع والانتظام وفق طرائق خاصة، وتمنع توزعها وفق طرائق أخرى لا يتيحها نظام تلك اللغة، و" لا قيمة للكل إلا من خلال أجزائه، كما لا قيمة للأجزاء إلا بفضل موقعها في الكل. لذلك لا تقل العلاقة السنتاكمية (التركيبية) بين الجزء والكل أهمية عن العلاقة بين الأجزاء."

       ب- العلاقات الاستبدالية أو الترابطية Paradigmatiques (الاختيار أو الاستبدال): يذكرنا هذا النوع من العلاقات بالحقول الدلالية، حيث ترتبط الوحدات المشكِّلة للرصيد اللغوي والمخزَّنة في الدماغ فيما بينها على شكل مجموعات متشابهة في الشكل أو في المضمون أو فيهما معا. حيث إن الوحدة اللغوية التي تعتبر جزءا من التركيب ترتبط من جهة ثانية -خارج السياق- بوحداتٍ أخرى عديدةٍ في الذاكرة، منتميةٍ إلى الصنف الصرفي أو النحوي نفسه، إذ يمكن أن يستبعد بعضُها بعضا ويحل محله كما يقول دي سوسير، حيث " تكتسب الكلمات علاقاتٍ خارج الحديث – تختلف عن الصنف المذكور آنفا- فالكلمات التي تشترك في أمر ما ترتبط معا في الذاكرة، ويتألف منها مجموعات تتميز بعلاقات متنوعة، فعلى سبيل المثال، توحي الكلمة الفرنسية  enseignement(تعليم) بصورة لا شعورية بعدد كبير من الكلمات مثل (enseigner (يعلم)،  renseigner(يتعرف على)... جميع هذه الكلمات ترتبط بعضها ببعض بطريقة ما."

     ولم تُدرج تلك الوحدة دون بقية الوحدات التي تشترك معها، أو قد تحل محلها في التركيب، إلا لأن الدماغ اختارها -دون سواها- لكونها الأنسب في التعبير عن الفكرة والتلاؤم مع بقية عناصر التركيب، كما هو موضح في الشكل التالي:

    فهذه الكتلة المشكلة جملةً (ضربَ اللصُّ الرجلَ) لم نحصل عليها إلا بعد عمليتين أتاحهما النظام، حيث ربط أفقيا بين هذه العناصر الثلاث (ضرب + الرجلُ + اللصَّ) وفق ترتيب معين وهو ربط خاص بالعلاقات التركيبية، ولو اختلف الترتيب لاختلفت الجملة وعبرت عن فكرة أخرى مثلا (ضرب الرجلُ اللصَّ)... كما ربط من ناحية أخرى ربطا عموديا بين كل عنصر من تلك العناصر الثلاث وبين عناصرَ أخرى غائبة عن الأداء لكنها حاضرة في الذاكرة ويمكنها أن تحل محل المذكور، وهو ربطٌ خاص بالعلاقات الترابطية. ولذلك يمكننا الحصول على جمل كثيرة عن طريق استبدال العنصر الحاضر( ضرب أو الرجل أو اللص) بالعناصر الغائبة التي يمكنها أن تقوم مقام الحاضر المذكور ( استبدال ضرب ب: قتل/ جرح/ خنق/ قتل/ ...) أو ( استبدال اللص ب: القاتل/ الظالم/ السفاح/ المجرم/...) أو (استبدال الرجل ب: البريء/ المرأة/ الشيخ/ الطفل/...).

    ويتم الاختيار لتحقيق المراد من بين قائمة العناصر التي تعقد بينها علاقةٌ ترابطية في الذاكرة بناء على:

    -        ما يراد تبليغه من معنى، فنقول:(قُتِل الرجل) بدل (مات الرجل) لما بينهما من فرق دالٍّ على كونه مات معذورا نتيجةَ اعتداء.

    -        ما يحتاجه السياق، فلا نختار إلا ما يتلاءم مع بقية الوحدات المسهمة في التركيب، فنقول:(أجب عن السؤال) ولا نقول:(أجب على السؤال)، ونقول:(جاءت الطالبة) ولا نقول:(جاء الطالبة)، ونقول:(أجابني الطلبة) ولا نقول:(أجابوني الطلبة)، ونقول:( رجل ذكي) ولا نقول:(طأس ذكي)...فلا يكون الاختيار عشوائيا، وإنما تراعى بقية العناصر.

    -        ما يتلاءم ورصيد الفرد من المفردات، فقد نختار مفردة جهلا بغيرها، فنقول (أخفى غيظه) جهلا ب( كظم غيظه) ونقول:(شرهت نفسي) جهلا ب( لقِست نفسي)...

    -        ما يرغب فيه المنشِئُ، كأن يختار لفظة دون سواها، لا عن جهل بغيرها، ولكن لرغبة شخصية كأن تكون أكثر تداولا، أو أخف من غيرها، أو ذات وقع خاص، أو لتشكيلها مع غيرها جناسا أو سجعا، أو لأنها تمكِّنه من التورية إذا قصد ذلك وكانت اللفظة متعددة المعنى، أو لأنها غريبة إذا كان المتكلم متفاصحا مولعا بالغريب... 

        إن العلاقات التركيبية والعلاقات الترابطية مسؤولتان عن الأداء الصحيح للغة، وبذلك يُفَسَّر عدمُ خطأ جلِّ أبناء المجتمع في التركيب والاختيار فلا نسمع: أكل الولد الحليب، افترس الثور الولد، رضع المولود الشعير، شرب العشب الماء، قضمت الدابة العشب... بينما نسمع: أكل الولد التفاحة، افترس الأسد الولد، امتص العشب الماءَ... لأن الفضل في ذلك يعود – فضلا عن آلية التركيب- لآلية الاختيار التي يسهر عليها النظام، فتعمل آليا دون شعور منا، "وهكذا يتم التفاهمُ(الإنساني) والاستعمالُ اللغوي –عامة- بهذه السرعة التي نعهدها.

    إن المتكلم العادي لا يدرك العمليات المعقدةَ العقلية والعضوية التي يقوم بها لنطق صوت واحد أو كلمة واحدة، وهو – كذلك- في مجال تأليف الجمل- عندما يتكلم لغته الأم- لا يدرك العملياتِ البالغةَ التعقيد التي يقوم بها. ولكن المتكلم قد يتعثر، وقد يخطئ خطأ بيِّنا، عندما يتكلم لغةً غير لغته، وهو يبذل جهدا (شعوريا) لتأليف الجمل على قدر إتقانه لتلك اللغة، وهذا الجهد يتناقص كلما ازداد إتقانه لها."  فمثل مستعمل اللغة مثل السائق المتمكنِ من السياقة المحيطِ بنظامها، حيث يمتثل لقوانين المرور ويطبقها- مهما كانت معقدة- دون شعور منه عكس ما كان يعانيه في تعامله من نظام المرور حين كان مبتدئا.

       وما يقال عن هاتين العلاقتين في الجمل يقال أيضا في المفردات، ففي الفعل (كتب) مثلا تظهر العلاقة التركيبية بين عناصر الفعل وفق ذاك الترتيب: ك + فتحة + ت + فتحة + ب + فتحة = كتب، ولو غيرنا التوزيع لحصلنا على تراكيب أخرى. أما العلاقة الترابطية أو الاستبدالية في المفردات فتتمثل في إمكانية حلول صوت آخر من أصوات اللغة محل أحد أصوات ذاك الفعل فنحصل على وحدات أخرى، كاستبدال الكاف بالعين (عتب) أو التاء بالسين (كسب) أو الباء بالميم (كتم)...إلخ.

    مقارنة بين العلاقتين:  يمكن الوقوف- من خلال ما سبق ذكره- على بعض النقاط الجامعة أو الفارقة بين العلاقتين حسب دي سوسير:

    - يعملان معا في وقت واحد بما يشبه الغربلة العقلية، ففي الزمن الذي يحدث فيه التركيب مُمَثلا للعلاقات التركيبية، يحدث الاختيار مُمَثلا للعلاقات الترابطية.

    - تكون العلاقات التركيبية بين وحدات حضورية موجودة بالفعل، بينما تكون العلاقات الترابطية بين وحدات غيابية كامنة في الذاكرة.

    - تكون العلاقات التركيبية محدودة العناصر حسب ما يحتاجه التركيب أو الجملة، أما عناصر العلاقات الترابطية فهي قائمة مفتوحة.

    - تقوم العلاقات التركيبية على شكل خطي بارتباط الوحدة بما يسبقها من وحدات أو يلحقها أو بهما معا، أما في الترابطية " فالكلمة تشبه المركز في مجموعة فلكية يلتقي فيها عدد غير محدود من العناصر المتشابهة." فلا خطية في العلاقات الترابطية، وهو الفرق الذي وقف عليه دي سوسير، إذ لاحظ أن " الارتباط الذي يتألف خارج الحديث يختلف كثيرا عن ذلك الذي يتكون داخل الحديث، فالارتباطات التي تقع خارج الحديث لا يدعمها التعاقب الخطي، ويكون مكانها في الدماغ، فهي جزء من الذخيرة الداخلية للغة التي يملكها كل متكلم "

        فاللغة –إذن- ليست مجرد رصف للعناصر ولكنها تضافر عمليتين متزامنتين هما التوزيع والاختيار المتعلقان -على التوالي- بالعلاقات التركيبية والعلاقات الترابطية، ولذلك لا تحدث عملية التركيب التي تعقِد بين مجموعة محدودة من الوحدات التي تظهر على السطح أثناء الكلام إلا بالتزامن مع عملية أخرى مهمةٍ في الدماغ يتم من خلالها اختيار أيٍّ من تلك العناصر المترابطة ذهنيا أولى بالظهور على مستوى التركيب.

     


  • خصائص اللسان البشري( الخطية والتقطيع المزدوج)

        تتميز لغة الإنسان الطبيعية -باعتبارها وسيلة من وسائل التواصل الإنساني- عن بقية نظم التواصل الأخرى، الإنسانية وغير الإنسانية، بمجموعة من الخصائص، حيث يمكن القول إن كل ما تتناوله اللسانيات من مواضيع متعلقة باللغة إنما هو في الحقيقة كشف عن تلك الخصائص، ومن ثم فإن كل ما ذكرناه سابقا فيما يخص رؤية دي سوسير، وفيما تعلق بثنائياته خاصة، ككونها نظاما من العلامات الصوتية الاعتباطية، أو فيما تعلق بطبيعة العلامة اللغوية وما تميزت به من ثنائيةٍ مشكَّلةٍ من اتحادٍ اعتباطي للدال – وهو الصورة الصوتية- بالمدلول – وهو الصورة الذهنية- إضافة إلى تميزِها بالخطية، وتمثيلِها قيمةً معينةً داخل النظام، واتصافِها بصفتي الثبوت والتغير... هذا فضلا عما يربط العلامات بعضِها ببعض من علاقات متمثلة في العلاقات التركيبية والعلاقات الترابطية... كل ذلك -في الحقيقة- من الخصائص التي تشترك فيها لغة البشر منذ وُجدت ووُجِدوا، مهما كانت الصورة التي تبدو عليها، فلا خلاف بين لغة فصيحة أو عامية، ومهما كانت الجماعة التي تمثلها، فلا فرق بين جماعة مثقفة أو أمية.

        ولئن كانت خصائص اللغة الإنسانية كثيرة إلا أن ما يهمّنا منها تلك الخصائصُ التي كشفت عنها الدراسات اللسانية الحديثة مما لم تَسبق إليه المعرفة اللغوية، ولذلك سنحاول الوقوف عند خصيصتين اعتُبِرتا كشفا مهما اهتدى إليه بعض لسانيي القرن العشرين، وهما الخطية والتقطيع المزدوج: 

    1- الخطية: لن نطيل الوقوف عند هذه الخاصية ما دمنا قد تطرقنا إليها ضمن ثنائية العلامة اللغوية (الدال/ المدلول) باعتبارها من أهم خصائص الدليل اللغوي، كما أشرنا إليها في ثنائية العلاقات بين الأدلة أثناء حديثنا عن العلاقات التركيبية، حيث إن الوحدات اللغوية – المفردات والتراكيب- لا تُدرك دفعة واحدة –خلافا لكثير من العلامات غير اللغوية التي تهتم بها السيميولوجيا كإشارات المرور و...- وإنما تكون متسلسلة بشكل متتالٍ يمتنع معه أن تُنطَق وحدتان لغويتان (صوتان أو كلمتان) في زمن واحد أو تحتل وحدتان لغويتان -خاصة أثناء الكتابة- الموقعَ نفسَه، وهي الخاصية التي قصدها دي سوسير بقوله:" عناصر الدال السمعي تظهر على التعاقب، فهي تؤلف سلسلة، وتتضح هذه الخاصية عندما نعبر عن الدال كتابة، فيحل الخط المكاني لعلامات الكتابة محل التعاقب الزمني."

    2- التقطيع المزدوج Double articulation: أو التمفصل المزدوج، أو القابلية للتجزئة، وهي الخصيصة التي ركز عليها اللساني الفرنسي أندري مارتينيAndré Martinet، والتي تجيبنا عن سؤالنا: ما الذي مكّن الألسنة البشرية الطبيعية –خلافا لنظم التواصل الأخرى الحيوانية أو الاصطناعية- من التعبير عن غير المحدود من الأغراض والمعاني بعدد محدود من الأصوات والمفردات؟

        يجيبنا صاحب المصطلحات المفاتيح في اللسانيات بقوله:" تحتكم الألسن الطبيعية، حسب تصور أندري مارتيني، لمبدأ التمفصل المزدوج، حيث تمثل المورفيمات وحدات التمفصل الأول (تقطيع الملفوظات إلى علامات)، بينما تمثل الفونيمات وحدات التمفصل الثاني (تقطيع العلامات إلى أصوات تخلو من المعنى)"

        فقد ذهب أندري مارتيني إلى أن كل لغة من اللغات الإنسانية (فصيحة كانت أو عامية، بائدة أو مستعملة) مزدوجة التمفصل، حيث تتركب من نوعين من الوحدات الاستبدالية هما أساس كل التراكيب اللغوية، حيث يمكن الحصول عليها (تلك الوحدات) بتقطيع الجمل والتراكيب إلى مستويين، مستوى الوحدات الصغرى الدالة، ومستوى الوحدات الصغرى غير الدالة. وحتى نقف على هذه الخصيصة – كما فهمها مارتيني- يمكننا التمثيل بالجملة التالية المكونة- على غرار كل التراكيب- من مستويين من الوحدات هما: الوحدات الدالة أو (المورفيمات) التي نحصل عليها من خلال التقطيع الأول، والوحدات غير الدالة أو (الفونيمات) المشتملة على الصوامت والصوائت، والتي نحصل عليها من خلال التقطيع الثاني، ومثالنا هو: الجو مشمس= جملة تمثل المستوى التركيبي، لكنها نتيجةُ انتظام ثلاث وحدات صغرى هي: 

    ال + جو +مشمس= حصلنا على هذه الوحدات الثلاث المنتمية الآن إلى المستوى الصرفي

                         أو المعجمي عن طريق التقطيع الأول، وهي وحدات دالة قابلة للتقطيع

                        أكثر، فالوحدة (مشمس) مثلا تُقطع وفق الصورة التالية:

     مشمس = م + ضمة + ش + م + كسرة + س + الحركة الإعرابية (ضمة): فقد حصلنا

            على هذه الوحدات السبع الأصغر من الوحدات السابقة، والمنتمية الآن إلى المستوى

          الصوتي عن طريق التقطيع الثاني، وهي وحدات غير دالة، وغير قابلة للتقطيع أكثر.

    يمكننا - بعد هذا التقطيع- إعادة التركيب فنقول إن تلك الجملة (الجو مشمس) هي حاصل تركيب الوحدات غير الدالة ( أ + فتحة + ل / ج+ فتحة + و + الحركة الإعرابية "ضمة" / م + ضمة + ش + م + كسرة + س + الحركة الإعرابية "ضمة") ثم حاصل تركيب الوحدات الدالة ( ال/ جو / مشمس).

    تسمى الوحدات الصغرى غير الدالة( ... م + ضمة + ش + م + كسرة + س + الحركة الإعرابية "ضمة"...) المنتمية إلى مستوى التقطيع الثاني فونيمات phonème، وهي مزيج من الصوامت والصوائت التي لا تقبل أن تتجزأ، مع اتسامها بكونها بطيئةَ التطور ومحدودةَ العدد في كل لغة، حيث لا يتجاوز عددها العشرات.

    أما الوحدات الصغرى الدالة( ال/ جو/ مشمس) المنتمية إلى مستوى التقطيع الأول فتسمى مورفيمات Morphème، ويسميها أندري مارتيني  André Martinet- صاحب نظرية التقطيع المزدوج- مونيمات Monème ، أي الوحدة الدالة، ويقسمها إلى فرعين هما:

    أ- الوحدة الدالة الصرفية "مورفيم" Morphème: أو الوحدة الصرفية توسعا، وهي التابعة لقواعد اللغة، ويمثل هذا الفرع نوعا مغلقا ذا وحدات قليلة وأكثر استقرارا.

    ب- الوحدة الدالة المعجمية "ليكسيم" Lexème: أو الوحدة المعجمية أو الدلالية توسعا أيضا، وهي نوع مفتوح وعددها كبير مقارنة بالنوع الأول، وذلك لأنها تشكل عددا متحولا من الوحدات، يظهر بعضها وينتشر ويتلاشى بعضها الآخر وينقرض. ويوضح المثال التالي ما قصده مارتيني:

     أ- سمع، ركب، رجع ... وحدات معجمية Lexèmes.

    ب- لا، بل، الهاء، الباء من "به" ... وحدات صرفية Morphèmes.

    ج- أمثلة "أ "+ أمثلة" ب" = وحدات دالة Monemes.

        والوحداتُ المعجمية Lexèmes المنضوية تحت المونيمات  Monemes" تتضمن معلومات حول العالم، وعددها في اللسان غير محدود" ولذلك تُعتبر الأكبرَ عددا، والأوسعَ مساحة دلالية، ومن ثم تهتم المعاجم اللغوية بتدوينها رفقة معانيها، لأنها الأكثر عرضة للتغير الدلالي بمرور الزمن، فهي صنف مفتوح لكثرتها وقابليتها للتحول، حيث يظهر قسم منها وينتشر ثم ينقرض، خلافا للوحدات الصرفية  Morphèmesالتي تعتبر أقل عددا، وأكثر استقرارا من الوحدات المعجمية باعتبارها " تتضمن معلومة نحوية، أما عددها في اللسان فهو محدود." فالضمائر مثلا، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وحروف العطف، وحروف الجر، وتاء التأنيث، وأداة التعريف، وأدوات نصب الأسماء أو الأفعال، وحروف الجواب... كلها ثابتة في العربية منذ أقدم عصر عرفته هذه اللغة، ولذلك فهي صنف مغلق، وعادة ما لا تهتم بها المعاجم اللغوية، وإنما يُبحث عنها في مؤلفات النحو والصرف.

        فوحدات التقطيع الأول التي يسميها مارتيني مونيمات تعتبر أدلة لغوية، سواء أكانت ليكسيمات أو مورفيمات، لأن لها دالا ومدلولا، وهي لا تفقد دلالتها إلا إذا جزئت أكثر، حيث لا نحصل بعد تجزيئها إلا على وحدات صوتية (فونيمات) عديمة الدلالة تنتمي إلى مستوى التقطيع الثاني، وهي وإن كانت مفرغة من الدلالة إلا أنها ذات وظيفة تمييزية لكونها قادرة على تغيير المعنى الذي يرِد في المستوى الأعلى.

        ليس الغرض من حديثنا على التقطيع المزدوج معرفةُ كيف يتم ذلك، وإنما الغرض منه الكشفُ عن قيمة هذه الخصيصة، والوقوفُ على حقيقة مفادها أن الذي مكّن اللغات البشرية الطبيعية من التعبير عن غير المحدود من الأغراض والمعاني، وإنتاج ما لايحصى من الجمل انطلاقا من عدد قليل من الأصوات، وعدد - مهما كثُر- محصورٍ من المفردات إنما هو تميُّزُها بخاصية التمفصل أو التقطيع المزدوج، وهي الخصيصة التي لا تتوفر عليها أنظمةُ التواصلِ غيرِ البشرية، كأنظمةِ التواصلِ الحيوانيةِ التي يستخدم كثير منها الأصوات، وأنظمةُ التواصلِ الاصطناعيةِ أو غيرِ الطبيعية، كلغات الإشارة الجسمية، ولغة الصم البكم، ونظام المرور، ولغة الأعلام (الرايات) التي يستعملها الكشافة وحراس الشواطئ وغيرهم، ولغة الإشارات الضوئية التي تستخدمها السفن... حيث تكون الرسالة في غير اللغات البشرية كتلة واحدة غير قابلة للتقطيع والتحليل إلى وحدات كبرى متضمنة لوحدات صغرى، ولذل  كما يقول حاتم صالح الضامن " لا نستطيع أن نطلق على تلك الإشارات أو الأصوات أو الحركات التي يعبر بها الحيوان عن رغباته كلمة اللغة إلا على سبيل المجاز فقط، لأن اللغة هي تلك الرموز والأصوات والجمل والتراكيب التي عرفها الإنسان وألفها واستطاع أن يعبر بها عن رغباته وأفكاره، فهي بعيدة كل البعد عن تلك التي لدى الحيوانات."

        ولئن وجدنا في بعض النظم غير الطبيعية، أو الطبيعية الحيوانية ما يمكن أن ينطبق عليه مبدأ التقطيع الأول، كدلالة شعار الميزان على العدل، ودلالة رقصةٍ معينةٍ للنحل على ما تعلق بمادة الغنيمة، ودلالة رقصة أخرى على ما تعلق بالمسافة القريبة أو البعيدة، ودلالةِ ثالثةٍ على ما تعلق بالاتجاه بالنسبة إلى الشمس وفق ما توصل إليه عالم السلوك الحيواني النمساوي كارل فون فريش Karl von frish، ودلالة لافتة مرورية على أن الأولوية لليمين في ذلك المكان بعينه، ودلالة لافتة أخرى على تحديد السرعة في ذلك المكان دون سواه... إلا أنه لا يمكن تقطيع تلك الوحدات إلى مستوى ثان من أجل الحصول على وحدات أصغر، فلا يمكن القول –مثلا- إن إحدى كفتي الميزان تدل على أمر، وتدل الأخرى على أمر ثانٍ، ويدل لسانه على أمر ثالث !! وهو ما يعني اختلافا جذريا بين اللغة البشرية باعتبارها نظاما مفتوحا، وبين أنظمة التواصل الأخرى المتسمة بالتحجّر وعدم المرونة باعتبارها أنظمة مغلقة، إذ " ليس للغة المذكورة (لغة المرور) جوانب تشترك فيها مع اللغة الطبيعية لسِمة تحجّر المعلومة فيها وغياب التوليفية وحصرِ الإحالةِ في مكانِ حصرِ (اللافتة)."

        وإضافة إلى تميز الألسنة البشرية الطبيعية عن غيرها من أشكال التواصل بالمرونة المستفادة من خصيصة التمفصل المزدوج وقيامها على التوليفية فضلا عن عدم تحجر المعلومة فيها، فإنها تقوم دائما على قصدية الإبلاغ ونقل المعلومة في إطار تخاطبي متوفر على كل عناصر الخطاب من مرسِل، ومرسَل إليه، وسَنن مشترك، وقناة... خلافا لكثير من العلامات الخارجة عن إطار اللغة البشرية الطبيعية، والتي لا تقوم على قصدية الإبلاغ ولا تشترط عناصرَ التخاطب رغم ما تحمله من دلالات، كالدخان الدال على الاحتراق، والرماد الدال على نار سابقة، والأثر الدال على السير... فكلها لا تقصد نقل رسالة إلينا رغم استنتاجنا نحن ما تحمله من دلالات خلافا للعلامات اللغوية، وفي إطار هذه الخصيصة (التقطيع المزدوج) المُمَكِّنَة من الإبلاغ المقصود يندرج ذلك السؤال المحير الذي طرحه أحد علماء اللغة المحدثين قائلا:" هل تستطيع أن تدلني على أحد يستطيع أن يستغل النفايات بطريقة أخرى وأكثر كفاءة وأهمية من استعمال الإنسان لنفايات عملية التنفس؟!" لتكون إجابته بالنفي المطلق لأن تميز اللغة الإنسانية بالتمفصل المزدوج مكنها -انطلاقا من استخدامها عددا محدودا جدا من الأصـوات الـتـي لا معنى لأي منها على انفرادٍ- من تركيب عدد لا يحصى من الوحدات الصوتيـة ذات المعنى. ولذلك يعود الفضل فيما تُعرف به اللغة من اقتصاد إلى تلك الخصيصة العجيبة التي تعني مرونةً تميزت بها كل الألسنة البشرية الطبيعية، فمكنتها من التعبير انطلاقا من المحدود من الوحدات غير الدالة (الفونيمات) والوحدات الدالة (المونيمات "المورفيمات") عن غير النهائي من المعاني والأغراض، فهو- أي الاقتصاد اللغوي- حسب مارتيني، من أظهرِ آثار التقطيع المزدوج "... ولو كان علينا أن نخص كل وحدة دنيا دالة بإنتاج صوتي منفرد وأصمّ، أي غير قابل للتحليل، للزمنا أن نميز بين آلاف من هذه الإنتاجات، وهو ما يتجاوز قدرةَ البشر على تنويع النطق وطاقتَهم على إرهاف السمع. أما بالتقطيع الثاني فيمكن للألسنة أن تقتصر على بعض الأصوات المتميزة التي نركّبها في صور مختلفة لتكوين الشكل الصوتي لوحدات التقطيع الأول، فلفظة (tète) على سبيل المثال تَستعمل مرتين الوحدةَ الصوتية التي نرسمها /t/ مع إضافة وحدة أخرى /e/ ندرجها بين هذين الشكلين."

     

     

     

     

     


  • اللسانيات والتواصل اللغوي( دورة التخاطب)

            إن كان اعتناء دي سوسير ومعظم البنيويين باللغة باعتبارها نظاما نظريا مجردا منفصلا عن الواقع الخارجي، فإن علماء التخاطب اعتنوا – خلافا للبنيويين- بالكلام أو الاستعمال، لأن " هذا النظام المجرد يمكن أن يُجتلى، ويتحقق في الواقع الفعلي، ويرتبط بما هو خارج اللغة عندما ننقله من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل عن طريق الكلام، أو الاستعمال." بل، ورغم نقلنا إياه من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل يبقى ذلك المُنتَج الكلامي – من أجل تحديد المقصود منه- مفتقرا إلى عناصر خارجة عن اللغة ونظامها، يجب الاهتمام بها، والكشف عنها، وتحديد أدوارها وقيمة كل منها في فهم الخطاب "وهي المخاطِب، والمخاطَب، والسياق، أي ربط الجملة بزمان، ومكان، ومخاطبين، ومقام تخاطبي، وتحديد ما تشير إليه التعبيرات اللغوية الإشارية."

        فبالنظر إلى اللغة من خلال ذلك الطابع الاجتماعي يتجلى أن اللغة لا تطبق فعليا ولا تُستعمل إلا بين اثنين فأكثر يشتركان في نظام تلك اللغة ويصلح كل منهما – بتبادل الأدوار والتفاعل فيما بينهما وإقامة جسور للتواصل أخذا وعطاءً- أن يكون متكلما ومتلقيا في الوقت نفسه، وتكون منتجات اللغة عبارة عن رسائل متداولة بينهما وفق مسار دائري تعود فيه الرسالة إلى النقطة التي انطلقت منها، ولذلك شاعت تسمية الاستعمال اللغوي بين الطرفين بدورة التخاطب " وأضحى اللسانيون يبحثون في مبادئ (أو أصول) التخاطب principles of communication لبلوغ كنه مراد المتكلم بدلا من الاقتصار على البني اللغوية المجردة."

        أما دورة التخاطب فتطلق على كل ما تُبلَّغ به الأفكار وتُنقَل بواسطته الأخبار من مكان إلى آخر كالصوت، والخط، والإشارة باليد أو المنكب أو الحاجب... وغير ذلك مما تبلّغ به الرسائل من أنظمةٍ سواءٌ كانت لغوية طبيعية، أو اصطناعية ما دامت قائمةً على قصد التبليغ وإرادة ذلك، كالإشارات البحرية، وأعلام الكشافة، وإشارات المرور، والحركات اليدوية، فضلا عن اللغة الإنسانية الطبيعية باعتبارها تشترك مع ما ذكرنا من طرائق تواصلية في عناصر تلك الدورة، وإن كانت اللغة- باعتبارها موضوع الدرس اللساني- " أقدر الوسائل على التبليغ والتوصيل"، ولذلك سنقتصر على الأنظمة التواصلية البشرية ذات الطبيعة اللفظية وفق الهندسة التي اقترحها اللساني الروسي رومان جاكبسون Roman Jackobson، والتي تقوم على الاعتداد بكل جزئيات اللغة، الداخلية والخارجية التي لا غنى للرسالة اللغوية عنها، وذلك باعتبار اللساني معنيا بها – حسب جاكبسون- حيث " لا يمكن استبعاد نقطة منها لأنها تشبه الدارة الكهربائية تماما، والخطاب فيها هو التيار، فلو أسقطنا عنصرا في الدارة انقطع التيار، أو على الأقل تختلّ الدارة، ويتشوّه مخططها البياني، وكذلك الأمر بالنسبة للدارة التواصلية الكلامية، فغياب عنصر منها يعرقل السير العادي للرسالة، أو يحدث على الأقل خللا."

    وتتمثل عناصر هذه الدورة التخاطبية في ستة أركان حسب المخطط التالي:

     

     

     

     

     

     

     

     


    جهاز استقبال

     

    جهاز إرسال

     

    2ـــ المرسَل إليه

     

    1ـــ المرسل

     

                                   

     

     

     

     

     


        أما عما يمثله كل عنصر من عناصر هذا المخطط فيبدو فيما يلي: 

    1- المرسِل Destinateur: وهو نفسه الباثّ أو المخاطِب أو الناقل أو المتحدِّث الحائز على جهازي الإرسال والاستقبال، حيث يعتبر أهم عناصر دورة التخاطب، حتى إن السامع قد يقتنص معلومات ثمينةً انطلاقا من جرس صوت المرسِل فقط، كتعرفه على " جنسه وسنه، وبدانته (Stoutness. Corpulence) وحالاته الصحية، والمنطقة الجغرافية التي ينتسب إليها، والطبقة الاجتماعية التي أثرت فيه، بل حتى على حالاته النفسية التي يوجد عليها آن الحديث." ولذلك " يستحيل على أي تصورٍ لوضعٍ تخاطبي لفظي أن يستغني جزئيا أو كليا عن المرسِل"فهو مصدر الخطاب شرط تمتعه بالصفتين التاليتين:

    أ- تمتعه بالقدرتين المستقبِلة والمنسِّقة من أجل الترميز codage وتفكيك الرمز décodage اعتمادا على النظام اللغوي (نظام الترميز) المشترَك بينه وبين المرسَل إليه.

    ب- تمتعه بلياقة كافية – ولو في مستواها الأدنى- تمكنه من توجيه الخطاب منطوقا (أداء مباشر) أو مكتوبا (أداء غير مباشر).

    2- المرسَل إليه Destinataire : وهو المتلقي أو السامع أو المستقبِل أو المخاطَب الذي يقابِل للمرسِل فيُوَجَّه إليه الخطاب منطوقا أو مكتوبا – سواء كان في حضرة المرسِل زمانا ومكانا أو لم يكن - شرط امتلاكِه– كالمرسِل- جهازي الاستقبال والإرسال، وتمتعِه بما يتمتع به المرسِل خاصة ما تعلق بالقدرتين المستقبِلة والمنسِّقة من أجل تفكيك رموز الرسالة décodage اعتمادا على النظام اللغوي المشترك بينه وبين المرسِل، إضافة إلى الترميز codage، وهو ما يمكِّنه من التحولِ إلى مرسِلٍ يخاطِب المرسِل السابق الذي يتحوّل بدوره إلى مرسَلٍ إليه، لأن كلَّ من يُتَصَوَّرُ منه الاستقبال يُتَصَوَّرُ منه الإرسال لتتم دورة التخاطب.

    3- الرسالةMessage : هي ما يريد المرسِل تبليغه إلى المرسَل إليه من أفكار، ولا يكون ذلك إلا في إطار ماديٍّ (صوت أو خط) وفق النظام اللغوي المشترك بينهما، أو هي "الجانب الملموس في العملية التخاطبية، حيث تتجسد عندها أفكارُ المرسِل في صورة سمعية لمّا يكون التخاطب شفهيا، وتبدو علاماتٍ خطيةً عندما تكون الرسالة مكتوبة"، وباختلاف مادة الرسالة يختلف جهاز إرسالها لدى المرسِل وجهاز استقبالها لدى المرسل إليه، فإذا كانت الرسالة صوتية فإن جهازَ إرسالها هو الجهاز النطقي وجهازَ استقبالها هو الأذن، أما إذا كانت الرسالة خطية فإن جهازَ إرسالها هو القلم أو ما يقوم مقامه كلوحة مفاتيح الحاسوب مثلا، أما جهازُ استقبالها فهو العين. وكلٌّ من الأذن والعين -باعتبارهما جهازي استقبال للرسالة- يحوِّلان ما استقبلاه من رموز صوتية أو خطية إلى الدماغ من أجل فك تشفير ذلك الخطاب اعتمادا على ما يتمتع به المرسِل والمرسَل إليه من نظامِ ترميزٍ مشتركٍ.

    4- السَّنَنCode : أو الوضع، وهو اللغةُ المعينةُ أو النظامُ اللغويُّ الذِّهنيُّ المشتركُ بين أبناء الجماعة اللغوية الواحدة، الموزَّعُ على مستويات اللغة كلِّها، صوتا وصرفا وتركيبا ودلالة، والذي ينسجُ على منواله المرسِلُ رسالتَه codage، وعلى منواله أيضا يستقبل المرسَلُ إليه الرسالةَ ويفكك شفراتِها décodage، فهو نظام ترميزUn Code مشترك بين المرسِل والمتلقي، وعليه يعوِّل كلٌ منهما لأجل إنشاء الرسالة، أو لأجل استقبالها وفهمها، وإذا اختلف السَّنَنُ لم يتمكن المتخاطبان من فهم ما بينهما من رسائل لعجز المتلقي عن فك شفرات الرسالة ما دام نظامُه غيرَ نظام المرسِل، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تعطل دورة التخاطب وعجزها عن مواصلة مسارها، ولذلك فإن الرسالةَ لن تعدوَ كونَها مجردَ أصواتٍ أو خطوطٍ مبهمة، كعربي يستمع إلى ياباني!! أو يحاول –عبثا- قراءة نص مكتوب باللغة الصينية!!

    5- السياقContexte  أو المرجع Le référent: فعلى الرغم من اشتراك المتخاطبين في السنن إلا أن المرسَل إليه قد يعجز عن فهم فحوى الرسالة، أو قد يفهمها فهما خاطئا إذا حاول ذلك – فهم الرسالة- دون رجوع أو احتكام إلى السياق بنوعيه -اللغوي وغير اللغوي- الذي قيلت فيه الرسالةُ، حيث " لا تفهم مكوناتها الجزئية، أو تفكك رموزها السَّنَنية إلا بالإحالة على الملابسات التي أُنجزت فيها هذه الرسالة قصد إدراك القيمة الإخبارية للخطاب، ولهذا ألحَّ جاكبسون على السياق باعتباره العاملَ المفعِّلَ للرسالة بما يمدُّها به من ظروف وملابسات توضيحية"

     فلو قلت مخاطبا أحدهم:(ضمِّد حاجب الصبي واحذر العين) ثم قلت:( أظن الرجل عينا أرسله الأعداء) ثم قلت:(أصابت الصبيَّ عينٌ) ثم قلت:(زرت مدينة سطيف وشربت من عين الفوارة)... لفهم المخاطَبُ، مستعينا بالسياق اللغوي، أن لكلمة (عين) معانيَ مختلفة كشفت عنها الكلمات السابقة أو اللاحقة لها، فهي تعني في المثال الأول العين التي نبصر بها، وفي المثال الثاني الجاسوس، وفي الثالث عين الحاسد، وفي الرابع نبع الماء، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالسياق غير اللغوي، أو الخارجي، المتمثل في الظروف والملابسات المحيطة بالحدث الكلامي، فلو خاطبت أحدَهم قائلا:(احذر العينَ) لما عرف ما أقصده لاحتمال دلالة الكلمة (عين) على معانٍ متعددة بسبب غياب القرائن اللفظية المعيِّنة للمعنى المقصود، غير أنه بإمكان هذا المخاطَب الاستعانةُ بالسياق غير اللغوي أو الخارجي لفهم الخطاب، فلو قيلت تلك الجملة (احذر العينَ) في وقت الحرب مثلا لعرفنا أنها تعني الجاسوس، ولو قيلت أثناء حديثنا عن شيء فائق الجمال لعرفنا أنها تعني عين الحاسد، ولو قيلت في المستشفى أو حلبة الملاكمة لعرفنا أنها تعني آلة البصر. وكذلك لو سمعت هذه الجملة (أنهيت العملية) ثلاث مرات في أماكن مختلفة وعلى ألسنة أشخاص مختلفي التخصصات، كأن أسمعها من تلميذ في المدرسة، ثم من طبيب في المستشفى، ثم من جندي في الثكنة العسكرية، حيث سيمثل كلٌّ من التلميذ والمدرسة سياقا خارجيا محددا لمعنى كلمة (عملية) وهو(عملية حسابية)، ويمثل كلٌّ من الطبيب والمستشفى سياقا خارجيا محددا لمعنى آخر لها، وهو (عملية جراحية)، بينما يمثل كلٌّ من الجندي والثكنة العسكرية سياقا خارجيا محددا لمعنى ثالث لها، وهو (عملية عسكرية)، وشتان بين المعاني الثلاث لكلمة عملية التي حددها السياق الخارجي.

    6- القناةCanal : القناة هي الممر الذي تُنقل عبره الرسالة من المرسِل إلى المرسَل إليه، وتختلف باختلاف مادة الخطاب، فقناة الخطاب الصوتي الناقلة للموجات والذبذبات إلى الأذن، غير قناة الخطاب الخطي الناقلة للألوان والأشكال إلى العين... وإذا كانت القناة غير صالحة للنقل تعطلت دورة التخاطب ولم تصل الرسالة، كأن تكون المسافة بين المتخاطبين بعيدة جدا تمنع وصول الصوت أو قراءة الخط، أو يكون إرسال الهاتف أو تدفق الإنترنيت ضعيفا إذا كان الخطاب عبر هاتين القناتين.

        فالرسالة الحاملة لفكرة معينة، والتي يريد المرسِل تبليغها إلى المرسَل إليه، إنما تتم صياغتُها نطقا أو كتابةً وفق سَنَن معين مشترك بين المتخاطبَيْن، حيث يرسلها المرسِل اعتمادا على جهاز الإرسال الخاص به عبر قناة صالحة للنقل، ليتلقَّفها بعد ذلك المرسَلُ إليه في شكل رموز صوتية أو خطية اعتمادا على جهاز الاستقبال الخاص به محاولا فهم الفكرة التي تعبر عنها تلك الرموز، ولذلك يعمد إلى تفكيك شفراتها مستعينا بالسَنَن نفسِه الذي نُسِجت الرسالة على منواله، وبالسياق الذي قيلت فيه. وبنجاح المرسَل إليه في فك شفرات تلك الرسالة، وبتفاعله معها، يتحوّل إلى مرسِلٍ بينما يتحول المرسِلُ السابق إلى مرسَلٍ إليه، حيث " يعمل عقل الإنسان في حالة بث الرسالة بطريقة مختلفة عن عمله في حال استقبالها وتلقيها " ، فيعيد العملية السابقة بعناصرها ولكن بطريقة عكسية فتكتمل دورة التخاطب، ولولا ذلك التفاعل لما تمّت الدورة، إذ " لا تستقيم الحياة ببثٍّ من طرف واحد، بل لابد من أن نتبادل مع الآخرين مشاعرهم وأفكارهم واقتراحاتهم، ويكون (التواصل) لا (الاتصال) وحده سبيل ذلك، وتكون اللغة هي الأداة التي تحدث ذلك وتؤدِّيه."

        ويشرح الدكتور صالح الضامن ما يتم أثناء تلك الدورة قائلا:" لابد لنَقْلِ أي خبر أو فكرة من أن يكون لهذا الخبر أو هذه الفكرة مصدر ونهاية مختلفان في الزمان والمكان، أي إن الخبر أو الفكرة ينتقلان من نقطة البداية إلى نقطة أخرى هي نقطة النهاية، ولابد من أن يسلك هذا الخبر طريقا يُدعى الممر أو القناة، ولكي يمر الخبر عبر الوسط الناقل له فلابد من صياغته في رموز متعارف عليها، ويستعان لتحقيق ذلك بجهاز الإرسال لدى الإنسان وهو الجهاز الصوتي، وبعد إرسال الخبر لابد أن يوجد هناك جهاز لاقط، وهو أذن السامع تتلقى تلك الرموز وتترجمها وتعيدها إلى الصيغة التي انطلق بها الخبر من المصدر."

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     


  • وظائف اللغة

        الحقيقة أن اللغة، وإن كانت تستعمل من أجل التواصل والتبليغ كما جاء في كثير من التعريفات الخاصة بها، إلا أن من يتمعن في الوظيفة اللغوية - كما فعل أصحاب حلقة براغ وعلى رأسهم جاكبسون- سيقف على حقيقةٍ مفادُها أن كثيرا مما كان يُعتقَد واحدا هو في الحقيقة متعددٌ، وهو الأمر الذي وضّحه جاكبسون وفصّله عندما راح يبيِّن أن كَوْنَ اللغةِ ذاتَ وظيفة أمرٌ بديهي، غير أن كَوْنَ الوظيفةِ متعددةً هو أمرٌ غير معهود، ولذلك عُدَّ تحديدُ وظائف اللغة، وتصنيفُها، وتمييزُ بعضها عن بعض، وإقامةُ كل وظيفة على عنصرٍ من العناصر الستة لدورة التخاطب سبقًا أحرزه جاكبسون، فضلا عن وقوفه على فكرة هيمنة الوظائف، حيث طرح جاكبسون فكرة الهيمنة أو طغيان وظيفة على حساب الوظائف الأخرى في الرسالة الواحدة، وانطلاقا من تلك الهيمنة تتحدد وظيفة الرسالة وتُنسب إليها، على الرغم من أنها تحمل إلى جانب تلك الوظيفة وظائف أخرى ولكنها غير مهيمنة، ومن ثم كان لابد لكل رسالة من وظيفة مهيمنة، وندر وجود رسائل مكتفية بوظيفة واحدة.

     وفيما يلي حديث مختصر عن تلك الوظائف من وجهة نظر جاكبسون:  

    1- الوظيفة التعبيرية La fonction expressive أو الانفعالية Emotive:

        وتتعلق هذه الوظيفة بالمرسِل وانفعاله أو موقفه تجاه ما يتحدث عنه باعتبار المرسِل مَصدرَ الخطاب سواء كان صادقا في ذلك أو كاذبا، ولذلك تتميز هذه الوظيفة كما يقول الطاهر بومزبر بكونها " تنزع إلى التعبير عن عواطف المرسِل ومواقفه إزاء الموضوع الذي يعبر عنه، ويتجلى ذلك في طريقة النطق مثلا أو في أدوات تعبيرية تفيد الانفعال كالتأوّه، أو التعجب، أو دعوات الثلب، أو صيحات الاستنفار..." وكثيرا ما تسيطر هذه الوظيفة عندما يطغى (الأنا) فيتحدث المرسِل عن نفسه كما هي الحال في السيرة الذاتية أو الفخر أو الغزل، ولذلك " تتمظهر الوظيفة الانفعالية عبر أدوات تركيبية خاصة يتصدرها التعجب (l´interjection) وضمير المتكلم –أنا- (je) " ومن ذلك-مثلا- هيمنتها على كثير من قصائد عنترة والمتنبي كقول هذا الأخير:

    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي        وأسمعت كلماتي من به صمم

    فالخيل والليل والبيداء تعرفني           والسيف والرمح والقرطاس والقلم.

    2- الوظيفة الإفهاميةLa fonction cognitive  أو التأثيرية La fonction impressive:

        وتتعلق هذه الوظيفة -حال هيمنتها- بالمرسَل إليه باعتباره العنصر الرئيس في دورة التخاطب، وذلك لإثارة انتباهه أوتوجيهه والتأثير عليه، أو إقناعه حسب رغبة المرسِل، أو إدخال السرور عليه والتخفيف عنه، ولذلك تهيمن هذه الوظيفة على الخطاب ذي الأسلوب الإنشائي الموجه إلى المخاطَب، والهادفِ إلى التأثير أو الإقناع أو الإمتاع أو الإثارة والاستفزاز، فتكثر في الخطابات السياسية والدينية التي تجعل المتلقي هدفا لها من خلال اعتمادها على الأمر والنهي والعرض والتحضيض وكثافة الحجاج... ومن ثم تتميز الرسالة التي تسيطر عليها هذه الوظيفة بكونها:

    "- ذات طابع لفظي يتمظهر في تركيبتين بارزتين في كل لغة إنسانية، وهما (الأمر والنداء).

    - لا تقبل قيمتها الإخبارية الإخضاع لأحكام تقييمية، لأنها ترِد في أسلوب إنشائي بمصطلح البلاغة القديمة."

    ومن النصوص التي تهيمن عليها هذه الوظيفة معظم قصائد الوعظ كقول أبي العتاهية:

    إذا ما خلوتَ الدهر يوما فلا تقل        خلوتُ، ولكن قل عليَّ رقيبُ

    ولا تحسَبَنَّ اللهَ يُغفِلُ ما مضى           ولا أن ما يخفى عليه يغيب.

    3- الوظيفة المرجعية La fonction référentielle:

        تتعلق هذه الوظيفة- حال هيمنتها على الرسالة- بالسياق أو المرجع، أي موضوع الرسالة الذي يُتَحدّث عنه وما يشير إليه في الخارج أو الواقع. حيث إن " الدليل أو العلامة اللغوية بطبيعتها النيابية تُستعمل في العمليات التخاطبية باعتبارها نائبة عن أشياء عندما نتحدث عنها بدل استحضارها داخل السياق الخطابي" ولذلك فإن تشكُّلَ هذه الوظيفة ذو علاقة بالمرجع أو الموجودات الخارجية والأحداث التي تشير إليها الألفاظ، ولهذا تهيمن على الخطابات الواقعية والتاريخية، حيث تكون العلامات اللغوية شديدةَ الارتباط والإشارة إلى الوقائع والأحداث التاريخية كما يقول عبد السلام المسدي "باعتبار أن اللغة فيها تحيلنا على أشياء وموجودات نتحدث عنها، وتقوم اللغة فيها بوظيفة الرمز إلى تلك الموجودات والأحداث المبلَّغة." ولذلك يمكننا ببساطة ملاحظة هيمنة هذه الوظيفة على النصوص الملحمية كإلياذة هوميروس.

    4- الوظيفة التوصيلية أو الانتباهيةLa fonction phatique :

        تتعلق الوظيفة التوصيلية بالقناة الإرسالية، ويعود إليها كل ما يُستخدَم في الرسالة مما من شأنه إقامةُ الاتصال، أو إبقاؤه والحفاظ عليه، أو قطعه، وكثيرا ما تهيمن هذه الوظيفة أثناء إلقاء الدروس والمحاضرات من أجل المتابعة ومن ثَم الفهم مثل (أنصت، تابع، أفهمت؟...)، وفي الخطابات الهاتفية التي تقيم الاتصال غالبا ب:( ألو، مرحبا، السلام عليكم...) وكثيرا ما تحافظ عليه –إذا ما كان الموضوع مهما وأراد المتخاطبان إطالته- بعبارات خارجة عن موضوع الرسالة وعن فكرة الخطاب تُرَدَّدُ بين الحين والآخر ك:( هل تسمعني؟... أنت معي؟... لا تقطع... نعم نعم أسمعك جيدا... أنت هنا؟.. مفهوم؟...)، وتقطع الاتصال أو تُنهيه بعبارات مثل:( اقطع الاتصال، أنهِ المكالمة، شكرا، إلى اللقاء، السلام عليكم...) فالتوصيلية أو الانتباهية " تؤدي وظيفة المحافظة على سلامة جهاز الاتصال، والتأكد من استمرار مرور سلسلة الرسائل الموجَّهة إليه على الوجه الذي أُرسلت به " وهي وظيفة يشترك فيها كل من المرسِل والمرسَل إليه إذ يعمل كل منهما على أن تكون القناة سليمة حتى يتم الاتصال ويصل الخطاب في أحسن الظروف.

    5- وظيفة ما وراء اللغة La fonction métalinguistique:

        وتسمى أيضا الوظيفة اللسانية أو التفسيرية أو الشارحة أو الميتالغوية، وتتعلق هذه الوظيفة بالسنن أو الوضع أو النظام اللغوي المعيّن الذي يجب أن يشترك فيه المتخاطبان من أجل الترميز codage وفكّه décodage، ولذلك تهيمن هذه الوظيفة على الرسائل التي تتحدث فيها اللغة عن نفسها – لا عن الأشياء- موضِّحةً جوانب من السنن المستعمل كشرح مفردات قصيدة وتفسيرِها، وتبيان المعنى المراد من بعض الوحدات اللغوية في خطاب معين كقول المرسَل إليه:(ماذا تعني؟ وضّح قصدك...) وقول المرسِل:(أتفهم قصدي؟ أعني بهذا...) أو قول المملي:( بهمزة وصل لا بهمزة قطع، ضع الهمزة على الواو، تُكتب بالضاد لا بالظاء...)، وتقديم دروس لسانية صوتية أو صرفية أو نحوية أو معجمية أو دلالية خاصة بلغة معينة دون سواها كالنصوص المعجمية والمتون النحوية أو الصرفية على غرار الآجرومية وألفية ابن مالك... ولذلك " تكثر هذه الأنماط الخطابية التي تهيمن عليها الوظيفة الميتالسانية عندما تكون الرسالة في وضع خطابي تلقيني أو تعليمي".

     ومن خلال مقارنة بسيطة بين بيتين شعريين يتضح اختلاف الوظيفة، حيث تهيمن على البيت الأول- وهو لابن مالك- الوظيفة اللسانية بينما لا يُلحظ أي وجود لتلك الوظيفة في البيت الثاني – وهو لعلي بن الجهم-:

                                 أ- بتا فعلت وأتت ويا افعلي         ونون أقبلنّ فعل ينجلي.

    ب- عيون المها بين الرصافة والجسر         جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.

    6- الوظيفة الشعرية La fonction poétique أو الجمالية:

         تعتبر الوظيفةُ الشعريةُ الوظيفةَ الرئيسة في الخطاب الأدبي سواء منه الشعر أو النثر أو المسرح باعتبار ذلك الخطابِ فنا لفظيا أو أثرا فنيا أو خطابا نوعيا متعاليا بلغته الأنيقة هادفا إلى الإمتاع، ولذلك ترتبط هذه الوظيفة بالعنصر الرئيس في دورة التخاطب وهو الرسالة نفسها – دون إهمال لبقية عناصر الدورة- حيث يهتم بها صاحبها اهتماما زائدا أو مبالغا فيه وكأنها الغاية التي يصاغ من أجلها الكلام. تمثل الوظيفةُ الشعرية الجانبَ الجمالي للغة، ولذلك تهيمن على النصوص الأدبية الشعرية والنثرية بصفة عامة، وعلى الشعر الغنائي بصفة خاصة لأنه أَقدرُ على تصوير الجوانب الجمالية للغة والحديث عن الواقع بأسلوب جمالي منمق مزخرف، وذلك لثرائه من الناحية البيانية والبديعية فضلا عن إيقاعه وموسيقاه، وهي الجوانب التي لا تخلو منها النصوص النثرية غير أنها ليست كالشعر.

        وتظهر هذه الوظيفة بمقارنة بسيطة بين البيتين السابقين اللذين مثلنا بهما في حديثنا عن الوظيفة اللسانية، حيث تبدو الوظيفة الشعرية جلية في بيت الشاعر علي بن الجهم لما فيه من إبداع أدبي، ومن قيم فنية جمالية، ومن توازٍ، ومن استمتاعٍ وطربٍ يعترى سامعَه أو متلقيه، وميلٍ بقلبه إلى ما يسمع وإقبال عليه، بينما لا نكاد  نلحظ أي وجود لتلك الوظيفة في بيت ابن مالك:

    أ- عيون المها بين الرصافة والجسر         جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.

                               ب- بتا فعلت وأتت ويا افعلي          ونون أقبلنّ فعل ينجلي.

     

     


  • Topic 8

  • Topic 9