Aperçu des sections

  • Section 1

    الفصل الأول: ماهية المرفق العمومي

    إن فكرة المرفق العام لها علاقة وثيقة بالقانون الإداري كفرع من فروع القانون. حيث استندت مدرسة المرفق العام لهذه الفكرة القانونية واعتبرتها أساسا لتحديد نطاق القانون الإداري وتطبيق أحكامه. 

    كما اعتمد عليها أيضا لرسم مجال اختصاص كل من القضاء العادي والقضاء الإداري. واعتبرت مدرسة المرفق العام الدولة بمثابة جسم خلاياه المرافق العامة، ويعتبر المرفق العام أكثر المفاهيم القانونية غموضا وإثارة للجدل [1].

    المبحث الأول: مفهوم المرفق العام

    إن مهام ووظائف الإدارة عديدة ومتنوعة وتختلف حسب النظام السياسي، وهي محل اهتمام كل من علماء الإدارة والقانون الإداري والمهتمين بالعلوم السياسية. وإذا كان علم الإدارة يهتم خاصة بوظيفة التخطيط والتنفيذ، فإن فقهاء القانون الإداري يهتمون بالإدارة من حيث نشاطها وأموالها وموظفيها ومنازعاتها باعتبارها شخصا من أشخاص القانون الإداري.

    والحقيقة أيا كانت وظائف الإدارة ومهامها فإن نشاطها يظل مرصودا لخدمة الجمهور، وإلا لماذا عمدت السلطة العامة إلى تزويد الإدارة بالجانب البشري والجانب المادي وأحاطتها بنسيج من النصوص القانونية بما يساعدها على القيام بمهمتها. فتوفير الخدمة للجمهور يمكن أن يتم من خلال إنشاء مرفق عام تعود منافعه عليه، ويمكن أن يتم بإلزام الإدارة للأفراد بالقيام بعمل معين أو الامتناع عن سلوك محدد[2].

     

     

    المطلب الأول: تعريف وعناصر المرفق العمومي

    الفرع الأول: تعريف المرفق العمومي

    إذا كانت فكرة المرفق لم تحظ في الماضي باهتمام الباحثين، ولم يتناولها الفقهاء المحدثون بطريقة مباشرة، فإنه تقديرا لأهمية هذه الفكرة، ودورها الذي يمكن أن تؤديه في التنظيم الإداري القائم لرفع المستوى الاجتماعي، والنمو والتقدم الحضاري. إذ على هدي هذه الفكرة تتعود الجماعة ممارسة الديمقراطية على الصعيد الإداري، بإدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم، وإشباع حاجاتهم من الخدمات الضرورية والأساسية، الأمر الذي ظلوا محرومين منه ردحا من الزمان.

    عرفت العلاقات الإنسانية نظام المرفق العام، حيث أقرته القوانين العالمية والمحلية، كما أقره القانون الجزائري. [3]

    وسأقوم بتعريف المرفق العام في اللغة وفي اصطلاح فقهاء وشراح القانون على النحو الآتي:

    أولا: لغة

    تعني الشيء الذي يرتفق به أو ينتفع به.

    قال في مختار الصحاح: المرفق والمرفق من الأَمر وهو ما ارتفقتَ به وانتفعتَ. 

    قال تعالى: وَإذِ اعْتَزَلتمُوهُمْ وَمَا يَعبدُونَ إلَّا اللهَ فأوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لكُمْ ربكُمْ مِنْ رحْمَتهِ وَيهَيئْ لكُمْ منْ أمْركُمْ ِمرْفَقًا.[4]

    فالمرافق العامة كل نشاط يُدار لمصلحة الجمهور ووفق أساليب القانون العام كمرافق النقل وبذلك فان معنى المرفق العام لغة هو الشيء العام الذي ينتفع به.

    ثانيا: اصطلاحا

    تعتبر نظرية المرفق العام من النظريات القضائية التي ابتدعها مجلس الدولة الفرنسي، وذلك وفقا لما جاء في قضية بلانكو، ولقد اعتبرت من أكثر النظريات تعقيدا، وإثارة للجدل، ما جعل منها مجالا لاختلاف الفقهاء في شأن إيجاد تعريف جامع مانع للمرفق العام، فمن الفقهاء من اعتمد في ذلك على المعيار الموضوعي، ومنهم من اعتمد على المعيار العضوي، فيما قام فريق بالمزج بين المعيارين.

    المعيار العضوي:

      ذهب أنصار هذا المعيار إلى تعريف المرفق العام، على أنه المؤسسة التي تديرها الإدارة بهدف تحقيق النفع العام. 

    ويقصد بالمرفق العام حسب المعيار العضوي الهيكل أو الهيئة أو المؤسسة أو التنظيم المتكون من مجموعة من الأشخاص والأموال والأشياء الذي ينشأ ويؤسس لإنجاز مهمة عامة معينة مثل: الجامعة، المستشفى، وحدات وأجهزة الإدارة العامة.

    وبمفهوم أعم فإن تعريف المرفق العام، وفقا لهذا المعيار يرتكز على المظهر الخارجي، فإذا كان هذا الأخير يدل على وجود مؤسسة إدارية تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة فهذا يعني وجود مرفق عام، ومن الفقهاء الفرنسيين الذين عرفوا المرفق العام، مستندين على هذا المعيار، نجد العميد موريس هوريو الذي عرفه على أنه: " منظمة تقدم خدمة عامة باستخدام أساليب السلطة العامة "[5].

    يستنتج من هذا التعريف أن المرفق العام ما هو إلا جهاز أو هيكل يعمل بشكل منتظم ومستمر قصد تحقيق نشاط معين للجمهور.

    يقول الأستاذ لوبدار في هذا الشأن: يستعمل المرفق العام في اللغة العادية ليس للدلالة على نشاط معين أو مهمة معينة و إنما يقصد به المنظمة بمعنى الجهاز الإداري للمرفق، المنظمة التي تتولى إدارته.

       يلاحظ من خلال التعريفات السابقة الذكر للمرفق العام أنه رغم سهولة ووضوح المعيار العضوي، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليه إلى حد بعيد في تعريف المرفق العام، لأن هذا الأخير ليس مجرد هيئة أو مؤسسة أو منظمة تقوم الدولة بإنشائها فحسب أو مجرد بناء هيكلي يخلو من النشاط والحركة لتقديم خدمة عامة للجمهور.

    أما في الفقه الجزائري فلم نستطع إيجاد تعاريف للفقهاء الجزائريين يعتمدون فيه المعيار العضوي، وهذا ربما أن الفقه الجزائري لم يقتنع بفكرة أن تعريف المرفق العام يستند إلى المعيار العضوي.

    المعيار الموضوعي:

    يقصد بالمرفق العام تبعا لهذا المعيار، كل مشروع تديره الدولة بنفسها أو تحت إشرافها لإشباع الحاجات العامة، بما يحقق المصلحة العامة. وبمفهوم المخالفة، إذا لم يكن هدف النشاط تحقيق المصلحة العامة أو إشباع حاجة جماعية للجمهور، فلا يمكن اعتباره مرفقا عاما.

    وتحدث عنه أحمد محيو بقوله:" مفهوم المرفق العام ليس ولا يمكن أن يكون مفهوما قانونيا مجردا وحياديا، وليس له من معنى إلا في ضوء محتواه والغايات الاقتصادية والاجتماعية التي أسندت له، والتي يجب تحديدها مسبقا قبل إعداد النظام القانوني للمرفق العام، وتعيين الجهة المؤهلة لإحداث هذا المرفق أو ذاك "[6]. 

    المعيار المختلط:

    إزاء الانتقادات الموجهة لكل معيار من المعايير السابقة، وعجزها في أن تكون أساسا وحيدا للقانون الإداري
    ومعيارا لتحديد اختصاص القضاء الإداري، لم يعد الفقه والقضاء يتمسكان بفكره واحدة، واتجها نحو الجمع بين فكرتي السلطة العامة والمرفق العام. 

    وفي هذا المجال حاول الأستاذDe Laubadere  تجديد معيار المرفق العام بعد ما أصابه من تفكك نتيجة الأزمات التي تعرض لها، وذلك عن طريق الجمع بين فكرتي المرفق العام والسلطة العامة، لكنه جعل الأولوية للمرفق العام، ثم يأتي استخدام أساليب القانون العام في المرتبة الثانية لسد الفراغ في المجالات التي عجز معيار المرفق العام عن القيام بدوره فيها. 

    بينما ذهب الأستاذ شابي Chapus إلى تغليب فكرة السلطة العامة على فكرة المرفق العام، فقال: أنه يجب أن لا نعتقد أن معيار الشروط المخالفة " السلطة العامة " دائما معيارا مساعدا، فالمعيار المأخوذ من الموضوع هو دائما معيار مبدأ، ففي كثير من الأحيان يفضل القاضي استخدام معيار الشرط غير المألوف وهذا يكون أسهل أو مناسبا أكثر. 

       وعلى هذا الأساس فإن المرفق العام وأن كان عنصرا مهما في تحديد أساس القانون الإداري، إلا أنه لا يكفي لأداء هذا الدور بعد أن أتضح سعة مفهومه وعدم اقتصاره على المرافق الإدارية فظهرت فكرة المعيار المزدوج التي أيدها جانب كبير من الفقه وأخذ بها القضاء الإداري في فرنسا في أغلب أحكامه. 

       وعلى ذلك فإن أساس القانون الإداري لا يرجع لمعيار واحد من المعايير السابقة، إنما يجب الجمع بين المعياريين المهمين المرفق العام والسلطة العامة، ومن ثم ليكون العمل إداريا وخاضعا للقانون الإداري واختصاص القضاء الإداري، يجب أولا أن يكون عملا إداريا أو نشاطا متعلقا بمرفق عام (نظرية المرفق العام)،  وأن تكون الإدارة في هذا النشاط قد استخدمت امتيازات أو وسائل وسلطات استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص (نظرية السلطة العامة) مع ضرورة التنبيه أن السلطة العامة لا تبرز من خلال الامتيازات الممنوحة للإدارة فحسب، وإنما تشمل القيود الاستثنائية المفروضة عليها في أحيان أخرى.

    الفرع الثاني: أركان وعناصر المرفق العمومي

    أولا: المرفق مشروع أو تنظيم عام

    يقتضي وجود المرفق العام إقامة تنظيم أو تنسيق بين مختلف مكوناته (البشرية والمادية) بالشكل الذي يسمح له بأداء دوره في تلبية الاحتياجات العامة.

     

     

    ثانيا: هدف المرفق العام تحقيق الصالح العام

    إن مبرر وجود المرفق العام هو تلبية الحاجات العامة للجمهور، المادية منها كالمواصلات الكهرباء والصحة أو المعنوية كالأمن والحماية من المخاطر. هذا يعني أن نشاط الدولة الذي لا يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، لا يعتبر نشاط مرفق عام. والمثال على ذلك إستغلال الدولة لأموالها الخاصة بهدف الربح عملية التنازل عن أملاكها الخاصة للأفراد بمقابل مالي[7] ، ثم إن تحقيق بعض المرافق العامة للربح كالمرافق الصناعية والتجارية من خلال تحصيلها لمقابل مالي لقاء تقديمها خدمات للمواطنين كما هو الحال بالنسبة لمرفق المياه أو الكهرباء والغاز لا يعني حتما فقدها لصفة المرفق العام، طالما أن هدفها الرئيسي هو تحقيق المصلحة العامة والتي تظهر من خلال مراعاة المعقولية في تحديد الأسعار [8] كما أن بعض أشخاص القانون الخاص(أفراد أو شركات)، قد يمارسون أنشطة تتصل كذلك بالمصلحة العامة مثل الصحة والتعليم والنقل...إلخ، ولكنها لا تشكل مرفقا عاما. 

     من خلال ما تقدم نستنتج ما يلي:   

    ·       كل نشاط يتعلق بمرفق عام يحقق مصلحة عامة، ولكن ليس كل نشاط يحقق المصلحة العامة هو نشاط المرفق العام.

    ·       إذا كانت المصلحة العامة تمثل الغاية الأولى من النشاط الذي يقوم به الشخص القانوني وتوفرت الأركان الأخرى يتكون المرفق العام. أما إذا كانت المصلحة العامة تمثل غاية ثانوية لهذا النشاط فان الوظيفة لا ترتقي إلى منزلة المرفق العام.

     

    ثالثا: خضوع المرفق لسلطة الدولة

    إن الدولة هي من تنشئ المرفق، وهي من تحدد له نشاطه وقواعده تسييره وعلاقته بجمهور المنتفعين، ومن حيث بيان سبل الإنتفاع ورسومه (السلطة على نشاط المرفق) والدولة هي من تضع التنظيم الخاص بالمرفق وتبين أقسامه وفروعه وتعين موظفيه وتمارس الرقابة على النشاط والأشخاص (السلطة على المرفق كهيكل)، وعلى الرغم من مساهمة الأشخاص الخاصة أحيانا في إدارة المرافق العامة، فإن ذلك يبقى تحت إشراف ومراقبة الإدارة العامة. 

    رابعا: خضوع المرفق لنظام قانوني متميز

    يقصد بالنظام القانوني المتميز "مجموعة الأحكام والقواعد والمبادئ القانونية التي تختلف اختلافا جذريا عن قواعد القانون الخاص بصفة عامة وعن قواعد النظام القانوني الذي يحكم المشروعات الخاصة بصفة خاصة.

     وتجدر الإشارة إلى أن بعض الفقهاء اعتبر خضوع المرفق لنظام قانوني متميز بمثابة الأثر المترتب على كونه مرفقا عاما، فهو إذن نتيجة ولا يمكن اعتباره عنصرا من عناصر المرفق العام.


     

  • Section 2

    المطلب الثاني: أنواع المرافق العامة

    لا تتخذ المرافق العامة نسقا أو شكلا واحدا، وإنما تتعدد أشكالها وتتنوع بذلك تبعا للزاوية التي ننظر منها إلى المرفق للتعرف عليه، فالمرافق تختلف من حيث النظر إلى موضوع نشاطها أو طبيعة النشاط، ومن حيث المعيار الإقليمي الذي يمتد إليه نشاطها، وكذلك من حيث أداة الإنشاء ومن حيث الشخصية المعنوية من ناحية تمتعها أو عدم تمتعها بها.

    الفرع الأول: تقسيم المرافق من حيث طبيعة النشاط

    من حيث هذه الزاوية يمكن تقسيم المرافق إلى مرافق إدارية وأخرى اقتصادية ومرافق إجتماعية وأخرى مهنية.

     

    أولا: المرافق الإدارية:

    يطلق عليها الفقه اسم "المرافق الإدارية البحتة أو المحضة"[1]، وهي الم ارفق العامة التقليدية التي لازمت الدولة منذ زمن طويل، وعلى أرسها مرفق الدفاع والأمن والقضاء ثم مرفق الصحة والتعليم. وهذه الم ارفق عادة ما تتسم بارتباطها بالجانب السيادي للدولة الأمر الذي يفرض قيامها بهذه النشاطات وأن لا تعهد بها للأف ارد بما في ذلك من خطورة كبيرة[2] وللمرافق العامة الإدارية أهمية حيوية في بناء الدولة وتقديم خدمات جوهرية للمواطنين وبدونها لا معنى لوجود الدولة ذاتها لذلك تتولاها جميع الدول عن طريق أجهزتها الإدارية سواء كانت تعتنق المذهب الليبرالي أو المذهب الإشتراكي. 
     ورغم أن المرافق العامة الإدارية هي الأقدم والأكثر تنوعا، إلا أن الفقه وجد صعوبة في تعريفها ولجأ جانب من الفقه إلى تعريفها عن طريق التحديد السلبي، بحيث عرفها بأنها"
    تلك المرافق التي لا تعتبر مرافق صناعية أو تجارية أو مهنية. 
    وتتميز هذه المرافق عن غيرها بأنها تخضع من حيث الأصل للقانون العام في سائر نشاطاتها  لأنها تستخدم وسيلة القانون العام واستثناءا لقواعد القانون الخاص.
     ثانيا: المرافق الاقتصادية:
     وهي مرافق حديثة النشأة نسبيا ظهرت نتيجة تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي، بحيث أصبحت الدولة تزاول نشاطات تجارية أو صناعية مماثلة لنشاط الأفراد وتعمل في ظروف مماثلة لظروف عمل المشروعات الخاصة، ومن أمثلتها مرفق النقل، مرفق البريد والمواصلات ومرفق الكهرباء.
    وبسبب طبيعة النشاط الذي تؤديه هذه المرافق دعا الفقه والقضاء إلى ضرورة تحرير هذه المرافق من الخضوع لقواعد القانون العام. [3]
      ولقد أثار ظهور المرافق الاقتصادية إشكالا على المستوى القانوني، تمثل في إيجاد معيار فاصل بين المرافق الإدارية والمرافق الاقتصادية على النحو التالي
    : 
    موقف الفقه :
    إختلف الفقه حول تحديد المعيار الذي يميز المرافق الإقتصادية عن المرافق الإدارية، فتعددت
    معايير التمييز
    .[4]
    1- المعيار الشكلي: يعتمد هذا المعيار على أساس شكل المشروع أو مظهره الخارجي، فإذا اتخذ المشروع شكل المشروعات الخاصة كما لو تمت إدارته بواسطة شركة، فإنه مرفق اقتصادي وبعكس ذلك لو تمت إدارته بواسطة الإدارة أو تحت رقابتها  واش ارفها وباستخدام أساليب السلطة العامة، فهو مرفق عام إداري.
    2-  معيار الهدف: اتجه هذا المعيار إلى تمييز بين المرافق الإدارية والاقتصادية على أساس الغرض الذي يستهدفه المرفق، فالمرافق الاقتصادية تقوم بنشاط صناعي أو تجاري يهدف إلى تحقيق الربح، مثلما هو الحال في المشروعات الخاصة. في حين لا تسعى المرافق الإدارية إلى تحقيق الربح بل تحقيق المنفعة العامة   واشباع حاجات الأفراد.
    3- معيار القانون المطبق: يعتمد هذا المعيار على النظام القانوني الذي يخضع له المشروع فإذا كان يخضع لأحكام القانون الخاص اعتبر المرفق اقتصاديا ،وعلى العكس من ذلك إذا كان يخضع لأحكام القانون العام فهو مرفق عام إداري.
    4- معيار طبيعة النشاط: وهو أكثر المعايير الفقهية شيوعا بالنظر لدقته. ويقوم هذا المعيار على أساس طبيعة النشاط الذي ي ازوله المرفق. فإذا كان هذا المرفق يمارس نشاطا يعتبره القانون تجاريا فيما لو قام به الأف ارد عد المرفق على هذا النحو تجاريا، ويعتبر المرفق العام إداريا إذا كان النشاط الذي يمارسه إداريا ومما يدخل في نطاق القانون الإداري.[5]
    موقف القضاء الإداري : إن عملية تصنيف المرفق العام من قبل القاضي، تجرى على مرحلتين، ففي المرحلة الأولى يفترض أن المرفق العام له الطابع الإداري، إلا أن هذا الإفتراض يمكن إثبات عكسه. وفي المرحلة الثانية يعمل القاضي على البحث عن مدى توفر معايير المرفق العام الإقتصادي وهي ثلاثة [6]
    طبيعة نشاط المرفق العام: بمعنى أن يكون نشاط المرفق مماثلا للنشاط الممارس من قبل الأفراد والمنشآت الخاصة.
    مصادر التمويل: أي أن يمول المرفق من قبل موارد متأتية، من تأدية المستفيدين من خدماته بدلات ( مقابل مالي(، تشكل ثمنا للخدمات المقدمة.
    طريقة التشغيل: وهو أن يدار المرفق العام وفقا لأساليب القانون الخاص.
     
     * التمييز بين المرافق العامة الإدارية  والمرافق العامة الاقتصادية:
    يمكن حصر أهم أوجه الاختلاف بين هذين النوعين من المرافق من خلال الجدول التالي:



    من حيث الجهة القضائية المختصة 

    من حيث العاملين به

    من حيث القانون الواجب التطبيق 

     

    القضاء الإداري ممثلا في المحكمة الإدارية أو مجلس الدولة 

     هم موظفون عموميون يخضعون

    لقانون الوظيفة العامة

    القانون العام 

     المرفق العام الإداري

    القضاء العادي ممثلا في المحاكم الإبتدائية والمجالس القضائية والمحكمة العليا 

     هم عمال يخضعون لتشريع العمل 

    مزيج مابين القانون العام  والخاص

     

    المرفق العام الإقتصادي

     

    ثالثا: المرافق المهنية:

     تقوم هذه المرافق بتنظيم ومراقبة بعض الأعمال لمهن مختلفة في الدولة، ويقوم بهذا التنظيم أصحاب المهن أنفسهم أي المنخرطين فيها، وتتخذ شكل التنظيم النقابي يشرف على إدارته مجلس منتخب عن طريق الانتخاب المباشر من المنخرطين[7]، ومن أمثلة هذه المرافق نقابة المحامين والصيادلة والمهندسين.

     إن السمة البارزة في المرافق المهنية أن انضمام أفراد المهنة إليها، ليس أمرا اختياريا وانما هو أمر إجباري مما يجعلها نوعا من الجماعات الجبرية.

     وتتمتع النقابات المهنية بالشخصية المعنوية وببعض امتيازات السلطة العامة، وتنفرد باختصاصات واسعة أهمها:

    -         تمثيل المهنة والدفاع عنها أمام الدولة وغيرها من السلطات العامة.

    -         تختص بوضع القواعد المنظمة لم ازولة المهنة والخاصة بواجبات المهنة وآدابها والعقوبات التي يمكن أن تفرضها في حال مخالفتها.

    -         النظر في طلبات انضمام الأعضاء الجدد.

        ومن ناحية أخرى يخضع المرفق المهني لقواعد مزيج من القانون العام والقانون الخاص فيخضع لنظام قانوني مختلط، فالقرارات التنظيمية المتعلقة بسير المهنة أو توقيع الج ازءات على الأعمال، هي تصرفات قانونية تخضع للقانون العام أما البعض الآخر من الأنشطة يخضع للقانون الخاص، مثل العلاقات التي تربطه بالأفراد والمحاسبات والذمة المالية. ثم إن المشرع الجزائري قد أخضع بعض الم ارفق المهنية كالمنظمة الوطنية للمحامين، فيما يتعلق بمنازعاتها لجهة القضاء الإداري سواء فيما يتعلق بالمنازعات الناتجة عن التسجيل في المهنة، أو أي منازعة أخرى تطبيقا للمادة 30 من قانون المحاماة.

    رابعا: المرافق الاجتماعية: 

      وهي المرافق التي تستهدف تحقيق خدمات اجتماعية للجمهور، مثل الم ارفق المخصصة لتقديم اعانات للجمهور ومراكز الضمان الاجتماعي والتقاعد ومراكز الراحة.

     يحكم هذا النوع من الم ارفق مزيج من قواعد القانون العام والخاص، كما تمثل منازعتها أمام القضاء الإداري وأحيانا أخرى أمام القضاء العادي. مثل ما جاء في القانون رقم 92-11 المؤرخ في 3 جويلية 1892 والذي
     تناول المنازعات في مجال الضمان الاجتماعي حيث وزع المشرع الج ازئري الاختصاص بين القضاء العادي والإداري.

    الفرع الثاني: تقسيم المرافق من حيث المعيار الإقليمي

     تقسم المرافق عامة استنادا على هذا المعيار إلى:

    أولا: المرافق العامة المركزية: 


     وهي مجموع المرافق التي يمتد نشاطها ليشمل جميع إقليم الدولة، كمرفق الدفاع ومرفق القضاء ومرفق الصحة. ونظرا لعمومية وأهمية النشاط الذي تقدمه هذه الم ارفق، فإنها تخضع لإشراف الإدارة المركزية في الدولة من خلال الوازارت أو ممثليها في المدن، ضمانا لحسن أداء هذه المرافق لنشاطها وتحقيقا للمساواة في توزيع خدماتها .

     

    ثانيا: المرافق العامة الإقليمية:

     وهي المرافق العامة التي تنشئها وحدات الإدارة المحلية البلدية والولاية، حيث تمارس نشاطها في الحيز الجغرافي لإقليم الوحدة المحلية مثل: مرفق النظافة البلدية، الديوان البلدي للرياضة مؤسسة النقل الولائي. وينتفع من خدمات هذا المرفق سكان الإقليم. وتتولى السلطات المحلية أمر تسييره والإشراف عليه لأنها أقدر من الدولة.

    الفرع الثالث: تقسيم المرافق من حيث أداة الانشاء

    تقسم المرافق من هذه الزاوية إلى مرافق تنشأ بنص تشريعي ومرافق تنشأ بنص تنظيمي.

    أولا: مرافق عامة تنشأ بنص تشريعي: 

     وهي عادة مجموع الم ارفق ذات الأهمية الوطنية القصوى، التي يفرض المشرع أمر إنشائها بموجب نص تشريعي ليمكن أعضاء السلطة التشريعية من الاطلاع على نشاط المرفق وضرورته وقواعده.  والحقيقة أن أهمية المرفق واحتلاله لهذه المكانة مسألة يتحكم فيها طبيعة النظام السياسي السائد في الدولة. 

    ثانيا: مرافق تنشأ بنص تنظيمي:

     عادة ما يخول التشريع الأساسي في الدولة للسلطة التنفيذية صلاحية إنشاء المرافق العامة، سواء على المستوى المركزي بمرسوم رئاسي أو بمرسوم تنفيذي، كما يحق للولاية أو البلدية بقرارات إدارية، إنشاء مرافق عامة على المستوى المحلي التي من شأنها تلبي حاجات الجمهور.

    الفرع الرابع: تقسيم المرافق من حيث الشخصية المعنوية

    أولا: مرافق عامة ليست لها شخصية معنوية :


    إن هذه الم ارفق التي تدار بواسطة هيئة عامة ليس لها شخصية معنوية، تكون ملحقة مباشرة بأحد الأشخاص المعنوية الإقليمية " الدولة، الولاية، البلدية" ومندمجة فيها وتابعة لها تبعية كاملة، ولا يكون لهذه المرافق أي ذاتية خاصة بها وانما تذوب في كيان الشخص المعنوي العام سواء كان ذلك الشخص هو الدولة أم شخص إقليمي آخر.

     

     

    ثانيا: مرافق ذات شخصية معنوية: 


    إن هذه المرافق تدار من هيئة ذات شخصية معنوية عامة تسمى بالمؤسسات العامة مع ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية كاستقلال المرفق بذمة مالية بعيدة عن مالية الدولة، وبالتالي يتحمل نفقاته وأرباحه وخسائره، وترفع عليه الدعاوى القضائية بصفة مستقلة أي له حق التقاضي. فيكتسب المرفق في هذه الحالة نوعا من اللامركزية، ولقد اتفق الفقه على تسميتها باللامركزية المرفقية أو المصلحية، وذلك لعدم الخلط بينها وبين اللامركزية الإقليمية.




     


  • Section 3

    المبحث الثاني: النظام القانوني للمرافق العمومية

    بداية ينبغي الإشارة أنه من الصعب سن قانون واحد يحكم الم ارفق، لأن ما صلح من القواعد والآليات لمرفق قد لا يصلح لمرفق آخر. فمرفق القضاء مثلا يختلف في طبيعته عن مرفق التعليم، وهو ما دفع المشرع الج ازئري إلى تخصيص كل قطاع بقانونه الأساسي، حتى أنه نجم عن صدور قانون الوظيفة العامة الجديد، صدور أكثر من 90 مرسوما منظما لقطاعات مختلفة. 

     واذا كان يتعذر سن قانون عام يحكم كل المرافق، فقد اتفق الفقهاء على أن هناك مبادئ أساسية مشتركة ما بين مختلف المرافق العامة.

     وتقتضي دارسة النظام القانوني للمرافق العامة، التطرق لقواعد إنشائها والمبادئ الأساسية التي تحكمها وكذا طرق وقواعد سيرها. وذلك فيما يلي:

    المطلب الأول: إنشاء وإلغاء المرافق العامة

    سوف نتعرض هنا إلى المقصود بإنشاء المرافق من جهة والغائها من جهة ثانية.

    الفرع الأول: إنشاء المرافق العامة:

    عندما تقدم السلطة العامة على إنشاء الم ارفق العامة، عندها تقدر أن هناك حاجة عامة للجمهور يجب إشباعها، ولا يستطيع النشاط الفردي القيام بهذه المهمة على الوجه المطلوب أو يعجز كليا عن القيام بها ، وقد تقوم الدولة على القيام بإنشاء المرافق العامة بصرف النظر عن قدرة النشاط الفردي  وامكانياته، وذلك من خلال تدخلها في الميدان الاقتصادي . 

      وانشاء المرافق العامة يدخل في سلطة الإدارة التقديرية كمبدأ عام، وقد تلتزم الإدارة أحيانا

    "وعلى سبيل الاستثناء"، بإنشاء بعض المرافق العامة وتكون سلطتها مقيدة بهذا الشأن[1]. كما أن إنشاء المرافق العامة يختلف حسبما إذا كانت هذه المرافق عامة وطنية أو المرافق عامة محلية .

    أولا: إنشاء المرافق العامة الوطنية

    مبدئيا إن تحديد السلطة المختصة لإنشاء وتنظيم الم ارفق العام، على المستوى الوطني يخضع لمعيار توزيع السلطات بين الهيئة التشريعية أي البرلمان والهيئة التنفيذية أي الحكومة فهي مسألة تخضع معالجتها لطبيعة النظام السياسي السائد في الدولة.

     فإذا كان دستور الدولة قد قطع بأن إنشاء م ارفق ما، بالنظر لأهميتها يعود للسلطة التشريعية فإن هذا النوع من المرفق ينشأ بنص تشريعي، واذا كان الدستور عند استع ارضه لصلاحيات السلطة التنفيذية قد حكم بأنه يعود إليها إنشاء بعض الم ارفق، فإن قاعدة إنشاء المرفق تكون بموجب نص تنظيمي[2]

    أما بالنسبة للوضع في الجزائر ،فإن إنشاء المرافق العامة الوطنية يبقى "أصلا" من اختصاص التنظيم بموجب إصدار مراسيم رئاسية أو تنفيذية، ماعدا مجال فئة المؤسسات والذي يدخل ضمن مجال إختصاص السلطة التشريعية .

     والحقيقة أن هذا المسلك إنما يتماشى مع ما هو سائد في القانون المقارن من حيث ترك اختصاص إصدار قرار إنشاء المرافق العامة للسلطة الإدارية، هو اتجاه سليم لأنه يعطي الاختصاص للجهة الأقدر على تقدير لزوم الإنشاء من عدمه، كما يضمن السرعة الكافية لاتخاذ ق ارر الإنشاء م ارعاة للمصلحة العامة، أمام تعقيدات واجراءات وآليات عملية إصدار القانون من طرف الب رلمان.

    ثانيا: إنشاء المرافق العامة المحلية: 

    يخول كل من قانون البلدية رقم 11/10 وقانون الولاية رقم 13/04 لهيئتي الإدارة المحلية إنشاء واحداث مرافق عامة محلية بلدية وولائية.[3]

    1ـــ  المرافق العامة البلدية: تنص المادة 138 من قانون البلدية على ما يلي:

    "...... تضمن البلدية سير المصالح العمومية البلدية التي تهدف إلى تلبية إحتياجات مواطنيها وادارة أملاكها، وبهذه الصفة فهي إضافة إلى مصالح الإدارة العامة، مصالح عمومية تقنية قصد التكفل على وجه الخصوص بما يأتي: 

    التزود بالمياه الصالحة للشرب وصرف المياه المستعملة،

    النفايات المنزلية والفضلات الأخرى،

    صيانة الطرقات واشارات المرور،

    الإنارة العمومية،

    الأسواق المغطاة والأسواق والموازين العمومية،

    الحظائر ومساحات التوقف، المحاشر،

    النقل الجماعي،

    المذابح البلدية،

    الخدمات الجنائزية وتهئية المقابر وصيانتها بما فيها مقابر الشهداء،

    الفضاءات الثقافية التابعة لأملاكها،

    فضاءات الرياضة والتسلية التابعة لأملاكها

    المساحات الخضراء."

      وتجدر الإشارة أنه يشترط لصحة قرار إنشاء المرافق العامة البلدية، إجراء مداولة من طرف المجلس الشعبي البلدي حسب المادة 13 من قانون البلدية والمصادقة عليها من طرف الوالي حسب المادة 11 منه.

    كما أنه يجوز للمجالس الشعبية البلدية لبلدتين أو أكثر، أن تقرر الاشتراك في إطار مؤسسة عمومية مشتركة بين البلديات لأجل تحقيق الخدمات والتجهيزات أو المصالح ذات النفع المشترك بينها. 

    2 - المرافق العامة الولائية:

    تنص المادة 131 من قانون الولاية الحالي على مايلي: ........ "يمكن للولاية أن تنشئ قصد تلبية الحاجات الجماعية لمواطنيها بموجب مداولة المجلس الشعبي الولائي مصالح عمومية ولائية للتكفل على وجه الخصوص بما يأتي: 

    الطرق والشبكات المختلفة،

    مساعدة ورعاية الطفولة والأشخاص المسنين أو الذين يعانون من إعاقة وأم ارض مزمنة،

    النقل العمومي،

    النظافة والصحة العمومية وم ارقبة الجودة

    الصناعات التقليدية والحرف.

    يكيف عدد هذه المصالح العمومية وحجمها حسب إمكانيات كل ولاية ووسائلها واحتياجاتها"...

    كما نصت المادة 131 على أنه يمكن للمجلس الشعبي الولائي أن ينشئ مؤسسات عمومية ولائية، تتمتع بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي قصد تسيير مصالح عمومية، وحددت المادة

    134 أنواع المؤسسات العمومية الولائية بأن تكون إما مؤسسة عمومية ذات طابع إداري أو مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري حسب الهدف المرجو منها.

    الفرع الثاني: إلغاء المرافق العامة

    إن مسألة إلغاء المرفق العام مسألة تقديرية، تندرج ضمن إختصاص السلطة المختصة بلا معقب عليها من القضاء، معنى ذلك لا يملك المنتفعين من خدمات المرفق الذي تم إلغاؤه المطالبة ببقائه لأن هذا الإلغاء يتعلق بالمصلحة العامة.

    وسنحدد أولا ما المقصود بعملية الإلغاء والآثار القانونية التي تترتب على ذلك فيما يلي:

    أولا: المقصود بإلغاء المرفق العام:

    يقصد بإلغاء المرفق العام هو وضع حد لنشاطه، وذلك لإعت ارف السلطة المختصة بأنه لم تعد هناك حاجة لاستم ارر وجود المرفق العام.  وهو مجال متروك لتقدير الإدارة، أي تقدر مدى الحاجة أم عدم الحاجة إلى المرفق والمقارنة بين ما يحققه من فائدة وما يتخلف عنه من ضرر واختيار الوقت المناسب للإقدام على إلغائه ووزن ملابسات وظروف ومبررات الإلغاء. ويمكن رد أسباب إلغاء المرافق العامة إلى ما يلي:

    1ـــ دمج مرفق عام مع مرفق عام آخر يمارس ذات النشاط أو نشاطا مماثلا.

    2ـــ إشباع حاجة جماعية عارضة ومؤقتة لا تتسم بطابع الديمومة، حيث تحقق الغرض الذي انشأ من أجله المرفق العام.

    3- ترك إشباع الحاجات العامة التي كان يتولاها المرفق العام للنشاط الخاص[4].

     ثانيا: الجهة المختصة بإلغاء المرفق العام:

    لم يحدد المشرع الجزائري كيفية إلغاء المرافق العامة، وتطبيقا للقواعد العامة فإن الإلغاء يتم بنفس الأداة التي اتبعت في الإنشاء من حيث المرتبة والقوة، بمعنى أنه إذا تم الإنشاء بقانون فيجب أن يكون الإلغاء بقانون كذلك، أو بأداة أعلى فإذا تم الإنشاء بقرار بلدي مثلا، فقد يكون الإلغاء بقرار ولائي بما أن الولاية هي جهة وصاية بالنسبة للبلدية.

     ثالثا: آثار إلغاء المرفق العام:

    عندما يتم إلغاء المرفق العام فإن أمواله تضاف إلى الجهة التي نص عليها القانون الصادر بإلغائه، فإن لم ينص على ذلك فإن أموال المرفق تضاف إلى أموال الشخص الإداري الذي كان يتبعه هذا المرفق.[5]

    واذا كان مصدر أموال المرفق العام تبرعات الأفراد والهيئات الخاصة، فإن الأموال تؤول إلى أحد المرافق العامة التي لها نفس غرض المرفق الذي تم إلغاؤه أو غرضا مقاربا له احتراما لإرادة المتبرعين.

     أما مصير الموظفين فإنه يتم نقلهم إلى مرفق عام آخر، أو إنهاء خدماتهم وتسوية حقوقهم الوظيفية وتعويضهم بناء على مبدأ تحقيق المساواة بين المواطنين أمام التكاليف والأعباء في هذه الحالة المسؤولية دون خطأ.



     


  • Section 4

    المطلب الثاني: المبادئ الأساسية التي تحكم المرافق العمومية

    تخضع المرافق العامة لمجموعة من المبادئ استقر عليها القضاء والفقه، وأضحت اليوم من المسلمات في نظرية المرافق. وتتمثل أهم هذه المبادئ في ما يلي:

    الفرع الأول: مبدأ المساواة أمام المرفق العام

    إن مبدأ المساواة أمام الم ارفق العامة، هو امتداد للمبدأ العام وهو مساواة الأفراد أمام القانون. والذي بات يمثل اليوم حقا من حقوق الإنسان وحقا دستوريا  أعلنت عنه مختلف الدساتير. ولعل أهم تطبيقات مبدأ مساواة المنتفعين أمام المرافق العامة إنما يتمثل في ما يلي: 

    أولا: مساواة المنتفعين من خدمات المرفق:

     يقتضي هذا المبدأ وجوب معاملة المرفق لكل المنتفعين معاملة واحدة دون تفضيل البعض على البعض الآخر، لأسباب تتعلق بالجنس أو اللون أو الدين أو الحالة المالية وغيرها.
     وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ المساواة يطبق عندما يتساوى المنتفعين في المركز القانوني ومثال ذلك الإلتحاق بالد ارسة الجامعية ليس مفتوحا لجميع المواطنين، وانما يقتصر على الحاصلين منهم على البكالوريا، كما لا يتنافى هذا المبدأ مع سلطة المرفق في فرض بعض الشروط التي تستوجبها القوانين والتنظيمات كالشروط المتعلقة بدفع الرسوم أو إتباع بعض الإجراءات أو تقديم بعض الوثائق.

    ثانيا: المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة:

      ويقصد به إلزام المرافق العامة لدى لجوئها للتوظيف م ارعاة شروط عامة، يجب توافرها في جميع المترشحين من جهة والتقيد بإجراءات وكيفيات التوظيف التي تقوم على أساس على نظام المسابقات المبنية على الشهادات أو الاختبارات.

    ولقد تم النص على المبدأ في الدستور:"يتساوى جميع المواطنين في تقلد المهام والوظائف في الدولة دون أية شروط أخرى غير الشروط التي حددها القانون".

    وكذلك نصت عليه المادة 34 من القانون الأساسي العام للوظيفة العامة بقولها: "لا يجوز التمييز بين الموظفين بسبب آرائهم أو أصلهم أو بسبب أي ظرف من ظروفهم الشخصية أو الاجتماعية." 
    ثالثا: حياد المرفق العام:

    يقصد بحياد المرفق العام أن يراعى في أداء مهامه وتسييره مقتضيات تحقيق المصلحة العامة، بحيث يجب على مسير المرفق أن لا يستعمله لدعم مصالح أخرى. 

    إن هذا المبدأ قد كرسته بصفة صريحة المادة 00 من الدستور التي نصت على أن" عدم تحيز الإدارة يضمنه القانون". كما نصت عليه المادة 31 من القانون الأساسي للوظيفة العامة بأنه:"يجب على الموظف أن يمارس مهامه بكل أمانة وبدون تحيز".  

    الفرع الثاني: مبدأ سير المرفق العام بانتظام واطراد ــ الاستمرارية ــ

    إن أساس مبدأ الاستمرارية يكمن في تمكين المرفق العام من إشباع الحاجات العامة للمواطنين دون إنقطاع، وعلى السلطات الإدارية تأمين تشغيل المرافق العامة بصورة منتظمة[1].

    وتعد هذه القاعدة من أهم القواعد التي تحكم سير الم ارفق العامة سواء كانت إدارية أم اقتصادية وتستند إلى أهمية وحيوية الخدمات التي تؤديها الم ارفق العامة ومدى جسامة الأضرار التي تصيب الدولة والأفراد جراء توقف مرفق ما، أو تعطله عن تقديمها ويكفي تصور مدى الاضطراب الذي يصيب حياة الأفراد إذا انقطع التيار الكهربائي لمدة طويلة، أو نشاط مرفق النقل ليوم أو يومين، فالمواطن يخطط لتصرفاته معتمدا على وجود م ارفق تعمل بانتظام[2].

    على أن مضمون مبدأ الاستمرارية ليس واحدا في جميع المرافق العامة والخدمة التي يقدمها فيعني لدى بعض المرافق العمل والتشغيل الدائم، مثل الشرطة والدفاع والمستشفيات والحماية المدنية ويعني لدى البعض الآخر العمل المستمر وفقا لدوام وتوقيت يومي محدد، مثل مرفق الحالة المدنية، البريد، المدارس والجامعات.

    ويعود للقاضي الإداري تحديد مضمون الاستمرارية بشكل يسمح للمواطنين من الحصول على الخدمات من المرفق. فهو يعتبر أكثر المبادئ وزنا لأن القضاء الإداري كثيرا ما اعتمد عليه في صياغة بعض النظريات، منها نظرية الظروف الاستثنائية ونظرية الموظف الفعلي، وهو ما سنبينه لاحقا.

    كما أن مبدأ الاستمرارية يفترض العمل الدقيق والمنتظم للمرفق، بحيث يجب أن يفتح في الساعة المحددة ولا يمكن أن يقفل بطريقة مسبقة، والا عد خطأ مرفقي ولا يمكن أن ينقطع الرفق عن العمل إلا في الحالات المنصوص عليها في القوانين والأنظمة وحالات القوة القاهرة.

    ولقد جسد الدستور هذا المبدأ في المادة 00 منه، والتي تنص على أن: "الوزير الأول يسهر على حسن سير الإدارة العمومية". وبذلك أصبح للمبدأ قيمة دستورية ويقتضي مبدأ الاستمرارية توافر جملة من الضمانات، تعمل جميعها على تجسيده في أرض الواقع. ومن هذه الضمانات ما وضعه المشرع ومنها ما رسخه القضاء الإداري.

     أولا: الضمانات التشريعية: تتمثل في:

    1ـــ  تنظيم ممارسة حق الإضراب:

    یقصد بالإضراب عموما توقف أو امتناع الموظفین أو العمال عن القیام بوظائفهم و أعمالهم لمدة معینة دون تركهم لوظائفهم بصفة نهائیة . 

    ولكن الإضراب باختلاف صوره و أشكاله أمر خطیر یؤثر سلبا على سیرورة المرفق العام كونه المتسبب الرئیسي في شلله و عدم تحقیقه للمنفعة العامة و كذا عدم تقدیم الخدمات العامة للأفراد وبعد أن كان الإضراب جرما یعاقب علیه القانون إلا أنه تطور و أصبح أكثر حمایة من القانون إذ أصبح یستعمل من اجل الدفاع على المصالح المهنیة كونه عنصر من عناصر الحریات العامة الأساسیة و التي توصلت إلیه الكثیر من دساتیر العالم.[3]

    1ـــ 1 تكریس حق الإضراب في الدستور الجزائري 

     إن المؤسس الدستوري قد اعترف بحق الإضراب في النص الدستوري الجزائري الصادر
    بتاریخ
    10/09/1963 بم وجب المادة 20 التي نصت على مایلي:"الحق النقابي و حق الإضراب ومشاركة العمال في تسییر المؤسسات معترف بها جمیعا وتمارس هذه الحقوق في نطاق القانون " یستخلص من نص المادة أن المؤسسة الدستورية قد اعترف بحق الإضراب دون التمییز بین القطاع العام والقطاع الخاص ،لكن بما أن الجزائر كانت وإلى وقت قریب تتخذ الاشتراكیة أسلوبا و منهجا وكان الموظفون و العمال الدعامة الأساسیة التي ترتكز علیها الدولة في تحقیق المساعي و الأهداف الكبرى الاشت اركیة ، فعملت على توفیر كافة الوسائل والمعدات من اجل تهیئة ظروف العمل عبر جمیع القطاعات ،ومن اجل تحقیق هذه الأهداف حرص المشرع الجزائري على تحریم الإض ارب في القطاع العام وهو في الأساس تحقیق لمبدأ استمراریة المرافق العامة بانتظام واطراد لأن قیام الموظفین أو عمال القطاع العام بهجر عملهم قصد تحقیق مطالبهم یتنافى ومبدأ سیرورة  واستمراریة المرفق العام . 

    ولقد حرص الدستور الجزائري الصادر بتاریخ 22 نوفمبر 1976 الذي خطى خطوة أكثر تقدما في مجال الإضراب على منع الإضراب في القطاع العام واقتصر ممارسة حق الإضراب فقط على القطاع الخاص ، حیث نصت المادة 61 في الفقرة الثنیة منه والتي تقضي على أنه "تخضع علاقات العمل في القطاع الاشتراكي لأحكام القوانین والتنظیمات المتعلقة بالأسالیب الاشتراكیة للتسییر. وفي القطاع الخاص حق الإضراب معترف به وینظم القانون ممارسته "یتبین من نص المادة أن الإضراب حق غیر معترف به لعمال المرافق العامة وهذا لإشباع الحاجات العامة للمنتفعین من الم ارفق الحیویة للدولة . 

    ثم جاء دستور 23 فیفري 1989 في ظل الإصلاحات السیاسیة والاقتصادیة و التعددیة الحزبیة وقد اعترف صراحة بحق ممارسة الإضراب في المرافق العامة و لكن في إطار قانوني ،حیث نصت المادة 54 منه على أن"

    "وهو نفس مضمون المادة 57 من التعدیل الدستوري لسنة    1996 المؤرخ في 28 نوفمبر 1996 وكذلك نفس محتوى المادة 71 من التعدیل الدستوري لسنة 2016 كما اعترف أیضا للمتعاقد بهذا الحق . 

    وفي دستور 2020 نصت المادة 70 على: الحق في الإضراب معترف به و یمارس في إطار القانون.

    یمكن أن یمنع القانون ممارسة هذا الحق، أو یجعل حدودا لممارسته في میادین الدفاع الوطني والأمن، أو في جمیع الخدمات أو الأنشطة العمومیة ذات المصلحة الحیویة للأمة.

    لم یضع أي من هذه الدساتیر نصوصا توضیحیة لكیفیة ممارسة هذا الحق.

    1ـــ 2 تكریس حق الإضراب في القوانين

    جاء أول قانون أقره المجلس الشعبي الوطني رقم 90-02 حیث تضمن هذا القانون كیفیة ممارسة حق الإضراب، كما جاء بشروط و ضوابط بهدف حمایة المصلحة الخاصة للموظف المضرب مع ما یتماشى و النظام الجدید الذي تصبو إلیه السیاسة العامة للدولة وذلك حرصا منه على استمرارية بعض الأنشطة في المرافق العامة ذات الحركیة في المجتمع بتوفیر حد أدنى من الخدمة حسب طبیعة و نشاط كل مرفق من جهة و عدم حرمان الموظف من المطالبة بحقه من جهة أخرى . 

    وبعدها صدر الأمر 06-03 حیث اعترف للموظف بممارسة حق الإضراب بموجب المادة 36 التي نصت على أنه "یمارس الموظف حق الإضراب في إطار التشریع والتنظیم المعمول بهما" وعلیه فإن المشرع الجزائري قد اعترف صراحة للموظف و المتعاقد بممارسة حق الإضراب باعتباره وسیلة لمطالبة الهیئة المستخدمة بتحقیق مطالبه المهنیة حرصا على إحاطته بالحمایة القانونیة ،إذن فالإضراب یعتبر حقا دستوریا مكفولا للموظف والمتعاقد على حد سواء  و بالتالي لا یمكن المساس به لكن مع الحفاظ على دیمومة المرفق العام و استمراريته تحقيقا للمصلحة العامة [4].

    1ـــ 3 شروط ممارسة الإضراب.

    وضع المشرع الجزائري قانون رقم 90/02 السابق الذكر بعد أن أقر أنه حق من حقوق العمال ألا أن هذا الحق لیس مطلق بل یخضع عند ممارسته لشروط تضمن عدم التجاوز في ممارسته حمایة للمصلحة العامة و ضمانا لاستمراریة المرفق العام والمتمثلة في: 

    - استنفاذ إجراءات التسوية الودية. 

    -موافقة جماعة العمال على الإضراب. 

    -الإشعار المسبق بالإضراب. 

    -ضمان أمن وسلامة أماكن العمل. 

    أــــ استنفاذ إجراءات التسویة الودیة :

    یقصد بها وجوب استنفاذ وفشل جمیع الطرق الودیة الممكنة لمحاولة التسویة الودیة و الإرضائیة، كإج ارءات المصالحة و الوساطة و كافة الوسائل المنصوص علیها في الاتفاقیات الجماعیة كما جاء في نص المادة 24 من القانون 90-02 ففي الوساطة التي تعتبر طریقة سلمیة لمعالجة الن ازع والتي تعتبر شكلا من أشكال التوفیق حیث یقوم وسیط بإقناع الإط ارف المتنازعة حول حل وسیط للفصل في الن ازع بعد سماعه للطرفین ویدعوهما لقبول الحل الذي اقترحه أو یمكن رفضه . 

      ومن الطرق السلمیة نجد المفاوضات الجماعیة في التفاوض المباشر بین ممثلي العمال وممثلي الإدارات العمومیة كونها تقوم على أساس الحوار و ترجع أهمیة التفاوض لوجود تنظیمات تعرف باسم النقابات العمالیة. 

      كما یسبق قرار الإضراب اتفاق الطرفین على اللجوء إلى التحكیم حیث أنه یوقف قرار الإضراب بل و یوقف الإضراب إذا كان قد شرع فیه،

    حیث تنص المادة 25 من القانون 90-02 بأنه"لا یمكن اللجوء إلى ممارسة الإضراب و یوقف الإضراب الذي شرع فیه بمجرد اتفاق الطرفین في الخلاف الجماعي في العمل على عرض خلافهما على التحكیم" 

    ومعنى هذا أن اللجوء إلى التحكیم یعتبر أداة من أدوات إنهاء الإضراب ولیس فقط توقیفه لأن قرار التحكیم یفرض تطبیقه والالتزام به من قبل الطرفین بحكم القانون وفق ما جاءت به المادة 13 الفقرة 2 من القانون 90-02 والتي تنص على أنه " یصدر قرار التحكيم النهائي خلال 30 یوما الموالیة لتعیین الحكام ،وهذا القرار یفرض نفسه على الطرفین الذین یلزمان تنفیذه" أي أن اللجوء إلى التحكیم أمر اختیاري إلا أن بمجرد الاتفاق على اللجوء إلیه یفقد المتنازعین الحریة و یلزمهم مسبقا بالامتثال لقرار التحكیم و الالتزام به وتنفیذه .[5]

    ب ــــ  موافقة جماعة العمال على الإضراب:

         یقصد بها أن یكون قرار اللجوء إلى الإضراب  شرعیا إذا كان صادرا عن أغلبیة العمال بإرادتهم الحرة دون أي إكراه أو ضغط و یتم ذلك عن طریق جمعیة عامة تضم كافة العمال أو نصفهم على أقل تقدیر ، تعقد خصیصا لهذا الغرض یعبرون فیها عن رغبتهم أو عدم رغبتهم في الإضراب عن طریق الاقتراع السري و یشترط أن یكون القرار النهائي للجوء إلى الإضراب صادر عن الأغلبیة المطلقة للعمال الحاضرین لهذه الجمعیة حسب نص المادة 28 من القانون 90-02 السالف الذكر،أما أقلیة العمال الرافضین فيحق لهم متابعة العمل ولا یجوز للعمال المضربین أن یجبروا العمال غیر المضربین على التوقف عن العمل.

    فكما یحمي القانون حق العامل عند ممارسة الإضراب فإنه یحمي حریته في القیام بعمله وهو ما نصت علیه المادة 34 من نفس القانون والتي نصت على "یعاقب القانون عرقلة حریة العمال ،ویعد عرقلة لحریة العمل ،كل فعل من شأنه أن یمنع العامل أو المستخدم أو ممثله من الالتحاق بمكان عمله المعتاد أو یمنعهم من استئناف ممارسة نشاطهم المهني أو من مواصلته بالتهدید أو المناورة الاحتیالیة أو العنف أو الاعتداء".

    ج ـــ الإشعار المسبق بالإضراب:

    نظم المشرع الجزائري الإشعار المسبق بالإضراب في المواد 29 إلى 31 من القانون90 -02 المتعلق بالوقایة من النزاعات الجماعیة وتسویتها وممارسة حق الإضراب. 

    ویقصد بالإشعار المسبق بالإضراب قیام ممثلي العمال الموافقین على الإضراب بإعلام صاحب العمل عن نیة العمال في التوقف الجماعي عن العمل ، من أجل تحقیق المطالب المهنیة لهم ،التي مزال الخلاف بشأنها مستمرا.[6] 

    یعتبر الإشعار المسبق بالإضراب شرطا إلزامیا یترتب على إهماله أو مخالفته عدم شرعیة الإضراب حیث یجب الإشعار مسبقا بتاریخ ومدة الإضراب وذلك بإعلام صاحب العمل سواء كان إدارة أو سلطة عامة مسبقا بقرار اللجوء إلى الإضراب مع تحدید بدایة الشروع فیه ومدته إذا كان محدد المدة أو إذا كان مفتوحا ،مما یعني أن بدایة الإضراب لیس من تاریخ إقراره وإنما یبدأ نفاذه من التاریخ الذي یلي نهایة مهلة الإخطار المسبق ،وتحسب مدة الإشعار المسبق للإضراب بدءا من تاریخ إیداعه لدى الهیئة المستخدمة وإعلام مفتشیة العمل المختصة إقلیمیا ، وتحدد المدة عن طریق التفاوض والتي یجب ألا تقل عن 08 أیام إبتداءا من تاریخ إیداعه على أن تمدید هذه الفترة جائز قانونا سواء بموجب الاتفاق بین طرفي النزاع أو بإاردة ممثلي العمل فلهما الحریة التامة في هذا الصدد وذلك وفقا لنص المادة 30من القانون 90/02. 

    وبالتالي فإن عدم مراعاة شرط الإشعار المسبق بالإضراب وعدم احترام المیعاد یؤدي إلى إضفاء صفة عدم مشروعیة الإضراب مما یؤثر سلبا على سیرورة المرافق العامة .

    د ــ ضمان أمن وسلامة أماكن العمل :

    إضافة إلى ما سبق من شروط ممارسة حق الإضراب هناك شرط أساسي وضعه المشرع الجزائري ینبغي مراعاته وهو ضمان أمن وسلامة أماكن العمل أي عدم احتلال أماكن العمل بالقوة وذلك باتخاذ كافة الاحتياطات والإجراءات اللازمة لضمان المحافظة على وسائل وأدوات وأماكن العمل وعدم تعریضها لأیة أضرار أو تخریب أو إتلاف أو مساس بالأملاك العقاریة والمنقولة والمنشآت التابعة للمستخدم [7]فتعریضها للضرر یعیق سیر المرفق العام بانتظام واطراد . 

    وأن أي تصرف من هذا القبیل من طرف العمال المضربین یترتب علیه المسؤولیة المدنیة أو الجزائیة حسب جسامة الضرر وفق ما نصت علیه المادة 55 الفقرة 02 من القانون 90/02 التي تقضي برفع العقوبة إلى حدود الثلاث سنوات حسب حالة الاعتداء على الأشخاص والممتلكات.[8] 

    فرفض العمال للامتثال وتعنتهم یعد عرقلة لحریة العمل وهي التصرفات التي یعتبرها القانون أخطاء جسیمة حیث ینص القانون من خلال المادة 35 منه على أنه*یمنع العمال المضربین عن احتلال المحلات المهنیة للمستخدم، عندما یهدف هذا الاحتلال إلى عرقلة حریة العمل.

    1 ــــ 4 القیود الواردة على ممارسة حق الإضراب:

     بالرغم من الاعتراف بحق الإضراب ضمن قائمة الحقوق الأساسیة للمواطن ودستوریته إلا أنه حق مقید ولیس حقا مطلقا ، وهذه القیود مقررة دستوریا ، فأغلب الدساتیر الحدیثة تنص على هذه القیود وتحیل تنظیمها وتحدیدها للقانون وكذلك یعتبر الإضراب  مقیدا بعدة اعتبارات أمنیة واقتصادیة وسیاسیة ومهنیة  وكذا تنظیمیة هدفها الحفاظ على دیمومة المرفق العام من جهة و من جهة أخرى الحفاظ على حقوق الموظف.

     

     

    أ‌-    القیود الكلیة الواردة على ممارسة حق الإضراب:

     منع القانون الجزائري مثله مثل باقي القوانین الأجنبیة وخاصة القانون الفرنسي ممارسة حق الإضراب في بعض میادین الأنشطة الأساسیة، حیث نصت المادة43 من القانون 90/02 على مجموعة القطاعات التي لا یمكن ممارسة حق الإضراب فیها فقط حیث  ":یمنع اللجوء إلى الإضراب في میادین الأنشطة الأساسیة التي قد تعرض توقفها حیاة أو أمن أو صحة المواطنین أو الاقتصاد الوطني للخطر وبهذه الصفة یمنع اللجوء إلى الإضراب على:

     -القضاة.

     - الموظفین المعینین بمرسوم أو الموظفین الذین یشغلون مناصب في الخارج. 

     -أعوان مصالح الأمن. 

     -الأعوان المیدانیین العاملین في مصالح الحمایة المدنیة.

     -أعوان مصالح استغلال شبكات الإشارة الوطنیة في وازرتي الداخلیة والشؤون الخارجیة.

     -الأعوان المیدانیین العاملین في الجمارك.

     -عمال المصالح الخارجیة لإدارة السجون.

     ب ــ القیود الجزائية الواردة على ممارسة حق الإضراب:

    وردت هذه القیود في القانون رقم 90-02 المتعلق بالوقایة من النزاعات الجماعیة في العمل و تسویتها وممارسة حق الإضراب تعتبر من أهم القیود التي أوردها المشرع الجزائري على ممارسة الحق في الإضراب في هذا القانون وهو إلزام العمال المضربین بتقدیم الحد الأدنى من الخدمة الدائمة  الضروریة بالنسبة لبعض القطاعات وفقا لنص المادة 37 من نفس القانون  حیث نصت على أنه إذا كان الإضراب یمس بالأنظمة التي يمكن أن یضر انقطاعها التام باستمرار المرافق العمومیة الأساسیة، أو یمس بالأنشطة الاقتصادیة الحیویة، أو بتموین المواطنین،أو المحافظة على المنشآت والأملاك الموجودة فیتعین تنظیم مواصلة الأنشطة الضروریة فیشكل قدر أدنى من الخدمة إجباري،أو ناتج عن مفاوضات أو اتفاقیات أو عقود .

    ولقد نص المشرع على إقامة هذا الحد الأدنى من الخدمات في حالة ما إذا شمل الإضراب أنشطة یخل توقفها الكامل باستمرارية المرافق العامة الضروریة [9].

    كما جاء في مضمون المادة 39 من نفس القانون على أن تحدد كمیة ونوعیة هذا القدر الأدنى من الخدمة بمقتضى الاتفاقیات الجماعیة وإذا لم یكن ذلك فیمكن أن تحدد من طرف المستخدم أو السلطة الإداریة المعنیة بعد استشارة ممثلي العمال. 

    ولم یكتف المشرع الجزائري بالنص على هذا المبدأ فحسب، بل إنه وتفادیا لأي إخلال بتفسیر هذه الأحكام أو أي تقصیر أو إهمال أو تفسیر ضیق لهذه المادة،من جهة وضمانا لتطبیق وتقدیم الحد الأدنى الإجباري في بعض القطاعات الاقتصادیة والاجتماعیة والأمنیة من جهة ثانیة،فقد أجبر بعض مصالح هذه القطاعات الحیویة على إلزامیة تقدیم حد أدنى إجباري من الخدمة بغض النظر عن وجود أو عدم وجود اتفاقیة أو عقد ینظم ذلك،واعتبر رفض العمال القیام بهذا الواجب، خطأ مهنیا جسیما  وهو ما تضمنته المادة 40من القانون 90-02. 

    كما نصت المادة 38 من القانون 90-02 على أنه ینظم قدر الأدنى من الخدمة الإجباریة في بعض  المجالات كان الغرض من المشرع هنا الحفاظ على مصالح المواطنین وذلك لما یخلفه الإضراب من ضرر على تموین الأفراد بما یحتاجونه من سلع وخدمات والمساس بالأمن العام للبلاد وضیاع المصالح المالیة أو الاقتصادیة للبلاد ویستوي في هذه القیود كل من المؤسسات والمرافق المسیرة بصفة مباشرة من طرف الإدارة أو تلك المسیرة أو المدارة عن طریق عقود الامتیاز،حیث یفرض على الحائزین على عقود الامتیاز التزام ضمان الحد الأدنى من الخدمة في حالة الإضراب تطبیقا لمبدأ سیر المرافق العامة بانتظام  واطراد.

          إن سلطة الإدارة المعنیة والامتیازات التي منحها لها القانون لا تتوقف عند فرض الحد الأدنى من الخدمة في بعض القطاعات والنشاطات الحیویة،بل منها وسیلة قانونیة أخرى  تتمثل في أمر التسخیر كآلیة استثنائیة تحد من الآثار المترتبة عن الإضراب.

    قرار التسخیر:

    لقد نصت المادة 41 من القانون 90-02 السالف الذكر على أنه ":عملا بالتشریع الساري المفعول یمكن أن یؤمر بتسخیر العمال المضربین الذین یشتغلون في الهیئات أو الإدارات العمومیة أو المؤسسات لضمان استمرار المصالح العمومیة الأساسیة بتوفیر الحاجیات الحیویة للبلاد أو الذین یمارسون أنشطة لازمة لتمویل السكان".

    ونصت كذلك المادة 42 من نفس القانون على انه :  "یعد عدم الامتثال لأمر التسخیر خطأ جسیم دون المساس بالعقوبات المنصوص علیها في القانون الجزائي.

    2 ـــــــ تنظيم الاستقالة :

    الاستقالة هي رغبة الموظف في ترك الوظیفة بإرادته و بصفة نهائیة لأسباب شخصیة و لا یمكن إجبار أي شخص یعمل ما دون رغبته و لهذا فهي من الحقوق المشروعة للموظف العام، و إذا كانت الاستقالة أمرا مباحا إلا أنه لا یجوز في الظروف العادیة على الأقل إرغام فرد على القیام بعمل لا یریده ، فإن هذا الحق أن یقید رعایة المصالح العامة  ، حیث كان من حق الموظف أن یستقیل من عمله بالمرفق العام ،و لیس من حقه أن یترك و یتخلى عن أداء مهامه فجأة أو كما یشاء و بدون إجراءات.

           وسعیا منه لضمان استمرارية المرفق العام بانتظام واطراد نصت مختلف التشریعات الوظیفیة الوطنیة والمقارنة المتعلقة بالوظیفة العامة على حق الاستقالة فقد اعترف المشرع الجزائري للموظف بحقه في الاستقالة ومغادره المرفق العام بناءا على رغبته، ونظم شروط ممارستها وقیدها وذلك في كل التشریعات الوظیفیة التي عرفتها الوظیفة العامة في الجزائر منذ الاستقلال إلى یومنا هذا.

    لقد  اعترف المشرع الجزائري للموظف بحقه في ترك الوظيفة العامة في الوقت الذي یقدر فیه أن مصلحته  تقتضي ذلك ، وهذا بإقراره للاستقالة كحق ثابت و كسب مشروع من أسباب انتهاء الخدمة الوظیفیة ، لذلك نص علیه في مختلف التشریعات المتعلقة بالوظیفة العمومیة التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال إلى یومنا هذا  ، و علیه  عرف تنظیم حق الاستقالة  تطوار ملحوظا بدایة من الأمر رقم 66/133 السالف الذكر  ، المتضمن القانون الأساسي العام للوظیفة العمومیة إلى غایة الأمر رقم 06/03 القانون الحالي للوظیفة العامة  ، حیث نص الأمر رقم 66/133 على الاستقالة كحالة إنهاء خدمة الموظف ، حیث نظم استقالة الموظف العمومي من المواد 62 إلى غایة 66، فنصت المادة 62 منه

    على مایلي "إن انتهاء المهام الذي یترتب علیه فقدان صفة الموظف ینتج عن : - الاستقالة ....." . 

    لیصدر الأمر رقم 78/12 [10]المتضمن القانون الأساسي للعامل ، حیث نص هذا القانون على الاستقالة كحالة من حالات إنهاء علاقة العمل المحددة بالمادة 92 ، ثم تطرق للاستقالة لوحدها في المادة 93 التي نصت على مایلي" الاستقالة حق معترف به للعامل و

    یتعین على العامل الذي یرغب في إنهاء علاقات العمل مع المؤسسة المستخدمة أن یقدم استقالته ......" 

    كما نص القانون 82/06 ،  على الاستقالة في الفصل الثالث المتعلق بالأحكام المشتركة المتعلقة بانتهاء علاقة العمل، حیث اعتبرها حالة من حالات انتهاء علاقة العمل و تتم بناءا على طلب مكتوب طبقا لمادتین 68و 69 منه .  

    كما نظم أيضا المرسوم 85/59 ، المتضمن القانون الأساسي لعمال و الإدارات العمومیة حق الاستقالة في الباب الثامن المتعلق بانتهاء علاقة العمل في المواد 133، 134،135 منه و لم یأتي هذا المرسوم بجدید مقارنة بما ورد في الأمر 66/133 إلا في بعض النقاط منها أنه نص ص ارحة على أن الاستقالة هي حق معترف به لكل موظف یرغب في إنهاء علاقة العمل طبقا للمادة 33. 

    كما أشار القانون 90/11 إلى الاستقالة في مادتین ذكرت أولها الاستقالة ضمن حالات إنهاء علاقة العمل و هي المادة 66 ، ثم المادة 68  التي اعترفت بالاستقالة كحق إذ نصت على أن  " الاستقالة حق معترف به للعامل .....". 

    كرسها أیضا المشرع في ظل الأمر رقم 06/03 المتعلق بالقانون الأساسي العام للوظیفة العمومیة الحالي ، حیث أن الموظف یعتبر مستقیل عندما یعلن إرادته الصریحة في قطع العلاقة التي تربطه بالإدارة بصفة نهائیة و هي عقد معترف به و خص هذا الحق بأربعة مواد كاملة من المادة 217 إلى المادة 220 في الوقت الذي اكتفي فیه المشرع بالإشارة إلى حالات الانتهاء التام لخدمة الموظف دون التفصیل فیها و ذلك في المادة 216 ، و هذا دلیل على خطورة الإجراءات على الموظف و الإدارة.

    2ـــــ 1  شروط ممارسة حق الاستقالة

     

    یمارس الموظف حقه في الاستقالة عن طریق تقدیم طلب یعلن فیه عن رغبته في إنهاء العلاقة الوظیفیة حیث تنص المادة 218 من الأمر 06/03

    سالف الذكر " لا یمكن أن تتم الاستقالة إلا بطلب كتابي من الموظف یعلن فیه عن إرادته الصریحة في قطع العلاقة التي تربطه بالإدارة بصفة نهائیة "كما نصت المادة 63/1 من الأمر 66/133 سالف الذكر "لا یمكن أن یكون للاستقالة مفعول إلا بطلب خطي یقدمه المعني و یعبر فیه عن إاردته بدون غموض في قطع الصلة التي تربطه بالإدارة إلا فیما

    یتعلق بالإحالة على التقاعد" و نصت أیضا المادة 133/2 من المرسوم 85/59 سالف

    الذكر " یرسل الموظف طلبه عبر الطریق السلمي إلى السلطة التي لها صلاحیة التعیین و یبقى ملزما بتأدیة الواجبات المرتبطة بمهامه حتى صدور قارر السلطة المذكورة " ، و

    بذلك یكون المشرع قد أخذ بالاستقالة الصریحة أو المكتوبة دون الأخذ بالاستقالة الضمنیة ، و قد أحسن فعلا في عدم أخذه بالاستقالة الضمنیة أو الحكمیة لأنها لا تعبر عن المعنى الصحیح للاستقالة التي تقوم على ضرورة إبداء الموظف لرغبته الواضحة و الصریحة في ترك الوظیفة كما أبداها حینما ترشح للالتحاق بها ، و بالتالي انقطاعه عن العمل لا یعتبر في كل الأحوال قرینة مؤكدة على انصراف  نیته للاستقالة من جهة ، و من ناحیة أخرى یعد الانقطاع عن العمل بمثابة خطأ مهني نظرا لإخلاله بمبدأ سیر المرفق العام بانتظام و اطراد ، و هذا ما ذهب إلیه المشرع الجزائري حینما اعتبر غیاب الموظف بدون مبرر بمثابة خطأ مهني یعاقب علیه بالخصم من الراتب .

    و بالتالي لا یمكن الاعتداد بطلب الاستقالة إلا بتوافر مجموعة من الشروط والمتمثلة في : 

    أ-أن یكون الطلب كتابي  :

     أكد المشرع الجزائري أنه لا یمكن أن تتم الاستقالة إلا بطلب كتابي من الموظف الملزم بالتصریح فیه و بدون غموض في اتجاه إرادته الصریحة إلى قطع علاقة التي تربطه بالإدارة بصفة نهائیة ، و قد ذهبت النصوص السابق المنظمة للوظیفة العمومیة بالجزائر لا سیما الأمر 66/133 سالف الذكر إلى حد اشتراط أن یكون طلب الاستقالة خطیا ، إدراكا من المشرع أن الموظف المقبل على الاستقالة لا یكون في وضعیة نفسیة لائقة ، أي تحت تأثیر عوامل خارجية كالإكراه أو التوتر و بما یلزم تحریر طلب استقالته بخط یده الذي قد یمنحه الفرصة في التریث و التفكیر ملیا في هذا الإجراء الخطیر الذي یكون له انعكاسات سلبیة على حیاة الموظف[11] أو في استمراریة المرفق العام بانتظام .  

       و قد تقرر اشترط الكتابة في الاستقالة لمصلحة الموظف باعتبارها دلیل على رغبته الأكیدة في ترك الوظیفة وأنه أقدم علیها بعد تفكیر و إمعان للنظر،  كما أن الاستقالة المكتوبة من جهة أخرى تمكن الإدارة من التأكد من رغبة الموظف في الاستغناء عن الوظیفة. 

        كما تجدر الإشارة أن المشرع الجزائري لم یحدد شكلا معینا لطلب الاستقالة مكتفیا بشرط الإعلان عن الإرادة الصریحة في إنهاء الخدمة ، و بالتالي یكون الطلب صحیحا بمجرد إرساله إلى السلطة المختصة بالتعیین عن طریق السلم الإداري و تضمینه ألفاظ و عبارات واضحة و دالة على انصراف إرادة الموظف الصریحة إلى إنهاء العلاقة الوظیفیة بصفة نهائیة . 

    ب -عدم تعلیق الاستقالة على شرط :

    یشترط الفقه لصحة طلب الاستقالة المقدم من الموظف العام أن یخلو من أیة شروط یعلق علیها صدور القرار الإداري بقبول الاستقالة ، و ذلك لأن الشروط قد تثیر الشك في رغبة الموظف العام في الاستقالة ، فقد یكون هدفه من تقدیم الاستقالة لیس إنهاء خدمته و إنما حث الإدارة على تحقیق مطالبه ،و بالرجوع إلى المشرع الجزائري نجد أن المواد الأربعة التي نظمت الاستقالة من المادة 217 إلى المادة 220 من الأمر 06/03 لم تتضمن مسألة الاستقالة المشروطة ، و علیه یتوجب على الإدارة التأكد و فحص بدقة طلب الاستقالة و مراعاة الألفاظ و العبارات التي یتضمنها هذا الطلب للتأكد من الرغبة الحقیقة للموظف في ترك الخدمة . 

    ج-أن تكون استقالة الموظف صادرة عن إرادة حرة :

    یجب أن تكون استقالة الموظف صادرة عن إ اردة حرة أي بمحض إ اردته و اختیاره ، و بالتالي إذا ثبت أن الاستقالة تحت ضغط أو إك اره كانت الاستقالة باطلة ، و كذلك لو صدر طلب الاستقالة عن إ اردة غیر واعیة أو غیر مدركة لنتائج أفعالها ، كما لو صدرت تحت تأثیر المرض الشدید الذي یمنع التعبیر الصحیح عن الإرادة كإصابة الموظف بمرض ، أو أن الاستقالة تمت بإرادة غیر مدرك للنتائج المترتبة عنها . 

    و لذلك و نظرا لأن الاستقالة تصرف قانوني مبني أساسا على إرادة الموظف العام و رغبته في إنهاء العلاقة الوظیفیة ، كان لا بد أن تخلو هذه الإرادة من كل العیوب لا سیما عیب الإكراه سواء المادي أو المعنوي ، و بالتالي یجب أن یكون طلب الاستقالة صادر عن إرادة الموظف الصحیحة بحیث أن لا یكون قد شابها أي عیب من عیوب الإرادة ، فغالبا ما یقوم القاضي الإداري بإلغاء القرارات الصادرة بقبول استقالات الموظفین إذا ثبت عدم إعلام الموظف بنتائج تصرفه أو أنه قد تعرض لضغوطات ، و ذلك راجع للآثار الهامة عن الاستقالة و تأثیرها عن الحیاة المهنیة للموظف[12]، و یترتب على إلغاء قبول الاستقالة اعتباره كأن لم یكن، و بالتالي یزول القرار و كافة الآثار القانونیة المترتبة عنه ، مما یلزم الإدارة بتمكین الموظف من كل الحقوق و الامتیازات التي كان یتمتع بها قبل قبول الاستقالة، فضلا عن حقه في المطالبة بالتعویض عما لحقه من ضرر. 

    د- أن یكون طلب الاستقالة فردي :تعتبر الاستقالة حق ثابت للموظف یجب أن یمارس في إطار القانون ، حیث یلتزم بتقدیم طلب فردي و لیس جماعي یعلن فیه أن إ اردته الصریحة في قطع علاقته بالوظیفة بصفة نهائیة ، كما یجب أن یمارس هذا الحق بصفة فردیة في الوقت الذي یقدر فیه أن مصلحته تكمن في مغادرة الوظیفة العامة ، لأن ممارسة هذا الحق بشكل جماعي یعد خروجا عن المنطق القانوني الذي شرعت من أجله الاستقالة ، كما یعد تعسفا في استعمال هذا الحق و یتعارض بشكل صارخ مع مبدأ ثابت و هو مبدأ استم ارریة الم ارفق العامة و سیرو رتها بانتظام و اطراد ، لذلك فقد جرمت الاستقالة الجماعیة في أغلب التشریعات المقارنة ، كما جرمها المشرع الج ازئري في قانون العقوبات  المادة 115 منه . 

    ه-استمرار الموظف في أداء عمله إلى حین صدور قرار الجهة المختصة:

     حیث أجمعت مختلف قوانین الوظیفة العامة السابقة ، على وجوب استمرار الموظف المستقیل في أداء مهامه إلى حین صدور قرار الجهة المختصة بالتعیین ، و ذلك من أجل الحفاظ على استمرارية المرفق العام ، و هذا ما أقرته المادة 219 من الأمر 06/03 ، و قد حدد المشرع مدة شهرین للسلطة المختصة لاتخاذ قرارها بشأن طلب الاستقالة ابتداء من تاریخ إیداع الطلب حسب المادة 220/1 ، الملاحظ من هذه المادة أن المشرع عندما أعطى الإدارة مدة شهرین لاتخاذ قرار الاستقالة هو الحفاظ على مبدأ استمراریة المرفق العام بانتظام و اطراد أولا ، لان بمجرد قبولها الطلب یؤدي إلى توقف المصالح العمومیة و بالتالي یختل التوازن المرفقي ، كما أضاف مدة شهرین آخرین إذا استدعت الضرورة القصوى في حالة عدم تمكن الإدارة من البدیل، و أن المعني بالاستقالة یجب أن ینهي  معاملاته الواجبة علیة و تمریرها إلى غیره حسب ما تقتضیه الإجراءات القانونية ، و بالتالي أربعة أشهر كافیة للحفاظ على سیر المرفق العام .

    ثانيا: الضمانات القضائية:

    إضافة إلى الضمانات التشریعیة التي وضعها المشرع لاستمرار المرفق العام وتحقیق المنفعة العامة التي أوجد من أجلها، توجد ضمانات قضائیة أوردها القضاء الإداري من أجل حمایة دیمومة المرفق العام و سیره بانتظام واطراد في حالة الظروف الاستثنائیة والعادیة، وهذا بهدف تفادي حدوث أي انقطاع أو تعطیل في سیر المرفق العام لأنه سیؤدي حتما إلى نشوب أضرار بالمصلحة العامة من جهة و بحقوق الأفراد من جهة أخرى .

          لهذا أوجد القضاء الإداري نظریتین كضمانات قضائیة للحفاظ على سیر المرفق العام بانتظام واطراد وهما نظریة الظروف الطارئة التي أقرها القضاء الفرنسي لضمان استمرار نشاط المرفق العام في الحالات المفاجئة مع الحفاظ على التوازن المالي بین الإدارة وصاحب الالتزام و نظریة الموظف الفعلي الهادفة إلى تفادي توقف سیر المرفق العام في الحالات الاستثنائیة والعادیة كحالة وجود عیب في تعیین الموظف أو في تفویضه لتسییر المرفق العام.

    1 ــ نظریة الظروف الطارئة: 

         إن من بین الضمانات القضائیة التي تضمن دوام سیر المرافق العامة بانتظام واطراد نجد نظریة الظروف الطارئة والتي یقصد بها ظهور حوادث مفاجئة  أثناء تنفیذ العقد أو ظروف خارجة عن إرادة المتعاقد مع الإدارة ولم تكن متوقعة عند التعاقد فیترتب علیها  إرهاق للمتعاقد مع الإدارة یخشى معه باستم ارر هذه الظروف أن یعجز الملتزم عن الاستم ارر في إدارة المشروع و استغلاله مما یؤدي إلى تعطیل سیر المرفق العام فالعقود الإداریة هي من أهم الوسائل التي تلجأ إلیها الإدارة من اجل تحقیق المصلحة العامة عن طریق تنفیذها على أحسن وجه من أجل ضمان سیر المرفق العام بانتظام واطراد.[13]

     لقد عرفت نظریة الظروف الطارئة تطوار ملحوظا بدءا من العصور القدیمة إلى العصور الوسطى فالعصور الحدیثة ،ولقد كانت نشأتها في بادئ الأمر في ظل القانون العام، إذ لم یكن القضاء المدني لیوافق على تطبیقها على علاقات القانون الخاص ،وقد بذلت محاولات لتطبیقها في المحاكم الفرنسیة و المصریة فباءت بالفشل،أما بالنسبة للقانون العام فقد طبقها مجلس الدولة الفرنسي منذ أوائل القرن 19 وكانت أول قضیة طبقت فیها هذه النظریة هي قضیة غاز مدینة بوردو ، الصادر فیها حكم مجلس الدولة الفرنسي في 30/07/1916. 

    فقد أخذ القضاء الإداري الفرنسي بهذه النظریة وطبقها خلال الحربین العالمیتین بسبب تبدل الظروف الاقتصادیة وتغیرها وتأثیرها في تنفیذ عقود الت ازم الم ارفق العامة. كما اضطر المشرع الفرنسي إلى إصدار قوانین اوجد فیها ص ارحة حلولا تقوم على مبدأ نظریة الظروف الطارئة تنص على فسخ العقد أو تعدیله بسبب الظروف الاقتصادیة منها : قانون فایو بتاریخ 21/01/1918  ، قوانین متعلقة بالإیجار سنة 1925 و سنة 1927 و قانون شبیه بقانون فایو[14] سنة 1949.  

    وبالتالي فهناك علاقة وطیدة بین نظریة الظروف الطارئة وسیر المرفق العام وهذا من أجل تحقیق المصلحة العامة و تقدیم الخدمات للمنتفعین . 

    نظریة الظروف الطارئة أصلا هي من القضاء الإداري وبالتحدید مجلس الدولة الفرنسي الذي اقرها بتاریخ 30/05/1916 بشأن إنارة مدینة بوردو. 

    وتتلخص وقائع هذه القضیة كون الشركة الملتزمة بتورید الغاز لمدینة بوردو وأثناء تنفیذها للعقد وجدت الأسعار التي تتقاضاها ابعد بكثیر من أن تغطي النفقات بعد ارتفاع أسعار الفحم المستخرج منه الغاز ارتفاعا كبی ار عقب نشوب الحرب العالمیة الأولى بحیث ارتفع سعر الفحم إلى أكثر من ثلاث أمثاله حیث كان مبلغ طن الفحم عند إب ارم العقد سنة 1904م 23 فرنك فرنسي ... وفي عام 1916 كان 73 فرنك فرنسي مما استحال معه تنفیذ الشركة لالت ازماتها التعاقدیة فطلبت الشركة من بلدیة بوردو المتعاملة معها رفع الأسعار من المنتفعین فرفضت هذه الأخیرة ذلك (البلدیة) وتمسكت بشروط العقد استنادا إلى مبدأ العقد شریعة المتعاقدین فعرض هذا الن ازع على مجلس الدولة الذي أقر فیه نظریة الظروف الطارئة كسبب لإعادة التوازن المالي للعقد . 

    ومن هنا یتضح أن نظریة الظروف الطارئة لا تجعل تنفیذ العقد مستحیلا مثل ماهو علیه في حالة القوة القاهرة ،فالتنفیذ في نظریة الظروف الطارئة یبقى ممكنا ولكنه مرهق وعلى ذلك لا یعفى المتعاقد من تنفیذ العقد وله الحق في الطلب من الإدارة أن تساهم في تحمل بعض الخسائر التي تلحق به ضمانا لحمایة المرفق العام واستم ارره في أداء الخدمة دون انقطاع تطبیقا لمبدأ السیر الحسن للمرفق العام بانتظام واطراد. 

        ونصت المادة 107 من القانون المدني التي تقضي " یجب أن ینفذ العقد طبقا لما اشتمل علیه وبحسن نیة ولا یقتصر العقد على التزام المتعاقد بما ورد فیه فحسب بل یتناول أیضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون و العرف و العدالة بحسب طبیعة الالت ازم ، غیر انه إذا ط أرت حوادث استثنائیة عامة لم یكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها تنفیذ الالت ازم التعاقدي وٕان لم یصبح مستحیلا صار مرهقا للمدین بحیث یهدد بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف وبعد م ارعاة مصلحة الطرفین أن یرد الالت ازم المرهق إلى الحد المعقول ویقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك . 

         فمن خلال هذه المادة في فقرتها الثانیة فإن القضاء الإداري الجزائري أخذ دائما بنص هذه المادة في أحكامه الخاصة بهذا الموضوع وأعطى في نفس الوقت السلطة التقدیریة لاجتهاد القاضي في تقییم الظرف الطارئ ورد التوازن المالي للعقد الإداري حفاظا منه على رفع الضرر الذي یلحق أطراف العقد من جهة وتطبیقا لمبدأ سیر حسن المرفق العام بانتظام واطراد من جهة أخرى .  

    شروط تطبیق النظریة. 

        ومن خلال ما سبق فی ما تقدم ولاسیما نص المادة 107 من القانون المدني الجزائري فإنه یشترط لتحقیق هذه النظریة توافر شروط منها:  

    وقوع حوادث استثنائیة عامة غیر متوقعة بعد إبرام العقد وأثناء تنفیذه ولا یمكن دفعها أو تداركها مثل : الظروف الاقتصادیة، ارتفاع الأسعار ارتفاعا فاحشا،أو الظروف السیاسیة كالإعلان عن الحرب وما إلى ذلك أو الظروف الطبیعیة كحدوث الزلازل أو الفیضانات فهذه الظروف غیر متوقعة لا یمكن دفعها وهي من باب المفاجأة.

    أن یكون الحادث الطارئ خارج عن إرادة المتعاقد ومستقلا عن إرادته فلا یستطیع أن یستفید من هذه النظریة إذا كان متسببا في إحداث هذا الظرف الذي جعل تنفیذ التزامه مرهقا و كذلك یلزم أن لا تكون الإدارة هي المتسببة في إحداثه بخطئها أو فعلها فإذا كان هذا القبیل فنكون أمام مسؤولیة تقصیریة تستوجب التعویض ولیس ظرفا طارئا. 

    أن یؤدي الظرف الطارئ إلى خسائر غیر مألوفة من شأنها أن تؤدي اضطراب في التوازن المالي للعقد و إرهاق المتعاقد وعلى ذلك فإن حدوث الخسائر البسیطة للمتعاقد لا تسمح الاستفادة من هذه النظریة التي تستلزم أن تكون الخسارة ناشئة عن الظرف الطارئ جسیمة تجاوز الخسارة العادیة المألوفة أي تؤدي إلى إرهاق الملتزم ولكي یتم تقییم هذه الخسارة یستلزم على القاضي أن یرى هذه الخسارة على مجمل العقد.

    أن یستمر المتعاقد في تنفیذ العقد مادمنا أمام تمثیل عقد خاص بالمرفق العام فیجب أن یكون الملتزم قائما ولم یتم تنفیذه نتیجة هذا الإرهاق بمعنى أن تكون المدة الزمنیة للعقد مستمرة وإن تنفیذ العقد في هذه المدة یؤدي إلى تحقیق الظروف الطارئة وهذا ما یحصل غالبا في عقود الامتیاز وعقود التورید والأشغال العامة ، لأن الاستم ارر في  تنفیذ العقد رغم الإرهاق الذي حصل للملتزم یعطي الأحقیة للملتزم في طلب تدخل القضاء وتخفیف حدة الإرهاق فإذا توقف یحق له الاستفادة من نظریة الظروف الطارئة بفسخ العقد ولا یحق له المطالبة بالتعویض لأن الهدف الرئیسي في هذه النظریة هو مساعدة المتعاقد على تنفیذ الت ازمه التعاقدي وتحقیق المصلحة العامة حفاظا على استم ارریة المرفق العام بانتظام واط ارد ولهذا یكون التعویض هنا في هذه الحالة تعویضا جزئیا عن الخسارة المحققة وبقیمة الإرهاق ولا یمكن له أن یطالب بالتعویض بدعوى أن أرباحه قد نقصت. 

    الآثار المترتبة على تطبیق نظریة الظروف الطارئة . 

    ــــــ  التزام المتعاقد مع الإدارة بالاستمرار في تنفیذ العقد. 

    ــــــــــــــ حق المتعاقد في الحصول على معاونة الإدارة .

    2 ــــــ  نظریة الموظف الفعلي. 

            إضافة إلى نظریة الظروف الطارئة نجد من بین الضمانات القضائیة التي تضمن دوام سیر المرافق العامة بانتظام واطراد نظریة الموظف الفعلي  وهي من أهم الوسائل التي تلجأ إلیها الإدارة من أجل تحقیق المصلحة العامة عن طریق تنفیذها على أحسن وجه من أجل ضمان سیر المرفق العام بانتظام واطراد.

    والموظف الفعلي هو الشخص الذي یقوم بأعمال الوظیفة العامة سواء صدر بتعیینه قرار خاطئ أو معیب أو لم یصدر بتعیینه قرار إطلاقا. [15]

    و عرفه البعض بأنه شخص لم یصدر قرار تعیینه في الوظیفة العامة أو صدر قرار لكنه صدر معیبا، وقام بممارسة بعض التصرفات أو الاختصاصات المعهودة لموظف عام. 

    و أضاف البعض بأنه " الذي یقوم ببعض الأعمال دون أن یصدر ق ارر بتعیینه أو صدر القرار و لكن كان معیبا. 

     الأساس القانوني لنظریة الموظف الفعلي. 

      نظریة الموظف الفعلي هي نظریة خلقها و طبق أحكامها مجلس الدولة الفرنسي حفاظا على مبدأ استمراریة المرفق العام بانتظام و اطراد، و ذلك في الظرف الاستثنائیة و العادیة على حد سواء، فمن خلال هذا الفرع سوف نتطرق إلى تطبیقات هذه النظریة. 

    أولا- في الظروف العادیة : إن الأساس القانوني لنظریة الموظف الفعلي في الظروف العادیة هو فكرة الظاهر ، فأساس الاعتراف بشرعیة الأعمال و التصرفات الصادرة عن الموظف الفعلي و ترتیبها لمختلف الآثار القانونیة یعود إلى ما یتمتع به ذلك الموظف في الظروف العادیة من مظاهر خارجیة تؤدي لإیهام المتعاملین معه و تدفعهم هذه المظاهر إلى الاعتقاد بصحة شغل الموظف للوظیفة ، إذ لا یعقل أن نطلب من كل شخص یتعامل مع موظف عام أن یتأكد من صحة شغله للوظیفة العامة ، فالاعتداد بالظاهر یستهدف توفیر الأمن و الاستقرار في المجتمع ، و ضمان سیر المرافق العامة بانتظام و اطراد ، لأن توفیر الأمن یتعلق بالثقة في التعامل مع الإدارة ، و هذه الثقة قد تختل إذ لم ترتب تصرفات الإدارة مع الأف ارد مختلف آثارها في الأحوال التي توحي بصحة تلك التصرفات  ، الأمر الذي قد یدفع الأف ارد إلى العدول عن التعامل مع الإدارة ، و هذا بلا شك سیؤثر على الم ارفق العامة ، و یفقد الثقة بها من جانب الأفراد.

    ثانیا-في الظروف الاستثنائیة :  إن الأساس القانوني لنظریة الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائیة تتمثل في الظرف الاستثنائي ذاته  ، و في ضرورة سیر المرفق العام بانتظام و اطراد ، ففي حالة قیام الثوارت و الحروب و الكوارث الكبرى تختل الأمور ، و قد یتولى الوظیفة العامة أشخاص عادیون و یتعامل معهم الجمیع و هم یعلمون أنهم لیسو موظفین عمومیین ،و لیس لهم أي مظهر من مظاهر الوظیفة العامة ، و مع ذلك یعترف بأعمال و تصرفات هؤلاء المواطنین ضمانا لسیر المرفق العام بانتظام و اطراد في هذا الظرف الاستثنائي.

       و بالتالي في هذا التطبیق نجد مبدأ دوام سیر المرفق العام بانتظام و اط ارد هو الأساس الوحید لشرعیة أعمال الموظف الفعلي ، و یقصد بالظرف الاستثنائي هذا معناه الدقیق كحالة الحرب أو الفتنة المسلحة أو الثوارت ، ففي هذه الحالة كما أشرنا سابقا  یختل نظام الدولة العام و یحدث أن یهجر بعض الموظفین وظائفهم في المدینة أو بعض المناطق ، فیقوم بعض المواطنین العادیین بتسییر المرافق العامة في المدینة أو المنطقة تطوعا منهم لخدمة الآخرین.

    فالقضاء الإداري أقر بشرعیة أعمالهم و قراراتهم رغم عدم تنصیبهم الرسمي ، و كان الأساس الذي استند إلیه القضاء هو مبدأ ضرورة سیر المرفق العامة بدوام و انتظام حتى لا تتعطل مصالح الناس ، و لا شك أن هذا الدور التطوعي للموظف الفعلي في هذه الظروف الاستثنائیة  ینتهي بمجرد عودة الموظفین الرسمین أو تعیین غیرهم . 

    و لكي یتم إضفاء صفة المشروعیة على أعمال الأفراد العادیین في الظروف الاستثنائیة لا بد من توفر عدة شروط: 

    *أن تختفي السلطات الشرعیة كلیا. 

    *أن یكون تصدي الأفراد العادیین لمزاولة مهمات الوظیفة العامة ضروریا لسیر المرفق العامة الأساسیة. 

    *أن تنطوي الظروف الاستثنائیة على درجة عالیة من الخطورة و الجسامة. 

    *یجب أن تقتصر مباشرة هؤلاء الأفراد على إصدار القرارات التي تندرج ضمن اختصاص الموظف القانوني فقط. 

    و من هنا یتعین على القضاء قبل الحكم بمشروعیة القرارات الإداریة الصادرة في الظروف الاستثنائیة التحقق و التثبت من طبیعة القرارات الإداریة الصادرة و الظروف و الملابسات الواقعیة التي صدرت في ظلها هذه الق ارارت الإداریة و هكذا یكون مبدأ دوام سیر الم ارفق العامة بانتظام و اط ارد هو الأساس القانوني لإضفاء المشروعیة على القرارات الصادرة على الموظفین الفعلیین في الظروف الاستثنائیة . 

    و قد طبق مجلس الدولة الفرنسي هذه النظریة في الظروف الاستثنائیة في عدة مناسبات منها حكمه الصادر في 05 مارس سنة 1948 في قضیة ماریون (MARION) و التي تتلخص وقائعها في أن مجموعة من الأشخاص قام وا بتكوین لجنة لرعایة مصالح لأحد الأقالیم ، على إثر تعرض هذا الإقلیم للغزو من قبل الجیش الألماني ، و الذي أدى إلى ف ارر أعضاء المجلس البلدي خوفا من الوقوع في أیدي سلطات الاحتلال ، و قامت هذه اللجنة المشكلة بالاستیلاء على البضائع و الأغذیة لضمان توفیرها للمواطنین ، و على أثر ذلك قام المذكور أعلاه و آخرون بالطعن بهذه الق ارارت الصادرة عن اللجنة ، مستندین على أن تصرفاتها لا تستند إلى أي أساس قانوني ، و كان رد مجلس الدولة الفرنسي على هذه الدعوى برفض هذا الطعن المقدم إلیه رغم تسلیمه بأن هذه اللجنة تشكل سلطة فعلیة لیس لها أي صفة إداریة ، و ذلك استنادا إلى أن الظروف الاستثنائیة التي نجمت عن هذا الغزو لهذا الإقلیم من شانها إضفاء طابع الضرورة و الاستعجال على التصرفات التي قامت بها هذه اللجنة ، مما یستتبع اعتبار هذه الق ارارت صحیحة و سلیمة و قانونیة و كأنها صادرةعن سلطة إداریة .

    الآثار المترتبة على نظریة الموظف الفعلي. 

    في الظروف العادیة: 

    1 ــ آثار تصرفات الموظف الفعلي في حالة بطلان قرار التعیین :

    و یحدث ذلك عندما یتولى الموظف مهام الوظیفة ، ثم یتبین عدم توافر الشروط اللازمة لشغل الوظیفة أو بطلان ق ارر التعیین لأي سبب من الأسباب ، و هو ما بنجم عنه إلغاء ق ارر التعیین ، حیث إن المركز القانوني للموظف الذي فوض تفویضا غیر مشروع ، لا یختلف كثیرا عن المركز القانوني للموظف الذي عین تعیینا غیر مشروع ، لذلك یجب إعمال نظریة الموظفین الفعلیین في مجال التفویض غیر المشروع ، بغیة إسباغ الشرعیة على الأعمال التي قام بإنجازها الموظف الذي فوض تفویضا مخالفا للقانون ، حرصا على مصلحة الغیر حسني النیة الذین أكد لهم الموظف الظاهر أنه الموظف المختص ، و یؤدي من حیث النتیجة إلى إعادة الحال إلى ما كان علیه قبل التعیین ، إلا أن القضاء العربي و الفرنسي أضفى الشرعیة على التصرفات الصادرة على الموظف الذي تقرر إلغاء قرار تعیینه تطبیقا لفكرة الظاهر و تفادي الإض ارر بالغیر حسن النیة و الم ارفق العامة، و بذلك فإن القضاء قد فضل فكرة استقرار المراكز القانونیة و حسن سیر الم ارفق العامة ، على فكرة الحجیة المطلقة للحكم بالإلغاء . 

    2- آثار تصرفات الموظف الفعلي في حالة الاستمرار غیر المشروع في الوظیفة :

    تتحقق في هذه الحالة عندما یكون قرار تعیین الموظف صحیحا ، ثم ینتهي لأي سبب من الأسباب إلا أنه یستمر في القیام بمهام الوظیفة ، على الرغم من انفصام ال اربطة الوظیفیة بینه و بین الإدارة ، فما الآثار المترتبة على ذلك ، یجمع الفقه على الاعت ارف بصحة التصرفات الصادرة عن الموظف في هذه الحالة ، و ذلك لا یقتصر على الأعمال التي یقوم بها مثل هذا الموظف في المدة من صدور ق ارر إنهاء خدمته ، ذلك أن ترتیب تلك التصرفات لمختلف آثارها لا یرجع إلى حسن نیة الموظف أو عدم عمله بق ارر إنهاء الخدمة، و لكنه یقوم على اعتبارات حمایة الغیر حسن النیة و ضرورة حسن سیر المرافق العامة،و قد استقر اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي على إمكانیة أن یبقى الموظف شاغلا لوظیفته بعد انتهاء قرار تعیینه ، حتى یتم تعیین خلفه ، و ذلك إذا كان هذا البقاء ضروریا لم ارعاة ظروف خاصة مرتبطة بمسؤولیات الوظیفة التي یشغلها هذا الموظف ، و استنادا إلى متطلبات سیر المرافق العامة بانتظام و اطراد . 

    آثار تصرفات الموظف الفعلي في حالة انعدام سند الوظیفة :

    في هذه الحالة یشغل أحد الأشخاص الوظیفة دون صدور ق ارر بتعیینه فیها و لو كان باطلا ، و من المفترض أن تكون التصرفات التي تصدر عن هذا الموظف معدومة لكونها تشكل عیب عدم اختصاص جسیما ، و تعد صحیحة ، حمایة للغیر حسن النیة ، و مراعاة لحسن سیر المرافق العامة بانتظام و اطراد ، و تتحقق هذه الحالة أكثر ما تتحقق عندما یباشر الموظف بأعمال وظیفته قبل صدور قرار تعیینه. 

    في الظروف الاستثنائیة . 

    كما سبق و اشرنا أن الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائیة هو الشخص الذي یباشرالوظیفة العامة تحت ضغط ظروف استثنائیة أو دوافع سیاسیة أو اجتماعیة أو بدافع المصلحة الوطنیة و بهدف عدم توقف الم ارفق العامة خاصة في أوقات الحروب و غیاب السلطات العامة أو انحسارها ، و استنادا إلى القاعدة العامة ، فإن ق ارارت الموظف الفعلي التي یتخذها تعد منعدمة و باطلة قانونا لأنها صادرة من غیر مختص لكن الفقه و القضاء بوصفها صحیحة لاعتبا ارت تتعلق باستق ارر الم اركز القانونیة و ضرورة سیر الم ارفق العامة بصفة منتظمة و دائمة و بذلك فإن الق ارارت تعد صحیحة وفقا لشروط معینة و هي أن تكون عملیة تقلد هذا الشخص للوظیفة متسمة بمظهر المعقولیة ، بمعنى أن من یتولى وظیفة معینة على أساس من عمل منعدم و هو الق ارر المتسم بالمخالفة الجسیمة و الواضحة كل الوضوح لا یمكن أن یكون موظفا فعلیا و من ثم تكون ق ارارته منعدمة . 

    ففضلا على توفر مبدأ ضرورة سیر المرافق العامة بانتظام و اطراد یسوغ الاستثناء من هذه القاعدة و إجازة الأعمال الصادرة عن الشخص الذي یمارس وظیفة عامة دون سند قانوني صحیح استنادا لفكرة الظاهر و لحمایة حقوق الأفراد الذین یتعاملون مع الشخص بحسن نیة، معنى ذلك أن هذا الشخص یعد موظفا فعلیا برغم أنه لیس موظفا من الناحیة القانونیة.

    الفرع الثالث: مبدأ عدم جواز الحجز على أموال المرفق العام:

       أجمع قانونا و فقها و قضاء على عدم الحجز على المال العام و تعتبر هاته القاعدة من النظام العام ، ذلك أن الحجز ینتهي ببیع المال العام بیعا قضائیا و الحال أن البیع الاختیاري ممنوع فیه ، لذلك تعتبر هاته القاعدة من النظام العام ، بمعنى أخر فالم ارفق العمومیة تحتاج في أدائها للخدمة المنوط بها تحقیقا للنفع العام ، كل أموال التي تعتبر الوسائل المادیة التي تستعین بها على ممارسة نشاطها سواء العامة أو الخاصة فقد كان من المتفق علیها أن المرفق العام یجب أن یحال بكل الضمانات التي تمكنه من أداء وظیفته بصورة مضطرة و منتظمة لجمهور المنتفعین بخدماته تحقیقا للمصلحة العامة التي تذوب فیها كل مصلحة شخصیة و تطبیقا لمبدأ عدم تعطیل المرفق العام لا یجوز التنفیذ على الأموال اللازمة لسیره عن طریق الحجز .

    إذا فالأموال العامة للدولة والأشخاص الاعتبارية العامة لا یجوز الحجز علیها تحفظیا كان أو تنفیذیا على اعتبار أن هذا الإجراء یتعارض مع مبدأ تخصیص تلك الأموال للمصلحة العامة و أن الحجز بهذا الشكل یعطل سیر المرفق العام و یحول دون تنفیذه لوظیفته المتمثلة في النفع العام. 

            وبالتالي فلا یجوز الحجز على المال للوفاء بما قد یكون مستحقا على المرفق العام من دیون و ذلك حتى لا یعیب المرفق العام فلا من الناحیة المالیة في مواصلة نشاطه دون انقطاع و تسري هذه القاعدة أي كانت الطریقة التي یدیرها المرفق العام سواء عن طریق الاستغلال المباشر أو عن طریق الامتیاز ، رغم أن في الحالة الأخیرة بعض الأمور المستغلة في إدارة المرفق العام تكون أصلا مملوكة للملتزم لأن قیام الملتزم هنا على تسییر النشاط الخاص بالمرفق العام یضفي على أمواله المخصصة لتسییر المرفق العام  بصبغة العمومیة هذا حتى لا یتعطل النشاط الخاص بالمرفق العام باعتبار هذه الأموال و ان كانت خاصة و لكنها تشغل المرفق العام و هذا ما كرسه القضاء و العدید من النصوص القانونیة منها على سبیل المثال المادة 689 من القانون المدني الجزائري ، و كذا المادة 04 من القانون 30/90 المؤ رخ في 01 دیسمبر 1990 المتعلق بالأملاك الوطنیة التي تنص على أن الأملاك الوطنیة العمومیة غیر قابلة للتصرف و لا للتقادم و لا للحجز . 




  • Section 5

    طرق تسيير المرفق العام

    رأينا فيما سبق أن المرافق العامة أنواع مختلفة، لذا كان من الطبيعي أن تتابين أساليب تسييرها، في اختيار طريقة من الطرق تراعي الإدارة اعتبارات متعددة : سياسية واجتماعية واقتصادية، ففي الدولة الليبرالية الكلاسيكية كانت الأساليب تنحصر في الإستغلال المباشر، وفي استلزام بعض المرافق الإقتصادية ثم تنوعت طرق إدارة المرفق العامة، تحت تأثير الأفكار الإشتراكية  وتدخل الدولة المكثف في المجال الإقتصادي  والإجتماعي، فظهرت أساليب جديدة في التسيير، تعتمد التأميم والمؤسسات والمنشآت العمومية والإقتصاد المختلط، ومع تراجع الأفكار الإشتراكية إثر انهيار المعسكر الشيوعي وتفوق الأفكار الليبرالية التي تنادي بخوصصة طرق تسيير المرافق العامة واخضاعها لقواعد المنافسة، قامت الدولة بإفساح المجال للقطاع الخاص بالمشاركة في تسيير المرافق العامة.

    المبحث الأول: الأساليب الكلاسيكية و التقليدية لإدارة المرافق العامة

    يرتبط المرفق العام بالدولة من حيث إنشائه وتسييره، حيث أن أول ما ظهرت من الم ارفق العمومية كانت مقتصرة على مجالات محددة استطاعت الدولة السيطرة عليها من خلال الاستغلال المباشر من طرف الدولة والجماعات المحلية وذلك بخلق م ارفق عامة تابعة مباشرة لها ولا تملك هذه الم ارفق شخصية معنوية، لكن بتعدد مجالات تدخل الدولة وت ازيد الم ارفق العمومية لم تعد الدولة والجماعات المحلية قادرة على مواكبة هذا التحول سواءا من حيث الكم أو النوع مما ولد اختلالات كبيرة .

    كما ظهرت نقائص عديدة أثقلت كاهل الدولة وأثرت سلبا على الخدمة العمومية. لذلك حاولت أغلب الدول ومنها الج ازئر اللجوء إلى طريقة أكثر مرونة في تسيير الم ارفق العمومية ذلك بخلق مؤسسات مستقلة عن الدولة والجماعات المحلية متخصصة في مجالات معينة ،وبذلك م ارعاة خصوصية كل قطاع وإعطائه مجالات متخصصة، وتنوعت الأنظمة القانونية لهذه المؤسسات العمومية حسب طبيعة كل نشاط، ورغم النجاح الذي حققته هذه المؤسسات خاصة في بعض المجالات إلا أن ارتباطها بالقطاع العام ولد عدة نقائص شابت هذا النوع من تسيير المرفق العام وأثرت سلبا على فعاليته  وعلى نوعية الخدمة التي يقدمها.

    إذ يعتبر كل من أسلوب الاستغلال المباشر أ و أسلوب المؤسسة العمومية من أقدم أساليب تسيير المرفق العام ،وهي من الأساليب الكلاسيكية التي لم ولن تتخلى الدولة عن تسييرها، فهناك بعض المجالات يجب أن تبقى مسيرة من طرف أشخاص عمومية نظ ار لخصوصيتها وطبيعتها التي تفرض بقاءها في يد الدولة.



     

    المطلب الأول: الاستغلال المباشر

    الفرع الأول: تعريفه

    وهو الشكل العادي لتسيير المرفق العمومي، ويقصد به أن تقوم الدولة أو الجماعة المحلية بإدارة المرفق مستعينة بأموالها وموظفيها ومستعملة في ذلك وسائل القانون العام.

    إن أسلوب الإدارة المباشرة ، يتبع عادة في إدارة الم ارفق العمومية التقليدية أي الإدارية في الوقت الحاضر، وذلك لأنها غير مربحة من جهة، ومن جهة أخرى ترى الدولة أنه من الخطورة التنازل عنها سواء بإخضاعها للتخصص أو بتوكيلها للأفراد ففي السابق كانت الدولة تحتكر كل نشاطات المنفعة العامة سواء الإدارية أو التجارية والصناعية.

     إلا أن هذا لا يمنع من استخدام أسلوب الإدارة المباشر في عدد من الم ارفق العامة التجارية والصناعية سواء كانت تابعة للدولة أو الجماعات المحلية، إذا أرت هذه الأخيرة مصلحة في ذلك.3

    وتجدر الإشارة أن الميزة الأساسية في أسلوب التسيير المباشر في مختلف أشكاله أن المرفق العام ضمن هذا الأسلوب لا يتمتع بالشخصية المعنوية، بحيث تتولى الإدارة سواء كانت إدارة مركزية كالوازارت أو إدارة لا مركزية إقليمية كالبلديات، القيام بالنشاط )المرفق العام( بنفسها ولحسابها، فتتولى تنظيم المرفق وتشغيل وتعيين موظفيه وتمويله وتتحمل مخاطر التشغيل والمسؤولية عن الأض ارر التي يسببها المرفق للغير وتدخل في علاقة مباشرة بالمنتفعين بخدمات المرفق العام الذي تسيره تسييرا مباشرا.

    الفرع الثاني خصائص أسلوب الاستغلال المباشر

    يتمتع أسلوب الاستغلال المباشر بجملة من الخصائص تميزه عن باقي الأساليب الأخر ى التي تتمثل في مجانية المرافق العامة وتحقيق المنفعة العامة.

    أولا: مجانية المرافق العامة

    ليس هدف الم ارفق العامة الربح الذي يبحث عنه الأف ارد،  وإلا فما هو هدف إنشائها، وعندما وجدت الم ارفق العامة وجدت الخدمة العامة ومجانتيها ويمكن أن يحصل عليها الجميع دون مقابل، فالمجانية هي القاعدة وهي الأصل، خاصة تلك الم ارفق الإدارية التي تسيرها الدولة مباشرة.

    كما أن العبء الكبير للمرفق العمومي المسير من قبل الدولة والجماعات المحلية وعجز المالية العمومية في تغطية الحاجات المت ازيدة يوجب إخضاع الم ارفق لمبادئ النجاعة والفعالية، رغم كل هذا فالطبيعة الخاصة لهذه الم ارفق وضرورتها بالنسبة للأف ارد جعلها تدخل في النظام العام الذي يجب أن تتحمله الدولة، لذلك يجب إبعادها عن قواعد الربح.

    ثانيا: تحقيق المنفعة العامة 

     لا يمكن اعتبار أي مشروع مرفقا عاما إلا إذا كان يستهدف تحقيق النفع العام، ويقصد بالنفع العام في صورته العامة إشباع حاجات عامة أو تقديم خدمات عامة للجمهور وهذه الخدمات قد تكون مادية كإيصال المياه والكهرباء أو توفير وسائل المواصلات، وقد تكون حاجات معنوية كالتنظيم الإداري، غير أن غالبية فقهاء القانون يرون أن ش روط النفع العام الذي يترتب عليه اعت بار المشروع مرفقا عاما لا يتحقق إلا إذا كان نوع النفع العام من النوع الذي يعجز الأف ارد والهيئات الخاصة عن تحقيقه أولا يرغبون في تحقيقه أو لا يستعطون تحقيقه على الوجه الأكمل، ولهذا فإن المشروعات الصناعية والتجارية التي تنشئها الدولة لا تعتبر م ارفق عامة إذا كانت تستهدف تحقيق الربح عن طريق منافسة المشروعات الخاصة.

    الفرع الثالث: نتائج الاستغلال المباشر

    يترتب على طريقة الاستغلال المباشر النتائج الأساسية والتي تتمثل من حيث الموظفين ومن حيث الأموال ومن حيث الأعمال ومن حيث المنازعات

    أولا: من حيث الموظفين    

    يعتبر موظف و المرافق العامة التي تدار بهذا الأسلوب موظفين عموميين، يخضعون للأمر رقم06- 03 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، وكل النصوص التنظيمية المطبقة له، حيث تبقى علاقة العمل بين الموظف والجهة الإدارية المنشئة للمرفق قائمة إلا في حالة إلغاء المرفق العام

    ثانيا: من حيث الأموال

    القاعدة العامة أن الأموال المخ ص صة لإدارة المرفق العام المسيرة في شكل استغلال مباشر هي ملك للإدارة التي أنشأت المرفق، إذ أنه لا يتمتع بذمة مالية مستقلة، كما ت ؤكده قوانين الإدارة المحلية مثلا حيث تنص المادة 151 من قانون البلد ية لسنة 2011 على ما يلي: "يمكن للبلدية أن تستغل مصالحها العمومية عن طريق الاستغلال المباشر. تقيد إيرادات ونفقات الاستغلال المباشر في ميزانية البلدية. ويتولى تنفيذها أمين خزينة البلدية طبقا لقواعد المحاسبة العمومية."

    كما تنص المادة 144 من قانون الولاية لسنة 2012: " تسجل إياردات ونفقات الاستغلال المباشر في ميزانية الولاية حسب قواعد المحاسبة العمومية."

    ومع ذلك فإن مقتضيات التسيير وفعاليته قد تقتضي منح المرفق العام "مي ازنية مستقلة ""Budget autonome"، إذ تنص المادة 152 من قانون البلدية على ما يلي: "يمكن للبلدية أن تقرر منح ميزانية مستقلة لبعض المصالح العمومية المستغلة مباشرة."

    وهو ما ذهبت إليه المادة 145 من قانون الولاية لسنة 2012، حينما نصت على ما يلي:

    "يمكن المجلس الشعبي الولائي أن يقرر ميزانية مستقلة لصالح بعض المصالح العمومية الولائية المستغلة عن طريق الاستغلال المباشر ويجب عليه ضمان توازنها المالي".

    ثالثا: من حيث الأعمال

    كقاعدة عامة جميع التصرفات التي تتعلق بالمرفق العام (قرارت، عقود)، وسواء كانت
     قرارت إدارية (تنظيمية أو فردية)، تصدر أو تبرم من الناحية القانونية من طرف السلطة المختصة بالجهة الإدارية المنشئة للمرفق العام (رئيس المجلس الشعبي البلدي ،الوالي)، وبالتالي فإن:

    القرارت التي تصدرها قرارت إدارية سواء كانت تنظيمية أو فردية.

    العقود التي تبرمها هي عقود إدارية.

    كما تسري على جميع أعمالها وتصرفاتها المسؤولية الإدارية.

    اربعا: من حيث المنازعات

    نظرا لعدم اكتساب المرفق العام المدار المسير بطريقة الاستغلال المباشر للشخصية المعنوية، فإنه لا يتمتع بأهلية التقاضي، حيث يمثل أمام القضاء الإدار ي لدى الطعن في أعماله وتصرفاته أمام الجهة القضائية المختصة – بواسطة الممثل القانوني للجهة الإدارية المنشئة-)الوالي، رئيس البلدية.

     واستنادا إلى ما سبق ذكره فإن النتائج المترتبة على التسيير المباشر هي:
    _ موظفو المرافق العمومية المسيرة تسييرا مباشرا هم موظفون عموميون يخضعون لقانون الوظيفة العامة بكل ما يحمله من حقوق والت ازمات.

    _ تعتبر كل أملاك المرفق العام أملاكا عمومية تخضع لأحكام الدومين العام. 

    _ القرارات التي تصدرها قرارات إدارية.

    _ العقود التي تبرمها عقود إدارية.

    _ القضاء الإداري هو المختص بالمنازعات المتعلقة بها.

    - تعتمد في تمويلها على المي ازنية العامة للدولة أو على ميزانية الجماعة المحلية، ومن ثم تخضع لقواعد المحاسبة العمومية وللرقابة على المالية العمومية.

    ويقوم بالإستغلال المباشر كل من الدولة، وذلك عن طريق الوازارت أو مصالحها الخارجية، وتدعى كذلك الم ارفق الوطنية التي ينص على إنشائها القانون العدالة، الأمن... والتي تستهدف قضاء حجات مشتركة لجميع سكان الدولة. أو الجماعات المحلية(البلدية والولاية) لسد حاجات مشتركة  ومنافع معينة لسكان إقليم معين، ومن أمثلة ذلك مرافق النقل المحلية والنظافة....، وهو ما أجازه المشرع للولاية بموجب المادة 133 من قانون الولاية استغلال مصالح عمومية بصفة مباشرة، كما نصت المادة 111 من قانون البلدية على أنه يمكن للبلدية أن تستغل مصالحها العمومية عن طريق الاستغلال المباشر .

    الفرع الرابع: تقييم أسلوب الاستغلال المباشر

     يتميز أسلوب الاستغلال المباشر بجملة من المزايا والعيوب.

    أولا: مزايا أسلوب الاستغلال المباشر

    1- إن أسلوب الاستغلال المباشر وجد له مكانة طبيعية في ظل ما يسمى بالدولة الحارسة، أين كانت المرافق العمومية تقتصر على ما يسمى بمرافق السيادة، ولكن يعد تطور وظائف الدولة وانتقالها من مرحلة الدولة الحارسة إلى دولة الخدمات، أصبحت هذه الأخيرة حك ار على الأشخاص العاديين.

    2- ارتباط المرافق المسيرة بأسلوب الاستغلال بكيان الدولة وعدم تركها للخواص لأن نشاطها لا يحقق أرباحا أو مكاسب مادية لهم.

    3- المرافق العامة المسيرة لهذا الأسلوب، يحسن تدبيرها بوسائل القانون العام وأساليب الضبط الإداري، وبذلك تترك للتدبير المباشر من قبل الإدارة.

    4- ازدياد تدخل الدولة في الكثير من المجالات على حساب الأفراد، فإنه ومن الناحية النظرية سيعرف هذا الأسلوب ازدهارا وتطوار كبيرا على اعتبار أنه الأسلوب الخصب لسيطرة واستغلال الدولة لمرافقها استغلالا مباشرا لتدخل الأفراد فيه.

    5- عجز الخواص عن تدبير بعض المرافق العامة الإدارية لأنها تحتاج إلى أجهزة إدارية ضخمة ووسائل مالية كبيرة.

     

    6- يستدعي أسلوب الاستغلال المباشر في إدارة المرافق العامة موارد ضخمة مستمدة من ميزانية الدولة.

    7- يتطلب هذا الأسلوب أن تكون للإدارة حق التصرف المطلق في إدارة نشاطها فهي التي تنفرد باتخاذ القرارات التنظيمية.

    8- تقتضي طريقة الاستغلال المباشر أن يكون للإدارة المشرفة على النشاطات في تدبير شؤون موظفيه تدبيرا يتفق مع القانون.

    ثانيا: عيوب أسلوب الاستغلال المباشر

    مما لا شك فيه أن الاستغلال المباشر له أهمية كبيرة لا يمكن الاستغناء عنها في تسيير بعض القطاعات التي تعتبر من الوظائف الكبرى كقطاع الدفاع الوطني، العدالة والأمن، غير أنه تعتريه بعض النقائص خاصة في المجالات الأخرى انعكست سلبا على إدارة المارفق العامة، أهمها:

    1-الثقل المالي للاستغلال المباشر للمرافق العامة وعدم السيطرة على توسع هذه المرافق:

    يعتري أسلوب الاستغلال المباشر للم ارفق العامة مشاكل عديدة، إذ لهذه هذه الأخيرة ضغط من الناحية المالية وزيادة النفقات الموجهة للم ارفق العامة في ظل ندرة الموارد، فخلق هذه الم ارفق من جهة هو في ح د  ذاته عبء مالي ضخم لأنها في الغالب مكلفة جدا وتحتاج هياكل قاعدية ضخمة كما يحتاج تسييرها كذلك إلى أموال كبيرة مما ولد ضغطا كبي ار على مي ازنية الدولة والجماعات المحلية خصوصا أن الج ازئر كانت في نظام اشت اركي يعتمد على الدولة في تسيير كل الم ارفق العمومية بكل ما تحمله من أعباء مالية، والسبب هو عدم وجود قطاع خاص وبرجوازية تستطيع تحمل عبء تسيير المرفق العام. كما أن خضوع هذه الم ارفق للإجراءات المالية الحكومية في الاتفاق تتسم عادة بالتعقيد وشدة الرقابة وكثرة م ارحلها مما يحول بين هذه الم ارفق وبين التطور والتقدم. والدولة من خلال التسيير المباشر مقيدة بقوانين ولوائح تحد كثي ار من نشاطها، وهذا ما يجعل الموظفين يخشون الابتكار والتجديد، ويميلون ارتباع الدورتين الحكومي تجنبا للمسؤولية لأن ترقيتهم في النهاية تخضع للأقدمية أكثر مما تخضع للابتكار والتجديد.

    2-الاختلالات ذات الطابع التنظيمي:

    المركزية الشديدة: حاولت الج ازئر الجمع بين نظام المركزية واللامركزية، لكن الواقع أظهر سيطرة المركزية في جميع الم ارفق، خاصة في الجانب الإداري، فنجد أن السلطة المركزية تحتكر عملية صنع القرارت منها والاستراتيجية وهذا أدى إلى تهميش المرافق المحلية.

    تضخم الجهاز الإداري: يتجسد في وجود توسع أفقي على مستو ى التنظيم من خلال الت ازيد المستمر لعدد الوزارت والذي يترتب عنه:
    صعوبة إحكام عملية الإش ارف والتوجيه، وما ينجر عنه من صعوبة في توصيل البيانات والمعلومات، وكذا بطء وصول الأوامر والق ار ارت من قمة التنظيم إلى قاعدته، وما تحدثه هذه العملية من بطء في عملية صنع الق ارر وتنفيذ الب ارمج والخطط.
    كثرة أجهزة الرقابة وما يترتب عنها من تضارب بشأن مسائل محتوى التقارير التقييمية.
    كثرة الأجهزة واللجان الفرعية التي تزيد من حجم نفقات الدولة المرتبطة خاصة بالأجور.
    تضخم عند الموظفين على مستوى الم ارفق المسيرة من قبل الدولة والجماعات المحلية، وتتجسد أهم المظاهر السلبية في العدد الهائل للموظفين الذين يفتقدون إلى مهام واضحة ودقيقة إلى جانب غياب كفاءة الموظفين.
    التقليد في إنشاء بعض الم ارفق العامة من القانون المقارن كالهيئات الوطنية والدواوين العامة...
    غير أن عدم ضبطها لنظام قانوني أدى لوجود ص ارع بين هذه الم ارفق العامة وتسابقها دون حدود قانونية للخدمة العمومية.
    3-الاختلالات المتعلقة بالجانب التسييري: 
    وتتمثل أساسا في:
    - مشكل التشريع
     
    ترتبط نجاعة القانون بمدى ارتباطه بالواقع أو انفصاله عنه، حيث يزداد احترامه كلما كان أكثر تعبيرا والتحاما بالواقع، والجزائر كغيرها من الدول النامية تعاني من اختلالات مرتبطة بالتشريع تظهر في عملية وضعه ثم كيفية تطبيقه وممارسته.
    - غياب أساليب حديثة للتسيير: 
    يعتمد تسيير المرافق العمومية من طرف الدولة وبصفة عامة الإدارة على المناهج التقليدية مما انعكس سلبا على أدائها ومرد وديتها، وشكل عائقا حقيقيا أمام التحولات الجديدة للمرافق العمومية، إضافة إلى افتقار هذه الأخيرة إلى الأدوات الحديثة لسير عملها وضمان لها فعالية أكبر.
    -عدم التحكم في النفقات وارتفاع التكلفة الاقتصادية للخدمة
    يعتبر الإسراف من أهم مظاهر التخلف الإداري سواء كان مستوى القطاع العام أو على مستوى الم ارفق العامة خاصة منها المحلية، فما يلاحظ هو الارتفاع النسبي في تكلفة الخدمة مما يترتب عليه رفع أسعارها مقارنة بمنفعتها للمستهلك.
    4-الاختلالات المتعلقة بالموارد البشرية:
    عدم الفعالية التي تشهدها المرافق العمومية المسيرة من قبل الدولة والجماعات المحلية في الوقت الراهن لا تقتصر على أسبابها التنظيمية والتسييرية فقط بل تتعداها إلى الموظف الذي يساهم في الخلل من خلال سوء أدائه الوظيفي، وهذا ارجع إلى:
    - غياب الكفاءة: رغم توفر الموظفين على شهادات عليا إلا أنهم يفتقرون إلى الدراية الكافية بالمهام والوظائف المسندة إليهم مع استبعاد إلمامهم بكيفية التصرف في حال وقوع إشكال يتعلق بمجريات أداء مهامهم.
    غياب التحفيز: وهذا راجع إلى غياب سياسات تكوين واضحة وعدم تماشيه مع التطور.
    حصر المعلومات على فئة معينة لا تتجاوز المسؤولين وانسداد القنوات الاتصالية.
    أجور محددة مسبقا.
    الترقية التي تعتمد فيها المرافق العمومية على معيار الأقدمية مما يؤدي إلى تسرب الكفاءات إلى قطاعات أخرى.


  • Section 6

    المطلب الثاني: أسلوب المؤسسة العامة
    أولا: مفهوم المؤسسة العامة:
     المؤسسة العامة هي شخص معنوي عام، الهدف من إنشائها هو التسيير المستقل والمتخصص للمرفق العام، إلى جانب الدولة والمجموعات المحلية وعليه فإن تسيير المرافق العامة قد يعهد إلى أشخاص عمومية أخرى، والتي أطلق عليها اسم المؤسسة العامة.
     وتعرف المؤسسة العامة على أنها: " شخص معنوي خاضع للقانون العام وهي مكلفة بتسيير مرفق عام".
    ويعرفها سليمان الطماوي بأنها: " مرفق عام يدار عن طريق مؤسسة عامة، يتمتع بالشخصية المعنوية"
    ولقد أطلق عليها الفقه باللامركزية المرفقية التقنية كمقابل للامركزية الإقليمية، حيث تفوض الدولة لشخص معنوي عام تسيير مرفق عام، وذلك بمنحها استقلالية مالية وادارية وفي إطار التخصص بهدف تحسين الخدمة العمومية. وهي بذلك تختلف عن التسيير المباشر، كونها تتمتع بالشخصية المعنوية. 
    و تتمتع المؤسسة العامة بذمة مالية مستقلة عن الدولة أو الجماعة الإقليمية المنشئة لها، فهي مستقلة في تحصيل إراداتها  وفي الإنفاق .
    و حتى تعمل بصورة منتظمة ومستمرة، تقوم المؤسسة العامة على أجهزة إدارية خاصة بها وتتكون هذه الأجهزة بصفة عامة، من جهاز تداولي يتمثل في مجلس الإدارة مكون من ممثلي الوازارت المعنية بالمجال، معينة من قبل الوصاية وهو المسؤول عن اختيار الإستراتجيات وتحديد برنامج النشاط وكذا اتخاذ كافة القرارات، وجهاز تنفيذي يتمثل في المدير وقد يساعدوه معاونون وهو المسؤول عن تنفيذ قرارات مجلس الإدارة ويمارس السلطة السلمية على الموظفين وهو كذلك الآمر بالصرف فيما يخص ميزانية المؤسسة العامة.
    أن يكون لها حق قبول الهبات والوصايا.
    أن يكون لها حق التعاقد دون الحصول على رخصة.
    أن يكون لها حق التقاضي.
    أن تتحمل نتائج أعمالها وتسأل عن الأفعال الضارة التي تلحق بالغير.
    ولقد نصت المادة
    131 من قانون الولاية بأنه يمكن للمجلس الـشـعبي الـولائي أن يـنشئ مـؤسسـات عـمـوميـة تتـمـتع بـالشـخـصـية المـعـنـوية والاستقلال المالي، قصد تسيير المصالح العمومية. كما نصت المادة 112 من قانون البلدية بأنه يمكن البلدية أن تنشئ مؤسسات عمومية بلدية تتمتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة من أجل تسيير مصالحها.
    ثانيا: قيود نظام المؤسسة العامة:
    1 ـــ قيد التخصص:
     تنشأ المؤسسة العامة مهما كان مجال تدخلها محلي أو وطني، من أجل القيام بأعمال محددة في نص إنشائها، فهي ملزمة بأن لا تتجاوز مجال نشاطها أو استعمال ذمتها لمهام أخرى فالجامعة مثلا مهمتها التكوين في مجال التعليم العالي، فليس لها أن تخرج عن هذا الإطار، فهي بذلك لا يمكنها أن تقبل الهبات أو الهدايا المخصصة لتحقيق نشاط خارج عن إطار تدخلها، فالقانون أو التنظيم يحدد بدقة مجالات التدخل وقد تكون هناك مجالات أساسية ومجالات ثانوية مكملة للنشاط الرئيسي ومساعدة له، ولا يجوز أن تكون منفصلة عنه تماما .
    2 ـــــ  نظام الوصاية
    إذا كانت المؤسسة العامة تتمتع بالاستقلالية بما أنها تمثل اللامركزية في جانبها المرفقي فإن ذلك لا يعني قطع كل علاقة بينها وبين سلطة الوصاية، بل تبقى المؤسسة خاضعة لنظام الوصاية كفكرة مقابلة للاستقلالية المطلقة2، فمن حق الإدارة العامة المركزية أن ت ارقب نشاطها بهدف التأكد من عدم خروجها عن المجال المحدد لها.3 وضمانا لسلامة  ومشروعية أعمال المؤسسات العمومية، وحفاظا على متطلبات وحدة نظام الدولة الإدارية4 ولكن يجب أن تمارس الإدارة العامة المركزية الوصاية، في حدود القانون تطبيقا لقاعدة" لا وصاية بدون قانون". وقد تكون هذه الوصاية على الأشخاص أو الأعمال (المصادقة على المداولات ذات الأهمية)، فهي وصاية مالية وتقنية أي حسب طبيعة نشاط المؤسسة.
    ثانيا: النظام القانوني للمؤسسة العامة: 
    إن تطور دور الدولة وتعدد المرافق العمومية وتنوعها حسب المجال، فرضت بالضرورة تنوع طبيعة النظام الذي تخضع له، سواء من حيث الإنشاء أو النظام القانوني الذي يخضع له كل نوع من أنواع المؤسسات حسب نوعية الخدمات العمومية والمرفق الذي تسيره، فلكل خصوصيته المميزة، سنحاول معالجة النظام القانوني للمؤسسة العمومية من خلال التعرض لطريقة إنشائها والغائها وأصنافها.
    فيقصد بإنشاء المؤسسة العمومية تدخل السلطة المختصة قانونا لإنشاء مرفق عام جديد، واختيار أسلوب المؤسسة العامة أسلوبا لإدارته، ويتغير إنشاء المؤسسات العمومية حسب امتدادها.

    فالمؤسسات العمومية الوطنية يتم إنشاؤها من قبل السلطات الإدارية المركزية المختصة الوزير الأول، الوزير، وبناء عليه فإن إنشاء المؤسسات العمومية الوطنية، يبقى أصلا من اختصاص التنظيم، ماعدا مجال فئات المؤسسات الذي يعد مجالا محصوار للبرلمان. 

    أما المؤسسات العمومية المحلية
    فللمجلس الشعبي البلدي والمجلس الشعبي الولائي الإختصاص في إعداد وتنظيم المؤسسة العمومية والمحلية، فتنص المادة 112 على أنه: "يمكن للبلدية أن تنشأ مؤسسات عمومية بلدية تتمتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة من أجل تسيير مصالحها. 
    وقد تأخذ المؤسسة العمومية البلدية الطابع الإداري أو الصناعي و التجاري.
    أما في قانون الولاية فتنص المادة
    131 منه على أنه: " يمكن للمجلس الشعبي الولائي أن ينشأ مؤسسات عمومية ولائية تتمتع بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي قصد تسيير المصالح العمومية." 
    وقد تأخذ المؤسسة العمومية الولائية شكل المؤسسة العمومية ذات طابع إداري ومؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري.
     إلغاء المؤسسات العمومية: تعتبر المؤسسة العمومية كائن قانوني تتمتع بالشخصية المعنوية تبدأ حياته القانونية منذ إنشاء المؤسسة العامة، ويستمر حتى ينتهي نهاية قانونية أيضا.
    وتنتهي وتنقضي المؤسسة العامة لعدة أسباب من أهمها، سحب الشخصية المعنوية من المرفق العام، فالمرفق العام يبقى قائما في هذه الحالة لكن يتحول من مرفق عام مدار بأسلوب المؤسسة العامة إلى مرفق عام تتولى السلطة الإدا رية تسييره تسيي ار مباش ار، فمن حق السلطة العامة إختيار أسلوب الإدارة التي ت اره مناسبا، فذلك يعد من الأمور التقديرية التي تدخل في مجال السلطة الإدارية المختصة بلا معقب عليها من القضاء.
    وتجدر الإشارة إلى أن إلغاء المؤسسة العامة يكون بنفس طريقة إنشائها، أي أن يتم بأداة قانونية لها نفس القوة القانونية لأداة إنشائها أو أقوى منها، إحتراما لقاعدة توازي الأشكال . 
    رابعا: أنواع المؤسسات العامة
    إن تنوع نشاط ومجالات تدخل الدولة، يفرض بالضرورة تنوع أصناف المؤسسات العامة منها الكلاسيكية، ومنها ما ظهر حديثا لتخصص بعض المرافق العامة. لذلك لا تتخذ المؤسسات العامة شكلا واحد بل يختلف شكلها حسب طبيعة نشاطها .
     والدارس للتشريع الجزائري خاصة ابتداء من سنة 1899 بصدور القانون التوجيهي للمؤسسات العمومية الاقتصادية والإصلاحات التي توالت فيما بعد، يلاحظ مدى التطور الكبير الذي عرفه أسلوب المؤسسات والتصنيفات التي طرأت عليه، والتي يمكن إرجاعها إلى ما يلي:
    1 ـــــ المؤسسة العمومية ذات الطابع الإداري:EPA  
     إن المؤسسات العمومية الإدارية هي المؤسسات التي تمارس نشاطا، ذا طبيعة إدارية محضة تتخذها الدولة والمجموعات الإقليمية، كوسيلة لإدارة بعض م ارفقها الإدارية من خلال إعطائها الشخصية المعنوية وتخضع للقانون العام.
     ويعرفها سليمان الطماوي بأنها: "مؤسسات تتناول نشاطا يختلف عما ي ازوله الأفراد عادة." فهي بصفة عامة تخضع لمبدأ التخصص ولنظام المحاسبة العمومية، فهي لا تملك طابعا مرنا يخص محاسبتها، وتخضع للقانون العام كما تعرض منازعاتها على القضاء الإداري ويعتبر العاملين بها، موظفون عموميون وق ارارتها ق ارارت إدارية وتخضع عقودها لقانون الصفقات العمومية، وتعتبر أموالها أموالا عامة تتمتع بالحماية القانونية التي فرضها المشرع.
    ولقد استعملت منذ الاستقلال بشكل واسع جدا وهي تمثل اليوم
    80%من مجموع المؤسسات العمومية. والأصل في عمل هذه المؤسسات هو مبدأ المجانية مالم تقرر النصوص الخاصة خلاف ذلك. ومن أمثلتها: المدارس والمعاهد والديوان الوطني للخدمات الجامعية، المستشفيات...
    2 ــــ المؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري: EPIC
    نشأت المؤسسة العامة الصناعية والتجارية عندما تميزت عن المؤسسة العامة الإدارية وعندما تطور دور الدولة وازد مجال تدخلها للميدان الاقتصادي، فقد تبين أن صيغة المؤسسة العامة التقليدية لم تعد تتماشى وهذه المهمة الجديدة للدولةمهمة النشاط ضمن اقتصاد السوق لذلك لجأت لهذه الصيغة. إن المشرع الجزائري لم يقدم تعريفا للمؤسسة العمومية الصناعية والتجارية من خلال القانون التوجيهي للمؤسسات العمومية الاقتصادية، إلا أنه تطرق إلى أهم الخصائص التي تتميز بها، وهذا من خلال نص المادة 33 التي نصت على أن:" المؤسسة العمومية التي تتمكن من تمويل أعبائها الاستغلالية جزئيا أو كليا عن طريق عائد بيع إنتاج تجاري يحقق طبقا التعريفة، معدة مسبقا ولدفتر الشروط العامة الذي يحدد الأعباء والتقييدات وكذا عند الاقتضاء حقوق وواجبات المستعملين. "
    نستنج من خلال المادة المذكورة أعلاه أنه حتى تصنف المؤسسة على أنها مؤسسة أو هيئة عمومية صناعية وتجارية، يتوجب أن تتوفر فيها ثلاث معايير : الإنتاج التجاري التسعير المسبق، دفتر الشروط العامة.
      ومثال هذا النوع من المؤسسات، بريد الجزائر المنشئ بموجب المرسوم التنفيذي  رقم
    03/32 ومؤسسة الجزائرية للمياه المنشأة بموجب المرسوم التنفيذي 101- 01. 


  • Section 7

    المطلب الثالث: عقد الامتياز

    عقد الامتیاز هو أن تعهد الإدارة (الدولة، الجماعات المحلیة) إلى أحد الافراد أو الشركات بإدارة مرفق عام وٕا ستغلاله لمدة محددة، في مقابل تقاضي رسوم من المنتفعین بهذا المرفق العام، ومن منطلق أن تعریف الموضوع یسبق عناصره، و تمییزه عن بعض العقود المشابهة له.
    أولا: تعریف عقد الامتیاز:
    1ـ التعریف التشریعي لعقد الامتیاز
    لقد عرّف المشرع الجزائري عقد الامتیاز في عدة نصوص قانونیة و تنظیمیة أهمها ما یلي:
    قانون المیاه لسنة 1983:( القانون رقم 83/17 [1]  عرّفت المادة
    21 منه عقد الإمتیاز كما یلي: "عقد من عقود القانون العام، تكلف بموجبه الإدارة شخصا اعتباریا قصد ضمان أداء الخدمات للصالح العام ،و على هذا الأساس لا یمكن ان یمنح الامتیاز إلا لصالح الهیئات و المؤسسات العمومیة"
    ما یمكن ملاحظته من خلال المادة أنّ عقد الامتیاز لا یمكن أن یمنح إلا لأشخاص عامة، وهذا یعكس رغبة
    الدّولة في تقدیس القطاع العام و هیمنته على مختلف الم ارفق العمومیّة، و یعود السّبب إلى النّهج الاشتراكي الذيكانت تتبعه الدّولة الجزائریّة في السّبعینات إلى غایة أواخر الثمانینات.
    -الأمر رقم 96-13 [2] الذي یعدل ویتمم القانون
    11-83 السالف الذكر، حیث أتى بتعریف جدید لعقد الامتیاز من خلال المادة 04 التي تنص:".......... عقد من عقود القانون العام، تكلف الإدارة بموجبه شخصا اعتباریا عاما أو خاصّا، قصد ضمان أداء خدمة ذات منفعة عمومیة."
    یلاحظ من خلال نص المادة أن المشرع أدمج أشخاص أخرى یمكن ان یمنح لها الامتیاز و هي الأشخاص الاعتباریة الخاضعة للقانون الخاص.
    -قانون المیاه لسنة 2005:(القانون رقم
    50-21) جاء هذا القانون لیكرّس أكثر مجال عقد الامتیاز، حیث أصبح عقد الامتیاز وسیلة و تقنیة لإستغلال الموارد المائیة [3]، و نجد أنّ المادة 76منه عرفت عقد الإمتیاز كما یلي:  "یسلم امتیاز استعمال الموارد المائیة التابعة للأملاك العمومیة الطبیعیة للمیاه، الذي یعتبر عقدا من عقود القانون العام، لكل شخص طبیعي أو معنوي خاضع للقانون العام أو القانون الخاص......."
    من خلال النّصوص القانونیّة و التنظیمیّة السّالفة الذّكر، یتضح لنا مدى اتجاه المشرع الجزائري نحو اعتبارعقد الإمتیاز من العقود الإداریة، التي یبرم بین الإدارة المانحة الإمتیاز من جهة،و بین أحد أشخاص القانون العام أو القانون الخاص كصاحب إمتیاز من جهة أخرى، وذلك لتسییر و إستغلال مرفق عمومي مقابل إتاوات یتقاضاها من المنتفعین.
    2ـالتعریف الفقهي لعقد الامتیاز
    لقد أجمع فقهاء القانون الإداري أن عقد إمتیاز الم ارفق العمومیة من أشهر العقود الإداریة المسماة، ولعله من أهمها على الإطلاق خاصة في الدول اللیب ارلیة، وسنحاول في هذا الصدد أن نسرد بعض التعریفات الهامة لأبرز الفقهاء: 
    یعرّف الأستاذ أحمد محیو عقد الإمتیاز على أنّه : "هو اتفاق تكلف الادارة بموجبه شخصا طبیعیا أواعتباریا بتأمین تشغیل مرفق عام، یسمى صاحب الإمتیاز خلال فترة زمنیة، فیتحمل النفقات و یتسلم الدخل الوارد من المنتفعین بالمرفق"[4] أما الأستاذ" ناصر لبّاد" فیعرّف  عقد الإمتیاز على أنّه:" عقد أو اتفاق تكلف الإدارة مانحة الامتیاز سواء كانت  الدولة أو الولایة أو البلدیّة بموجبه شخصا طبیعیّا أو شخصا معنویّا من القانون العام أو من القانون الخاص(شركة مثلا) یسمىّ صاحب الإمتیاز بتسییر و إستغلال مرفق عمومي لمدّة محدّدة و یقوم صاحب الامتیاز بإدارة هذا المرفق مستخدما عمّاله وأمواله و متحمّلا المسؤولیّة النّاجمة عن ذلك وفي مقابل القیام بهذه الخدمة أي تسییر المرفق العمومي، یتقاضى صاحب الإمتیاز مقابل مبلغ مالي یحدّد في العقد، یدفعه المنتفعون بخدمات المرفق" [5]
    وهناك من عرفه بأنه:" إتفاق یبرم بین أحد أشخاص القانون العام، وأحد أشخاص القانون الخاص، أینیلتزم المتعاقد وهو الملتزم بتسییر المرفق العام على نفقته الخاصة مقابل ما یتقاضاه من رسوم من المنتفعین  وتحمله لكل المخاطر و الخسائر و إكتسابه لكل الأرباح" [6]



    وفي الجزائر نجد أنّ أهم قرار عرّف عقد الإمتیاز القرار الصادر عن مجلس الدولة الجزائري الغرفة الثالثة بتاریخ
    9 مارس 2004 [7] في قضیة بین شركة نقل المسافرین "سریع جنوب" و بین رئیس المجلس الشعبي البلدي وهران[8] بعد استئناف قرار الغرفة الإداریة لمجلس قضاء وهران، حیث تناول عقد الامتیاز كما یلي:".....وحیث أن عقد الإمتیاز التابع لأملاك الدولة هو عقد إداري تمنح بموجبه السلطة الامتیاز للمستغل، بالاستغلال المؤقت لعقار تابع للأملاك الوطنیة بشكل استثنائي وبهدف محدد متواصل مقابل دفع إتاوة، لكّنه مؤقت وقابل للرجوع فیه........" 
    من هذا التعریف یتضح لنا أن مجلس الدولة إعترف ص ارحة بالطابع الإداري والطابع العام لعقد الامتیاز بما یخوله من سلطات استثنائیة لجهة الإدارة تمارسها تجاه الطرف المتعهد.
    ثانيا: عناصر عقد الامتیاز :
    1ــــ أطراف عقد الإمتیاز:
    یتم إبرام عقد الإمتیاز عن طریق  إتفاق إرادتي الأطراف المتعاقدة، و المتمثلة في الإدارة المتعاقدة كمانحة للإمتیاز من جهة،  والطرف المتعاقد معها كصاحب إمتیاز من جهة أخرى.
    1ــــــ1 الشّخص المانح للامتیاز:
    إن صاحب الإمتیاز یكون شخص من أشخاص القانون العام كالدولة، الولایة، البلدیةأو مؤسسة عمومیة، و یجب أن یتوفر لدى الإدارة (مانحة الإمتیاز) شرط الإختصاص في منح الامتیاز المقرّر لها بموجب نصّ قانوني أو تنظیمي حتى یصبح العقد صحیحا، ففي المرافق العمومیّة الوطنیّة، یكون الاختصاص عادة للوزیر المكلف بالقطاع كمنح إمتیاز إستغلال المیاه المعدنیّة من طرف الوزیر المختصّ بقطاع المیاه [9]،لكن الأمر یختلف بالنّسبة للم ارفق العمومیّة الوطنیّة الإستراتیجیة [10] لأن قوانینها تشترط المصادقة على إتفاقیّة الإمتیاز في مجلس الحكومة أو في مجلس الوزارء، أما فیما یخص عقود الإمتیاز المرافق العمومیة المحلیة فیمنح الإختصاص لسلطة المختصّة محلیا، فالمراغفق العمومیة الولائیة تمنح من طرف المجلس الشّعبي الولائي مع مصادقة الوالي علیها، أما المرافق التابعة للبلدیات فإمتیازها یمنح للمجلس الشّعبي البلدي مع مصادقة الوالي علیها.
    1-2 الشّخص المستفید من الامتیاز:
    صاحب الإمتیاز قد یكون شخص خاص أو عام  و یجب علیه إستفاء شرط  الأهلیة  وفقا للقواعد القانونیّة العامّة، و شرط الإختصاص لإبرام العقد سواء شخص طبیعي أو معنوي عام أو خاضعن طریق ممثله القانوني أو الشّخص المفوّض له.
    كما یجب علیه إستفاء شروط أخرى تتعلق بالقد ارت الفنیّة و المالیّة و التجاریّة، و المنصوص علیها في دفتر الشّروط، التي تؤهّله لتسییر و إستغلال المرفق العمومي محل الإمتیاز بفعّالیة و نجاح [11]، وفي هذا الإطار نجد التعلیمة رقم
    842/94 -03، المتعلقة بإمتیاز المرافق العمومیّة المحلیّة و تأجیرها، لم تشترط الجنسیة الجزائریّة في المستفید من الإمتیاز و هذا یعني أنها فتحت المجال أمام الوطنیین  والأجانب، و هذا دلیل على أن هناك تفتح أكبر، و تراجع للتخوّف الذي كان یسود تدخّل الخواص في تسییر المرافق العمومیّة و خاصة الأجانب منهم.[12]
    2ـــ موضوع عقد الإمتیاز
        ویتعلق الأمر بموضوع التصرّف بین الإدارة و الملتزم، أي العلاقة التي تربط مانح الإمتیاز بالملتزم و المتمثل في تكلیف الإدارة للملتزم بإدارة مرفق عام،  و إستغلاله و تعهد الملتزم بذلك.
    إن موضوع عقد الإمتیاز هو تسییر مرفق عام و إستغلاله و بناء المنشئات الضّروریّة لتسییر المرفق و كذا التجهيزات اللازمة للإستغلال، فصاحب الإمتیاز لا یقتصر دوره على التسییر، بل یتعدّاه إلى إنشاء المرفق في حدّ  ذاته ثمّ إدارته، و إستغلاله لتحصیل ما أنفقه في البناء، أي یتحمّل صاحب الإمتیاز كلّ الاستثمارات المبدئیّة المتعلقة بالمرفق العام.[13]
    3ــــ المقابل المالي
    یتحصّل صاحب الإمتیاز على المقابل المالي عن طریق الإتاوات والرّسوم التي یدفعها المنتفعون مقابلا لخدمة في  سییره وإستغلاله للمرفق، فالإدارة لا تدفع لصاحب الامتیاز مقابلا للتسییر مباشرة، بل عن طریق السّماح له باستغلال الأرباح التي یدیرها المرفق. [14]
    ووفقا للتشریع الفرنسي یتحصّل صاحب الإمتیاز على المقابل المالي إما مباشرة من طرف المترفقین (إتاوات)أو عن طریق الإدارة و یكون مرتبطا مباشرة باستغلال المرفق العام [15]،و یتمثل هذا الجانب في الأموال التي تدفع للملتزم مقابل ت یس یره للمرفق، أما الجانب الأخر فیتمثل في الأموال اللازمة لإنشاء المشروع، و تسییر المرفق العام فالملتزم یتحمّل وحده جمیع مصاریف الإنشاء و تسییر المرفق العام، و إن لهذا فائدة اقتصادیة كبیرة بالنسبة للجماعات الإقلیمیة المحلیّة [16]، و یعتبر هذا القسم من الجانب المالي لعقد الإمتیاز معیار للتفرقة بین وبین طرق التسییر المباشرة للم ارفق العامة حیث أن الإدارة هي التي تتحمّل كلّ المصاریف المتعلقة بإنشاء و تسییر الم ارفق العمومیة المحلیة[17].
    4ـــ مدّة الامتیاز مدّة الامتیاز محدّدة، رغم أنها طویلة فتت اروح ما بین 30 الى50 سنة، و الهدف هو أنها كافیة لیستردّ الملتزم خلالها ما أنفقه في إنشاء المرفق العام و الهدف من تحدید المدّة هو جعله لیس مؤبدا لیحتفظ بصفة المرفق العام و بذلك فلا یعتبر تنازلا عن المرفق العام فهو مجرّد طریقة لتسییره [18]،
    لكن بالمقابل لا تكون هذه المدّة قصیرة جدّا إلى الحدّ الذي لا یسمح لصاحب الإمتیاز بإستغلال المرفق العمومي و إسترداد المبالغ المالیة التي أنفقها فيتشغیله و تحقیق قدر معقول من الأرباح، و مدة الإمتیاز مختلفة من عقد لآخر بإختلاف الأهمیة المالیة للمرفق العمومي محلّ الامتیاز.
    ثالثا:إبرام وتنفيذ عقد الامتياز:
    1ـــ إبرام عقد الامتياز:
    ما دام عقد الإمتیاز یعتبر أحد أسالیب تسییر المرافق العمومیة، فإن نظامه القانوني متعلق أساسا بفكرة المرفق العام بهدف تحقیق المصلحة العامة والحفاظ علیها، وهي الوسیلة التي تسعى الإدارة لتحقیقها من خلال إستعمال كل الأسالیب المناسبة لإبرام عقد الإمتیاز لإختیار المتعاقد المناسب الذي یضمن إستمراریة المرفق العام، والمساواة باستقراء جملة من النصوص القانونیة و التنظیمیة التي تضمنت شروط و كیفیات منح عقود امتیاز المرافق العامة، نجد منها ما یفرض على الإدارة إتباع إجراءات المزایدة أو إجراءات التراضي، ونذكر على سبیل المثال المرسوم التنفیذي رقم 320/94 [19]، المتعلق بالمناطق الحرة، حیث تنص المادة 05 منه، على ما یلي:" یمنح إمتیاز تسییر المنطقة الحرة و استغلالها عن طریق مزايدة وطنیة و دولیة مفتوحة أو محدودة أو عن طریق التارضي، تقوم بهما وكالة ترقیة الإستثماارت ودعمهما...."
    ونفس الأمر أكده المرسوم التنفیذي رقم 280/03 [20]، المحدد لكیفیة منح إمتیاز الأملاك الوطنیة لإستغلال بحیرتي "أوبیرة و ملاح" بولایة الطارف وذلك بموجب المادة 02 منه والتي تنص:" یتم منح امتیاز الأملاك الوطنیة لاستغلال بحیرتي أوبیرة وملاح عن طریق مازیدة حسب دفتري الشروط الخاصین بكل بحیرة من البحیرتین..."
    2ـــ تنفیذ عقد الامتياز:
     إن عملیّة تنفیذ عقد إمتیاز المرافق العامّة تترتب عنها أثار قانونیّة هامّة تكون بین الإدارة مانحة الإمتیاز و صاحب الإمتیاز من جهة، و المنتفع من المرفق العام من جهة أخرى.
    2ـــ1 بالنّسبة للإدارة مانحة الامتیاز:
    نجد في المقدّمة حقّ الإدارة في الرّقابة على إنشاء و إعداد المرفق و سیره و یتمثل أساس هذه الرّقابة في أنّ الإدارة مسؤولة عن تنظیم المرفق، بالتالي یجوز لها توسیع هذه الرّقابة لأنها من النظام العام، كما أن سلطة الرقابة معترف بها للإدارة حتى لو لم یتم النص علیها في دفتر الشروط، لأن هذه السلطة مستمدة من مقتضیات المرفق العمومي و الرّقابة هنا تكون على تنفیذ مجمل شروط العقد[21] ،  ونجد في هذا الصّدد رقابة تقنیّة [22] ورقابة مالیّة [23] .
    أما الحقّ الثاني فیتمثل في حقّ تعدیل العقد و یقتصر على الشّروط اللائحیة دون التعاقدیّة، فلیس للإدا رة أن تعدّل من جانبها الحقوق المالیّة للمتعاقد الملتزم و تخلّ بالتوازن المالي للعقد، و لكن حقها في التعدیل قائم فقط بشأن تلك الشّروط التنظیمیّة لاتصالها بقواعد تنظیم المرفق العام للصّالح العام و لصالح المنتفعین بخدمات المرفق و ذلك تطبیقا للمبدأ الأساسي الذي یقضي بحقّ الإدارة بتعدیل نظام و لوائح المرافق العامّة في كلّ وقت استجابة لدواعي الصّالح العام و التطوّارت المستحدثة.
    إلا أن هذه التعدیلات عادة ما تضع أعباء مال یّة على الملتزم، لذلك یمنح له القانون الحق في المطالبة بالتعویضات المالیّة لتحقیق التوازن المالي للعقد و هو ما یثبت أن حقّ الإدارة هنا لیس حقا مطلقا [24].
    هناك أیضا حقّ الإدارة في توقیع الجزاءات على المتعاقد معها فإذا أخلّ الملتزم بإلتزاماته جاز للإدارة أن تستعمل هذه السّلطة و توقع بعض العقوبات و هذا الحقّ یستند إلى ضرورة الحفاظ على سیر المرافق العامّة لكن دون الإخلال بالتوازن بین إلتزامات الطرفین، و أن لا تتسم بالطابع الرّدعي وفي هذا الصّدد نجد أنّ هناك ج ازءات عقدیّة[25] و أخرى غیر عقدیّة[26].
    بالإضافة إلى حقّ الادارة في إسترداد المرفق، س واء كان ذلك بعد انتهاء مدّة العقد، أو قبل نهایة مدّته وفي هذه الحالة الأخیرة، تعطي الإدارة للمتعاقد معها تعویضا عن ذلك، ویتمّ الإسترداد بصدور قرار إداري [27]، و قد یكون الاسترداد اتفاقي [28] أو غیر اتفاقي [29]، كما قد یكون إسترداد قانوني [30].
    غیر أنّه لمّا كان الإسترداد هو حقّ مخوّل للإدارة فلها أن تستعمله دائما سواء نصّ علیه العقد أو لم ینص علیه فتحدید مدّة معیّنة لا یعني عدم إستعمال الإدارة لهذا الحق خلال تلك المدة[31].
         ومن خلال عرض حقوق السّلطة مانحة الإمتیاز، یمكننا القول أن هذه الحقوق تسمح للإدارة بأن تسیطر على الم ارفق العامّة على الرغم من أنها لا تقوم بتسییرها مباشرة فهي ت ارقب و تعاقب، و تسترد المرفق بإ اردتها المنفردة بما لها من إمتیا ازت السّلطة العامّة، و ما على الملتزم إلا تطبیقها[32].
    2ـ2 بالنّسبة لصاحب الامتیاز:
    للملتزم كذلك حقوق أهمها ما یلي: الحقّ في الحصول على المقابل المالي المتفق علیه من المنتفعین، و هذا الحقّ یتم إخضاعه لقواعد تنظیم المرفق و هو من إختصاص الإدارة مانحة الإمتیاز، كما أن تحدید المقابل و م ارجعته یخضعان في الأساس المصلحة العامة ولیس لتحقیق الرّبح الذي هو هدف الملتزم، وهنا الإدارة تمارس رقابة على الملتزم حتى لا یزید ربحه على الحدّ المعقول [33].
    حقّ الملتزم في الحصول على الم ازیا والمساعدات المالیة المتفق علیها، في حالة تضمن عقد الإمتیاز إلت ازم الإدارة بمنح المتعاقد معها بعض الم ازیا المادیة والقانونیة الهامة لمساعدته على تشغیل المرفق العام محل الإمتیاز ومثال ذلك إلت ازم الإدارة بتقدیم قرض لحامل الإمتیاز، أو تخصیص بعض الأموال لمشروعه، أو تمنحه احتكا اًر قانونیا بحیث تلتزم بعدم الترخیص لغیره بممارسة النشاط الذي یقوم به، وإذا لم تقم الإدارة بذلك تكون قد أخلت بإلتزامها التعاقدي[34].
    حقّ الملتزم في التوازن المالي للعقد، إن الملتزم عندما یقبل بإدارة المرفق العمومي تكون لدیه فكرة عامّة عن حقوقه و الت ازماته و یكون المساس بالتوازن المالي للعقد إما بتعدیلات تدخلها الادارة على الشّروط اللائحیّة كأن تنقص الرّسوم المقرّرة أو تزید من أعبائه، أو تتخذ إج ارءات عامّة إداریة، أو تشریعیّة تصدرها الدّولة و قد لا تعني بها الملتزم بالذّات و إنما تعني بها الكافة، و لكن یترتب عنها زیادة في أعباء الملتزم فیكون له الحقّ في أن یعوّض عنها تعویضا كاملا لا یشمل فقط ما لحقه من خسارة ، بل وما فاته من كسب[35]
    2ـ3 بالنّسبة للمنتفعین من خدمات المرفق العام:
    للمنتفعین حقوق في مواجهة الملتزم، كما لهم حقوق أخرى في مواجهة الادارة وهي: 
    حقّ المنتفعین في الإستفادة من خدمات المرفق، فالمنتفعین في إطار إنتفاعهم بخدمات المرفق یدخلون دائما في علاقة عقدیّة مع الملتزم، وهذا الأخیر لا یستطیع رفض  تقدیم خدمة لهم إذا توافرت فیهم شروط الإنتفاع بالمرفق تنفیذا لعقد الإمتیاز الذي یربط الملتزم مع الإدارة، لأنّه یتقاضى أج ار من المنتفعین مقابل ما یقدّم لهم من خدمات.
    حقّ المنتفعین في المطالبة من الإدارة بالتدخّل، و ذلك لإجبار الملتزم على تنفیذ الت ازماته إذا قصّر في كیفیة أداء الخدمة أو عدم أدائها وفقا لشروط العقد، فمن واجب الملتزم تقدیم خدمات المرفق على أحسن وجه للمنتفعینوبالرسوم التي تقرّرها الإدارة، و إلا سینتج عنه مخالفة لقاعدة تنظیمیّة عامّة لأنّ عقود الإمتیاز تحتوي على شروط تنظیمیّة تبیّن كیفیة أداء الخدمة للمنتفعین[36] ،فإذا تقاعست الإدارة عن ذلك فیمكن للمنتفعین اللجوء إلى القضاء للحكم علیها بالتدخّل[37]
    رابعا: نهایة عقد الامتیاز:
    ینتهي عقد الامتیاز إما بصورة طبیعیّة، أو بصورة غیر طبیعیّة
    1ـ النهاية الطبیعیّة لعقد الامتیاز:
    لمّا كان الإمتیاز طریقة لتسییر المرافق العامّة من طرف أحد الأشخاص الخاصّة لمدّة و فترة معیّنة، فإنّ انقضاء و إنتهاء هذه المدّة سیؤدّي حتما إلى نهایة الإمتیاز بفكّ ال اربطة بین كلّ من الإدارة مانحة الإمتیاز والملتزم [38]، وهذه المدّة عادة تكون طویلة تمكّن الملتزم من تغطیة نفقاته و تحقیق الربح [39]، و قد حددت أقصى مدّة لتنفیذ عقد الإمتیاز من 30 إلى50 سنة یبدأ سریانها من تاریخ المصادقة النّهائیّة للعقد، و بإنقضاء المدّة المحدّدة من هذا التاریخ ینقضي العقد بقوّة القانون، و لكن تحدید المدّة لا یحول دون تجدید عقد الامتیاز عند نهایة مدّته [40]، سوءا عن طریق تجدید المدّة بعقد جدید [41]، أو عن طریق تمدید مدّة العقد القدیم، و في كلتا الحالتین یجب أن تكون نیّة الطرفین واضحة،  وأن یصدر التجدید أو التمدید من السّلطة المختصّة بإبرام العقد الأول أو الأصلي مع مراعاة الطرق المتبعة في إبرامه[42] 
    2ـ النّهایة غیر الطبیعیّة لعقد الامتیاز
    من بین الصّور غیر الطبیعیّة لنهایة عقد امتیاز المرافق العامّة نجد:
    2ـ1. فسخ العقد من طرف الإدارة (إسقاط الامتیاز):
    فسخ العقد یكون على حساب الملتزم نتیجة لخطأه،و هو ج ازء توقعه السّلطة مانحة الإمتیاز على صاحب الإمتیاز جراء أخطاء جسیمة إرتكبها أثناء إدارته للمرفق العام بحیث یصبح من المتعذّر الإطمئنان إلى إستمراره في إدارة المرفق العام و تسییره [43]، بالتالي على الإدارة أن تعذر الملتزم بتصحیح الخطأ قبل إسقاط الإلتزام، وإذا رفض فعلیها تحریر محضر بعدم الإمتثال و في هذه الحالة یكون فسخ العقد بالإرادة المنفردة للإدارة، و یمكن للملتزم إذا أرى أن الإدارة قد تعسّفت في استعمال هذه السلطة فله أن یرفع دعوى أمام القضاء المختصّ للمطالبة بالتعویض ج ارء الضّرر الذي قد یصیبه [44].
    2ـ2 الفسخ الاتفاقي(الإرادي):
    تطبیقا للقواعد العامّة، یمكن لطرفي الإمتیاز (الإدارة و الملتزم) الاتفاق بینهما، إذا توفرت إعتبارات معینة على وضع نهایة للالتزام قبل انقضاء مدّته[45].
    2ـ3  الفسخ القضائي:
    یتحقق الفسخ القضائي بصدور حكم قضائي من المحكمة المختصة، بناءاً على طلب یقدمه الملتزم عادة بسبب إخلال الإدارة المتعاقدة بالت ازماتها التعاقدیة، فیحق للملتزم تقدیم طلب إلى القضاء المختص لتقریر فسخ عقد الإمتیاز.كما یتحقق الفسخ القضائي أیضا في حالة القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ، خاصة إذا إستمرت الظروف الطارئة لمدة طویلة[46]، كما یمكن أن یتحقق أیضا في حالة وجود أض ارر تؤثر على التوازن المالي للعقد.

     


  • Section 8

    المبحث الثاني: الأساليب الحديثة لإدارة المرفق العام
    المطلب الأول: تفويض المرفق العام
    لطالما كان التسيير المباشر للمرفق العمومي او التسيير عن طريق مؤسسة عمومية من اقدم الطرق وأكثرها تداولا في التشريعات التي تحكم تسيير المرافق العمومية بصفة عامة، لكن النتائج المترتبة عن هذا النوع من التسيير كانت غير مرضية خاصة أن هذه المرافق تحتاج في إدارتها للمرونة بسبب طبيعتها الاقتصادية التي تخضع لقواعد المنافسة، وكذا تغير المعطيات الاقتصادية وصعوبة تمويل المرافق العمومية، كل هذه الأسباب أدت بالمشرع إلى تبني أسلوب التسيير غير المباشر عن طريق اللجوء إلى القطاع الخاص لإدارة هذه المرافق، بهدف تطوير تسييرها واضفاء المرونة اللازمة لتقديم خدمات ترقى إلى المستوى المطلوب.
    وتعتبر تفويضات المرفق العام من أهم أساليب التسيير غير المباشرة التي تلعب دورا فعالا ومزدوجا في تخفيف عبء التسيير على الدولة من جهة، وتحقيق وتلبية الحاجات العامة للجمهور بالجودة والسرعة المطلوبة من جهة أخرى، وأول من استحدث هذا الأسلوب هو المشرع الفرنسي، ثم تبنته مجموعة من الدول الأخرى من ضمنها الجزائر وذلك بموجب المرسوم الرئاسي
    15-247 .
    وقد تبنى المشرع الجزائري أسلوب التسيير غير المباشر في العديد من النصوص القانونية من بينها قانون البلدية
     
    11-10 وقانون الولاية 12-07، وكذلك قانون تسيير الموارد المائية، وأخيرا المرسوم الرئاسي للصفقات العمومية 15-247 الذي تبنى فيه المشرع الجزائري صراحة أسلوب التسيير غير المباشر للمرافق العامة عن طريق تفويض المرفق العام، هذا المرسوم الأخير الذي صدر في ظروف اقتصادية وسياسية تسعى الجزائر فيها لبناء دولة القانون، ومكافحة الفساد وترشيد النفقات العمومية، والبحث عن سبل جديدة لتمويل المرافق العامة.
    الفرع الأول: مفهوم تفويض المرفق العام.
    من أهم أسباب ظهور أسلوب تفويض تسيير المرفق العام، هو تحسين أداء المرافق العمومية، وهذا في ظل تزاید الوعي المدني وعجز الدولة على حسن التسيير والوفاء بكل المطالب العمومية، هذا الوضع الذي أدى إلى خلق نوع جدید من تسیير المرفق العام یتلاءم مع تطور التسيير الاقتصادي الحديث للمرافق العمومية، وكذلك الأوضاع الاقتصادية للدولة ،وهو ما يطلق عليه تفويض تسيير المرفق العام، أي تنازل الدولة عن تسیير المرافق العامة لأشخاص القانون الخاص، وقد فرض تبني الدولة لهذا النوع من التسيير وجوب السهر على احترام المبدأ الأساسية التي تحكم إدارة المرافق العامة.
    أولا: تعريف تفويض المرفق العام.
    مازال تعريف تفويض المرفق العام في تطور لذلك فمن الصعب إيجاد تعریف جامع مانع له، إذ أن له صور متعددة ومفهوم واسع يشمل كل العقود التي تتنازل الدولة من خلالها عن تسيير مصلحة عمومية، ولهذا تعددت التعریفات.إن التسيير المفوض يعد مصطلحا جديدا عرف في فرنسا من خلال نص القانون 93-122 المؤرخ في 9 جانفي 1993، واستعمل أول الأمر من قبل الأستاذ جون فرانسوا، إذ هو إطار عام يجمع كل العقود التي تتضمن تفويض التسيير وبهذا اللفظ لم يستعمل حتى التسعينات من خلال القانون رقم 92-125 المتعلق بالإدارة الإقليمية، كما تجدر الإشارة إلى أنه وقبل هذا القانون كان التفويض موجودا بتسمياته المعروفة كالامتياز والإيجار لكن النص أعطى إطارا قانونيا للاتفاقيات المتعلقة بالتفويض.[1]
    والتفويض حسب الاستاذ
    carole» هو تقنية من شأنها تمكين التعاقد مع شخص خاص لتسيير مرفق عام حسب العقود الموجودة والمعروفة باسم الامتياز والتسيير، فهو يعني تنازل سلطة أعلى لسلطة أدنى في مجال تسيير المصالح العمومية.»
    كما يعرف التسيير المفوض أو المنتدب بأنه أسلوب قانوني تعاقدي بين طرفين أو عدة أطراف، يهدف الى خوصصة أسلوب تدبير المرفق العام الصناعي والتجاري من قبل شركة خاصة لمدة محدودة من أجل توسيع وتحسين الخدمات المقدمة للمستفدين، وذلك تحت مراقبة السلطات المانحة للتدبير بهدف تجنب أي خلل من أنه
    أن يؤثر سلبا على المردودية، ويلتزم الطرفان، كل فيما يعنيه، بتنفيذ اتفاقية التدبير المفوض ضمن  التوازن لاقتصادي والمالي لاستغلال المرافق المفوضة وكذا ضمن احترام المبادئ الأساسية للاستمرارية وقابلية التكيف بالنسبة للمرافق المفوضة وكذا المساواة في معاملة المستعملين.[2]
    ويُعدُّ تفويض المرْفق العمُوميّ النظامَ الأكثر انتشارًا في مجال التدبير المفوَّض للمرافق العمومية، غير أنّه بإمكان الجماعة المحلّيّة اختيار التدبير المباشر للمرْفق، أو بواسطة التدبير المفوَّض، تعهد الجماعة المحلية إلى شريكٍ منَ القطاعِ الخاص أو العام أو المختلط، عنْ طريق عقود إدارية شاملة وطويلة الأمَد، عُمُوماً، مسؤولية إنْجاز أعمالٍ تتعلق بالتصْميم والبناء والتمْويل، الكلّيّ أو الجزئيّ، وصيانة أو إعادة تأهيل واستغلال مُنشأة أو بنية تحتية ضروريّة لتوفير خدمة عموميّة، ويُشار إلى تفويض وتدبير هذه الأخيرة ضمْن بنودِ عقد التفويض.وتجدُرُ الإشارة إلى أنه لا يوجَدُ تعريف متفق عليْه للتدبير المفوَّض على الصعيد الدوليّ:فقد وضعت اللجنة الأوروبية أربعة معايير يتمّ بموجبها تعريف التدبير المفوَّض: مدّة العقد التي تكون طويلة نسبيّا ،طريقة تمويل المشروع، الذي يموّل جزءاً منه القطاعُ الخاصّ، الدور الهام الذي يلعبه الفاعل الاقتصادي في تصميم المشروع وإنجازه وتفعيله وتمويله، بينما يتركّز اهتمام الشريك العمومي على تحديد الأهداف التي ينبغي بلوغها (المصلحة العامة، جودة الخدمات، سياسة التسعير، تقاسم المخاطر).، أما صندوق النقد الدولي فقد عرفه بأنه هو الاتفاقيات التي يوفّر بموجبها القطاعُ الخاص بنيات تحتية ومرافق كانتْ عادة من مسؤولية الدولة، أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فكان تعريفها هي اتفاقيات يتمّ إبرامها ما بين الدولة وبين شريك أو شركاء متعددين من القطاع الخاصّ، يقوم بموجبها الشركاء الخواص بتوفير خدمات، بحيث أنّ أهداف مردوديتهم ترتبط بالنقل الكافي للمخاطر إلى الشريك الخصوسي.   وبذلك فتفويض المرفق مصطلح واسع يضم كل العقود التي تتنازل الهيئات العمومية من خلالها عن تسيير مرفق عام دون أن تتنازل عنه كليا، والتفويض بصفة عامة أستعمل في اللغة القانونية، بمعنى تخلي سلطة إدارية عليا عن بعض الصلاحيات والاختصاصات لسلطة إدارية دنيا، وهناك نوعان من التفويض)الاختصاص، الإمضاء(، ويمكن تعريف « تفويض المرفق العام بأنه عقد يتم من خلاله يتم تسيير واستغلال مرفق بمقابل مالي يتحصل عليه المفوض له، يدفعه المرتفقون أو الإدارة المفوضة، ويتعلق مباشرة باستغلال المرفق وهو معيار يعرف تفويض المرفق العام.»
    وقد أعطى المشرع المغربي كذلك تعريفا للتسيير المفوض، وذلك في إحداث قانون منظم له قانون(
    05-54) حيث عرفه على أنه: «يعتبر التسيير المفوض عقدا يفوض بموجبه شخص معنوي خاضع للقانون العام
    يسمى « المفوض» لمدة محددة، تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص يسمى «المفوض إليه» يخول له حق تحصيل أجرة من المرتفقين أو تحقيق أرباح من التدبير المذكور أو هما معا، ويمكن أن يتعلق التدبير المفوض كذلك بإنجاز أو تدبير منشأة عمومية أو هما معا تساهم في مزاولة نشاط المرفق العام المفوض.
    تبيّن مختلف هذه التعاريف، المتعلقة بالتدبير المفوَّض، بأنّه مفْهومٌ قابل للتطْوير، وأنّه بإمْكانِهِ التكيّف مع طبيعة وتعقيدات العمليات التي يتعين إنْجازها.
    كما يجب الإشارة هنا أن تفويض التسيير للمؤسسة العمومية في ظل اقتصاد السوق يعد أحد مفاهيم الخوصصة في مختلف أنحاء العالم، حيث تعتمد الدول استراتيجيات مشتركة لخوصصة هذه المؤسسات، والتي لا يمكن أن تخرج عن أسلوب إنهاء ملكية الدولة، والتفويض، والإحلال، وتعد استراتيجية التفويض، من اهم أساليب الخوصصة ،وتعني استراتيجية التفويض أن تقوم الدولة بتوكيل القطاع الخاص بتقديم نفس الخدمة أو إنتاج نفس السلعة التي كانت تقوم الدولة بتقديمها أو إنتاجها، وهذه الاستراتيجية تتشابه مع استراتيجية إنهاء ملكية الدولة، كما أنه يعبر عن نية الدولة الصادقة في التحول إلى القطاع الخاص، إلا أنه يختلف عن استراتيجية إنهاء ملكية الدولة في أنها تتم بصورة تدريجية، وهذا التحول التدريجي يعني أن الدولة تتحكم في نسبة التحول وسرعة التحول حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشركات وللدولة نفسها وبمقتسى التفويض تقوم الدولة بتوكيل القطاع الخاص للقيام بجزء أو كل النشاط المتعلق بإنتاج السلع والخدمات، ولكن تُبقي الدولة على حقها في الإشراف والرقابة والمساءلة للقـطاع الخـاص فيما تقدمه من نتائج.
     ثانيا: طرق التفويض .
    العـقـود
    : يمكن للدولة أو القطاع العام أن يفوض القطاع الخاص بتقديم خدمة أو إنتاج سلعة من خلال تعاقد الدولة مع القطاع الخاص بهذا الخصوص، كما تدعي بالتعاقد من الباطن وفي هذه الطريقة يتم الإبقاء على الشركة كما هي حيث لا يتم تغيير في هيكل رأس المال، فإذا كان رأس المال مملوكا كليا بواسطة الدولة، تم الإبقاء عليه إلا أن أداء العمليات والأنشطة الإنتاجية والخدمية يتم تحويل جزء منها إلى القطاع الخاص.
    الامـتيـاز: هو عبارة عن حق تمنحه الحكومة والقطاع العام للقطاع الخاص وذلك في أداء الخدمة أو استغلال الموارد، إنتاج السلعة أو بيعها، وفي المقابل يدفع القطاع الخاص مقابل حق الامتياز، وهناك شكلان لحق الامـتياز، حق الامتياز الخاص باستخدام الموارد الطبيعية للدولة مثل: حق استغلال الأراسي، والبحار والأجواء، ويدفع مقابل لـهذا الاسـتغلال أو حـق الامـتياز، الإيجار الشركات الخاصة لممتلكات مادية وأصول ملموسة مملوكة للحكومة أو للقطاع العام ،مثل إيجار المباني، الآلات، الأراسي، ويدفع القطاع الخاص قيمة إيجار هذه الأصول[3]، ويعتبر عقد الامتياز الإداري من العقود غير المسماة التي ابرمها الإدارة حيث تقوم هذه الأخيرة بإبرام تصرفات قانونية في شكل عقود مسماة أفردها المشرع باسمها الخاص ونظامها القانوني المميز الذي يحكمها في إطار ما يسمي بالصفقات العمومية.
    3-الـمنح: هي عبارة عن إعانة مالية تقدمها الدولة للقطاع الخاص للدخول في أنشطة هي في الأصل تتم بواسطة الدولة أو القطاع العام، وعادة ما تحجم الدولة عن الاستمرار في أداء نفس النشاط لعلمها بفشلها أو احتمال تدهور الأداء بواسطة أجهزتها وموظفيها، فتقوم الدولة بتشجيع وتحفيز القطاع الخاص لكي يضطلع بالتنفيذ تحت إشراف الدولة ،ويأتي هذا التشجيع والتحفيز من خلال قيام الدولة بتقديم منحة مالية للقطاع الخاص لأداء الأنشطة، مـثال ذلك قـطاع الـنقل
    .4-الـدعم: شبه المنح، لكنها لا تقدم للمنتجين بل للمستهلكين، وذلك لشراء خدمات أو منتجات وسلع إما من القطاع العام أو القطاع الخاص، وبالتالي فهذا الأسلوب يمثل نوع من التفويض أو التوكيل )الجزئي( للقطاع الخاص في تقديم الخدمة أو السلعة، وفكرة الدعم الأساسية هي أنها تعطي الخيار للمستهلك في أن يقبل أو يرفض الخدمة أو السلعة.
    5-الإلزام: وتقوم الدولة في هذه الطريقة بإلزام المنظمات بتقديم خدمات إلى العاملين أو المستهلكين )بصورة قانونية( ،وذلك بدلا من أن تقوم بها الدولة بنفسها ومن أمثلة هذه الأنشطة: التأمينات على العاملين، مثل تأمين العجز، الإصابة ،الحياة، البطالة والمعاش.[4]
    الفرع الثاني: أسس تطبيق التفويض على المرافق العامة.
    لا یتحقق تفويض المرفق العام إلا في حالة شكل النشاط موضوع العقد مرفقا عاما قابلا للتفويض، إذ توجد مجموعة من المرافق السیادیة التي لا يجوز تفويضها، كما یقتسي أن تقوم بين صاحب التفويض والسلطة المانحة علاقة تعاقدیة بحیث یخضع المتعاقد مع الإدارة، بالإضافة إلى النظام القانوني المحدد من قبل المشرع إلى الأحكام المنصوص عليها في العقد، ويجب أن یكون موضوع العقد استغلال المرفق العام وأن یرتبط المقابل المالي للخدمات المؤداة إلى المستفدین بنتائج الاستغلال، وتتمثل أسس تطبيق التفويض على المرافق العامة فيما يلي:
    أولا/ وجود مرفق عام قابل للتفويض: ضرورة وجود مرفق عام يهدف للمنفعة العامة، و التي قررت السلطات العامة و القانون وجودها وضرورة ضمانها كمرفق عام ، مع وجوب تلبية طالبات الافراد بخصوصها إما كمسيرة مباشرة أو تفويضها للخواص.[5]
    حيث تشكل المرافق العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري الجزء الأكبر من المرافق العامة موضوع التفويض على اعتبار أن الطبیعة الاقتصادية لهذه المرافق تساهم بصورة كلیة أو جزئیة في تمویل المرافق العامة من قبل المستفيدين من خدماته، ويمكن القول أن كل المرافق العمومية قابلة للتفويض سواءا كانت إدارية أو صناعية أو تجارية، لكن هناك بعض المرافق المنشأة بسبب طبيعتها الخاصة أو من طرف المشرع إلا أن الفقه والاجتهاد قد حددها في مجموعة نقاط وهي: [6]
    لا يجوز تفويض إدارة المرافق العامة، نظرا لإرتباطها بسیادة الدولة وجوهر وظائفها كمرفق الدفاع والعدل والشرطة والتعلیم والصحة.
    1- يجوز تفويض بعض الأنشطة الملحقة بالمرافق العامة التي لا يجوز التفويض فيها، مثل إدارة المطاعم في مرفق التعلیم، لكن لا يجوز أن يؤدي إبرام العقد إلى تفويض إدارة المرفق برمته .
    2-لا يجوز تفويض الأنشطة المتعلقة بممارسة الشخص العام لامتيازات السلطة العامة كسلطة الضبط مثل الانتخابات والأحوال الشخصية.
    3-لا يجوز تفويض إدارة المرافق العامة التي تحتكر الدولة إدارتها واستغلالها، أو أحد أشخاص القانون العام كمرفقي توزیع الغاز والكهرباء.
    4- لا يجوز أن یكون موضوع عقد تفويض المرفق تحصيل جبایة الإیرادات العامة التي یكون لها الطابع الضریبي
    .
    ثانيا/ وجود علاقة تعاقدیة:
    1 أطراف عقد التفويض:
    یبرم عقد التفويض عادة بين شخص عام هو مانح التفويض وشخص خاص هو صاحب التفويض.
    صاحب التفويض: ويمكن أن يكون المفوض إليه )صاحب التفويض(: شخص طبيعي، مؤسسة تجارية، مؤسسة مختلطة، شخصا عام من أشخاص القانون العام، أي عن طريق اتفاقية أو عقد إداري خاضع للقانون الإداري مع التزام المفوض إليه باحترام المبادئ الأساسية للمرفق العمومي» مبدأ المساواة، مبدأ استمرارية المرفق العمومي، مبدأ التكييف»، كما أن مسؤولية المفوض هي مسؤولية مباشرة لأنه نظرا لكونه الواجهة أمام المستعملين فهو مسؤول على استمرارية الخدمات العمومية مع احتفاظ الإدارة بحق الرقابة.
    مانح التفويض: یقتسي أن یكون مانح التفويض شخصا عاما سواءا كان الدولة أو أحد الأشخاص العامة المحلیة أو المرفقیة، وفي حالة كان مانح التفويض شخصا خاصا فلا یكون عقد تفويض مرفق عام إلا أنه یستثني من ذلك العقد المبرم بين شخصين من أشخاص القانون الخاص لحساب وبإسم الشخص العام وتحت إشرافه وتوجيهه.
    2 طبیعة العلاقة:
     
    إن العلاقة القائمة بين صاحب التفويض والسلطة المانحة هي علاقة تعاقدیة وبالتالي یخضع طرفا العقد إلى بنود الأحكام المدرجة في العقد، ويعتبر عقد تفويض المرفق العام من العقود الإداریة، لأن أحد أطرافه شخص عام وهو مانح التفويض، ویتضمن امتيازات السلطة العامة كحق الدولة بإنهاء العقد بإرادتها المنفردة بدافع تحقیق المصلحة العامة، أذن العلاقة بين الطرفين هي علاقة تعاقدية بشروطها التنفيذ المقابل المالي الرقابة إذ أنه اتفاق بين إرادتين السلطة العمومية والمتعامل الخاص أو العام،30كما عرفة العلاقة بأنها عقد وكالة توكل من خلاله الإدارة شخصا
    آخر يتولى استغلال المرفق العام، فالإدارة العمومية تنسئ المرفق العام وتوكله وتفوضه لشخص آخر، مع إبقائها لدور أساسي وهو الرقابة.[7]
    3 ـــــــــــ استغلال مرفق عام:
     يعتبر استغلال المرفق كعنصر لاتفاقية تفويض المرفق ويكون هذا الاستغلال باستعمال المفوض له سلطاته الكاملة في تسيير المرفق، فهو بهذه الصفة يملك عدة سلطات، حيث يملك نوعا من الاستقلالية بالرغم من احتفاظ الإدارة المفوضة لسلطة تنظيم المرفق، وجود علاقة مباشرة بين المرتفقين و المستغل للمرفق، للمفوض له علاقة مباشرة مع الموردين و المقاولين، يضمن المستغل السير العادي للمرفق ويتحمل كل المخاطر و الأرباح ) مالية و تقنية (، توفير الوسائل والمنشآت الضرورية لتسيير المرفق والقيام بكل الأعمال الضرورية لذلك.[8]
    ویتولى صاحب التفويض تشغیل المرفق العام واستغلاله، ویقتسي علیه أن یتحمل مخاطر التشغیل وإذا أقتصر دور صاحب التفويض على إدارة المرفق دون تحمل مخاطر التشغیل بصورة كلیة أو جزئیة، فلا نكون بصدد عقد تفويض مرفق عام، كأن یتولى الشخص الخاص إدارة المرفق العام لقاء بدل محدد دون أن یتحمل مخاطرة استغلال المرفق كالعقود المبرمة مع الهیئات الخاصة للقیام بمهام محددة لقاء أجر محدد لتشغیل معامل إنتاج الطاقة الكهربائیة في مرفق الكهرباء، ویترتب على ضرورة قیام صاحب التفويض بإدارة واستغلال المرفق العام مجموعة من النتائج
    أهمها:
    یقتضي أن تعطي اتفاقية التفويض صاحب التفويض الحق في تحدید القواعد والأنظمة الداخلیة التي يخضع لها المرفق عام.
    یجب على صاحب التفويض استخدام الأجراء والعاملين من أجل تأمين الأعمال المتعلقة بالتشغیل، وتقوم مع هؤلاء العاملين علاقة تعاقدیة تخضع لأحكام القانون الخاص.
    تقوم علاقة تعاقدیة بين صاحب التفويض من ناحیة والمستفیدین من خدمات المرفق العام من ناحیة أخرى، وتخضع هذه العلاقة لأحكام القانون الخاص.
    یقتسي أن یمنح صاحب التفويض بعض امتيازات
    السلطة العامة التي یقتضيها حسن التنفیذ.
    یجب على صاحب التفويض تأمين الأموال اللازمة لتشغیل المرفق العام، وهذه الأموال یقتسي إعادتها إلى الشخص العام عند الانتهاء من تنفیذ العقد.
    4/وجود مقابل مالي متعلق مباشرة باستغلال المرفق العام:
    يعتبر كيفية دفع المقابل المالي لتسيير و استغلال المرفق العام المعيار المحدد لوجود تفويض المرفق، ففي التفويض يتحصل صاحب التفويض على إتاوات من قبل المرتفقين مقابل الخدمة المؤداة من طرفه، وقد عرف القضاء الإداري المقابل المالي وربطه بنتيجة الاستغلال، وعلى هذا الأساس استبعد في كثير من الأحيان عقد التسيير من عقود تفويض المرفق العام، لأن المقابل مدفوع من طرف الإدارة ويكون جزافيا ليس له ارتباط باستغلال المرفق.
    ویشكل ارتباط المقابل المالي بنتائج الاستثمار معیارا للتمیيز بين عقد تفويض المرفق العام والصفقات العامة في حالة
    شكل المقابل المالي الذي یحصل علیه صاحب التفويض ثمنا للخدمات المؤداة دون أن یتحمل صاحب التفويض أیة مخاطرة، فنكون بصدد صفقة عامة ولیس عقد تفويض مرفق عاما.
    كما أن دفع المقابل في الصفقة عن طریق سعر تحدده الإدارة بعد تقدیم العروض من طرف المشاركين ویكون هذا السعر محددا في العقد وتدفعه الإدارة ولیس له علاقة بمردودیة استغلال المرفق.
    أما بالنسبة لتفويض المرفق العام فإن المقابل المالي له علاقة بنتیجة الإستغلال وله علاقة مباشرة بتسیير و إستغلال المرفق، كما یقول الأستاذ «
    Claudie Boteau ضرورة تعلق المقابل المالي المتحصل علیه بإستغلال المرفق لا
    غير» في أغلب الأحیان هي إتاوات من طرف المرتفقين مقابل الخدمة.”
    37
    5/مدة التفويض:
     يجب أن يحدد عقد التفويض مدة معينة لتفويض المرفق، لأنه ليس مدى الحياة، ومن المتفق عليه أن الامتياز يكون طويل المدى، وهذا لأن صاحب الامتياز يقوم باستثمارات تلزم مدة طويلة لاسترجاع خسائره و تحقيق أرباح ، بينما عقد الإيجار وعقد التسيير فيكونا في أغلب الأحيان قصيرا أو متوسط المدى.
    الفرع الثالث: تفويض المرفق العام في ظل المرسوم الرئاسي 15-247.[9]
    مع الانفتاح الذي تعرفه الأسواق العالمية في شتى المجالات، وفي ظل الأزمة المالية الخانقة، أصبح من الضروري تخلي الدولة ولو تدريجيا عن تسيير بعض المصالح العمومية لاسيما تلك التي تتمتع بالصفة التجارية والصناعية لإمكانية دخولها عالم المنافسة، وهذا لتفادي النقائص والاختلالات التي يعرفها التسيير العمومي ضمن ما يسمى حاليا بالتسيير المفوض ،وهي وسيلة جديدة من أجل مواكبة التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر من أجل تبني رؤية جديدة وتقليص دور تدخل الدولة في تسيير الخدمات العمومية، ومنحه لفائدة أعوان وهيئات جديدة، وهو ما أملته الحاجة الملحة إلى نماذج جديدة بإمكانها دخول المنافسة على أساس تحقيق المردودية والنجاعة.
    ولقد تضمن المرسوم الرئاسي رقم
    15-247 أول مرة الإشارة لتفويض المرفق العام من خلال الباب الثاني الذي تضمن الأحكام المطبقة على تفويضات المرفق العام حيث نصت المادّة 207 منه «يمكن للشخص المعنوي الخاضع للقانون العام المسؤول عن مرفق عام أن يقوم بتفويض تسييره إلى مفوض له وذلك ما لم يوجد حكم تشريعي مخالف»....
    كما حددت هذه المادة كيفية تسديد أجر المفوض له والذي يكون بصفة أساسية من مردود استغلال المرفق العام ،وتتكفل السلطة المفوضة التي تتصرف لحساب شخص معنوي خاضع للقانون العام كذلك بتفويض تسيير المرفق العام وجب اتفاقية، ومن خلال هذه الصفة التي تتمتع بها السلطة المفوضة وهي صفة التعاقد
    باسم الشخص المعنوي، تعهد للمفوض له بإنجاز منشآت أو اقتناء ممتلكات ضرورية لسير عمل المرفق العام.
    أما المادّة
    208 فقد حددت أثار نهاية عقد تفويض المرفق العام، حيث تصبح كل استثمارات وممتلكات المرفق العام عند نهاية عقد تفويض المرفق العام ملكا للشخص المعنوي الخاضع للقانون العام المعني، كما أشارت إلى أن اتفاقية التفويض لتسيير المرافق العمومية تخضع للمبادئ التي تحكم تسيير المرفق العام، وعلى الخصوص إلى مبادئ الاستمرارية والمساواة وقابلية التكيف، وهذا من خلال نص المادة 05 والمادة 209 من المرسوم الرئاسي.
    أما المادة
    210 فقد أوضحت أشكال الاتفاقيات والعقود التي يمكن أن يأخذها تفويض المرفق العام، وذلك حسب مستوى التفويض والخطر الذي يتحمله المفوض له، ومنحت هذه المادة كذلك السلطة المفوضة التي تتصرف لحساب شخص معنوي خاضع للقانون العام صالحية رقابة السلطة المفوض لها، حيث يمكن أن يأخذ تفويض المرفق العام حسب مستوى التفويض والخطر الذي يتحمله المفوض له ورقابة السلطة المفوضة شكل الامتياز، أو الإيجار، أو الوكالة المحفزة، أو التسيير....
    ويتضح مما سبق أن هناك تتعدد في العقود الإدارية الخاصة بتسيير المرافق العمومیة، وهذا نتج بالدرجة الأولى عن عدم استقرار مفهوم هذا المرفق، لاسيما بعد ظهور ما یسمى بالمرافق العامة الصناعية والتجارية إلى جانب المرافق العامة الإدارية، أدى إلى بروز دور القطاع الخاص في إدارة هذه المرافق مع تطبیق واسع للقانون الخاص كمظهر من مظاهر تعدد وتنوع وسائل إدارة المرافق العامة، حیث تتعدد هذه الأخيرة بين الأسالیب التقليدية المتمثلة في الاستغلال المباشر والتسيير عن طريق المؤسسة العمومية، والأساليب الحديثة مثل الامتياز، التسيير، الايجار، الإدارة غير المباشرة، وسنحاول فيما يلي التطرق إلى طرق وأشكال التفويض الواردة ضمن المرسوم الرئاسي المنظم للصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام بمزيد من التفصيل .
    1: الامتياز
    بالنسبة للامتياز فقد نصت المادة 210 على أنه»... تعهد السلطة المفوضة للمفوض له إما إنجاز منشآت أو اقتناء ممتلكات ضرورية لإقامة المرفق العام واستغلاله وإما تعهد له فقط باستغلال المرفق العام.
    يستغل المفوض له المرفق العام باسمه وعلى مسؤوليته تحت مراقبة السلطة المفوضة ويتقاسى عن ذلك أتاوى من مستخدمي المرفق العام.
    يمول المفوض له الإنجاز واقتناء الممتلكات واستغلال المرفق العام بنفسه»... .

    والملاحظ أن عقد الامتياز لم يخصص له المشرع الجزائري أحكاما خاصة في مراسيم الصفقات العمومية السابقة ،أنما تناوله بالذكر في كل من قانون الولاية والبلدية لسنة 1990 [10] ، ويعد النص عليه وتخصيصه بإحكام خاصة ضمن نصوص المرسوم الرئاسي المنظم للصفقات العمومية وتفويض المرفق العام15-247، من باب توسيع وتأكيد إدراجه ضمن العقود الإدارية التي تخضع لإحكام وتنظيم الصفقات العمومية في الجزائر .

    وقد عرّف الدكتور عمار بوضياف عقد الامتياز على أنّه «اتفاق يجمع بين الإدارة المعنية والملتزم يتعهد بمقتضاه هذا الأخير -فردا كان أو شركة- بإدارة مرفق اقتصادي واستغلاله مقابل رسوم يتقاضاها من المنتفعين».

    كما أنه عبارة عن حق تمنحه الحكومة والقطاع العام للقطاع الخاص وذلك في أداء الخدمة أو استغلال الموارد، إنتاج السلعة أو بيعها، وفي المقابل يدفع القطاع الخاص مقابل حق الامتياز، وهناك شكلان لحق الامـتياز، حق الامتياز الخاص باستخدام الموارد الطبيعية للدولة مثل: حق استغلال الأراسي، والبحار والأجواء، ويدفع مقابل هذا الاسـتغلال أو حـق الامـتياز، إيجار الشركات الخاصة لممتلكات مادية وأصول ملموسة مملوكة للحكومة أو للقطاع العام، مثل إيجار المباني ،الآلات، الأراسي، ويدفع القطاع الخاص قيمة إيجار هذه الأصول.[11]

    لعقد الامتياز شروط لائحية وشروط عقدية، حيث تختص الإدارة المعنية بالتعاقد دون أدنى مشاركة من المتعاقد معها وضع الشروط اللائحية، والتي يلتزم بها المتعاقد إذا رغب في التعاقد، وتنصب هذه الشروط عادة على كيفية أداء الخدمة للمنتفعين، كما يجوز للإدارة المعنية التعديل في هذه الشروط على حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، ويكمن السر في ذلك إلى إن عقد الامتياز من العقود الإدارية، فمن خلاله تتمتع الإدارة بسلطة أحادية في وضع الشروط اللائحية بإرادتها المنفردة، كما ان لها حق تعديل هذه الشروط إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك دون أن يكون للملتزم حق الاحتجاج عن هذا التعديل، أما الشروط والأحكام العقدية فيتولى صياغتها كل من الإدارة المتعاقدة والملتزم أو المتعاقد معه

    2: الإيجار

    ولقد عرّف المشرع كذلك الإيجار باعتباره عقد من عقود تفويض التسيير بقوله هو « تعهد السلطة المفوضة للمفوض له بتسيير مرفق عام وصيانته مقابل إتاوة سنوية يدفعها لها . ويتصرف المفوض له حينئذ لحسابه وعلى مسؤوليته ،وتمول السلطة المفوضة بنفسها إقامة المرفق العام، ويدفع أجر المفوض له من خلال تحصيل الأتاوى من مستعملي المرفق العام».

    ويعرفه الأستاذ C.Boiteau:» هو عقد بمقتضاه تفوض هيئة عمومية لشخص آخر قد يكون عاما أو خاصا إستغلال مرفق عام، مع استبعاد قيام المستأجر بإستثمارات، ويتم دفع المقابل المالي عن طريق إتاوات يدفعها المرتفقون، متعلقة مباشرة باستغلال المرفق»، ونكون أمام عقد أيجار عندما تكون منشأت المرفق العام موجودة قبل العقد و يتولى المستأجر بعض أعمال الصيانة و التجهيزات فقط، فكل من المستأجر و الهيئة العمومية المؤجرة مسؤول عن التجهيزات بنسب متفاوتة محددة في عقد الإيجار، فالهيئة العمومية هي المسؤولة عن توسيع المرفق، تجديده وتجهيزه إذا كانت هذه التجهيزات ضخمة ويكون ذلك عن طريق إبرام صفقات عمومية.

    ورغم التقرب الكبير بين عقد الإيجار والامتياز ألا أن الفرق بينهما يكمن في كون المستأجر يقوم باستغلال المرفق و تسييره فقط فهو غير مسؤول عن إنشاء الهياكل الأساسية و تجهيز المرفق، في حين أن الامتياز يمكن لصاحب الامتياز إنشاء المرفق و تجهيزه ثم استغلاله، وبذلك فإن الامتياز يحوي الإيجار، و لايعتبر سوى جزء منه، وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء بالنسبة للامتياز فقد نصت المادة 210 على أنه»... تعهد السلطة المفوضة للمفوض له إما إنجاز منشآت أو اقتناء ممتلكات ضرورية لإقامة المرفق العام واستغلاله وإما تعهد له فقط باستغلال المرفق العام.

    يستغل المفوض له المرفق العام باسمه وعلى مسؤوليته تحت مراقبة السلطة المفوضة ويتقاسى عن ذلك أتاوى من مستخدمي المرفق العام.

    يمول المفوض له الإنجاز واقتناء الممتلكات واستغلال المرفق العام بنفسه»... .

    والملاحظ أن عقد الامتياز لم يخصص له المشرع الجزائري أحكاما خاصة في مراسيم الصفقات العمومية السابقة ،أنما تناوله بالذكر في كل من قانون الولاية والبلدية لسنة 1990 ، ويعد النص عليه وتخصيصه بإحكام خاصة ضمن نصوص المرسوم الرئاسي المنظم للصفقات العمومية وتفويض المرفق العام15-247، من باب توسيع وتأكيد إدراجه ضمن العقود الإدارية التي تخضع لإحكام وتنظيم الصفقات العمومية في الجزائر .

    وقد عرّف الدكتور عمار بوضياف عقد الامتياز على أنّه «اتفاق يجمع بين الإدارة المعنية والملتزم يتعهد بمقتضاه هذا الأخير -فردا كان أو شركة- بإدارة مرفق اقتصادي واستغلاله مقابل رسوم يتقاضاها من المنتفعين».

    كما أنه عبارة عن حق تمنحه الحكومة والقطاع العام للقطاع الخاص وذلك في أداء الخدمة أو استغلال الموارد، إنتاج السلعة أو بيعها، وفي المقابل يدفع القطاع الخاص مقابل حق الامتياز، وهناك شكلان لحق الامـتياز، حق الامتياز الخاص باستخدام الموارد الطبيعية للدولة مثل: حق استغلال الأراسي، والبحار والأجواء، ويدفع مقابل هذا الاسـتغلال أو حـق الامـتياز، إيجار الشركات الخاصة لممتلكات مادية وأصول ملموسة مملوكة للحكومة أو للقطاع العام، مثل إيجار المباني ،الآلات، الأراسي، ويدفع القطاع الخاص قيمة إيجار هذه الأصول.

    لعقد الامتياز شروط لائحية وشروط عقدية، حيث تختص الإدارة المعنية بالتعاقد دون أدنى مشاركة من المتعاقد معها وضع الشروط اللائحية، والتي يلتزم بها المتعاقد إذا رغب في التعاقد، وتنصب هذه الشروط عادة على كيفية أداء الخدمة للمنتفعين، كما يجوز للإدارة المعنية التعديل في هذه الشروط على حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، ويكمن السر في ذلك إلى إن عقد الامتياز من العقود الإدارية، فمن خلاله تتمتع الإدارة بسلطة أحادية في وضع الشروط اللائحية بإرادتها المنفردة، كما ان لها حق تعديل هذه الشروط إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك دون أن يكون للملتزم حق الاحتجاج عن هذا التعديل، أما الشروط والأحكام العقدية فيتولى صياغتها كل من الإدارة المتعاقدة والملتزم أو المتعاقد معه

    ولقد عرّف المشرع كذلك الإيجار باعتباره عقد من عقود تفويض التسيير بقوله هو « تعهد السلطة المفوضة للمفوض له بتسيير مرفق عام وصيانته مقابل إتاوة سنوية يدفعها لها . ويتصرف المفوض له حينئذ لحسابه وعلى مسؤوليته ،وتمول السلطة المفوضة بنفسها إقامة المرفق العام، ويدفع أجر المفوض له من خلال تحصيل الأتاوى من مستعملي المرفق العام».

    ويعرفه الأستاذ C.Boiteau:» هو عقد بمقتضاه تفوض هيئة عمومية لشخص آخر قد يكون عاما أو خاصا إستغلال مرفق عام، مع استبعاد قيام المستأجر بإستثمارات، ويتم دفع المقابل المالي عن طريق إتاوات يدفعها المرتفقون، متعلقة مباشرة باستغلال المرفق»، ونكون أمام عقد أيجار عندما تكون منشأت المرفق العام موجودة قبل العقد و يتولى المستأجر بعض أعمال الصيانة و التجهيزات فقط، فكل من المستأجر و الهيئة العمومية المؤجرة مسؤول عن التجهيزات بنسب متفاوتة محددة في عقد الإيجار، فالهيئة العمومية هي المسؤولة عن توسيع المرفق، تجديده وتجهيزه إذا كانت هذه التجهيزات ضخمة ويكون ذلك عن طريق إبرام صفقات عمومية.

    ورغم التقرب الكبير بين عقد الإيجار والامتياز ألا أن الفرق بينهما يكمن في كون المستأجر يقوم باستغلال المرفق و تسييره فقط فهو غير مسؤول عن إنشاء الهياكل الأساسية و تجهيز المرفق، في حين أن الامتياز يمكن

    لصاحب الامتياز إنشاء المرفق و تجهيزه ثم استغلاله، وبذلك فإن الامتياز يحوي الإيجار، و لايعتبر سوى جزء منه، وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء الفرنسيين.

    3: الوكالة المحفزة أو الإدارة غير مباشرة

    ولقد عرفه المرسوم الرئاسي للصفقات العمومية وتفويض المرفق العام بأنه « تعهد السلطة المفوضة للمفوض له بتسيير أو بتسيير وصيانة المرفق العام.

     ويقوم المفوض له باستغلال المرفق العام لحساب السلطة المفوضة التي تمول بنفسها إقامة المرفق العام وتحتفظ بإدارته.

    ويدفع أجر المفوض له مباشرة من السلطة المفوضة بواسطة منحة تحدد بنسبة مئوية من رقم الأعمال تضاف إليها منحة إنتاجية وحصة من الأرباح عند الاقتضاء.

    تحدد السلطة المفوضة بالاشتراك مع المفوض له التعريفات التي يدفعها مستعملو المرفق العام، ويحصّل المفوض له التعريفات لحساب السلطة المفوضة المعنية.

    ویعرف بأنه « هو العقد الذي من خلاله توكل السلطات العمومیة ) التي أنشأت المرفق العام ( تسیير وصیانة مرفق عام لشخص طبیعي أو معنوي من القانون الخاص، یتولى التسیير لحساب الجماعة العمومیة المفوضة، ولا یتحصل على المقابل المالي من إتاوات المرتفقين، بل بأجر محدد بنسبة مئویة من رقم الأعمال المحقق من استغلال المرفق، بالإضافة إلى علاوة الإنتاجیة وجزء من الأرباح، وكذلك یعرفه بأنه طریقة من طرق تسیير المرفق العمومي یضمن فیه المسير استغلال المرفق، یكون له علاقة مباشرة بالمرتفقين، ینفذ العملیات لحساب الهیئة المفوضة، ویحصل لحسابها الإيرادات وینفذ النفقات ویتلقى المقابل المالي من الهیئة العمومیة، وهو أجر یدخل في أعباء الهیئة ویكون إذن مرتبط بإستغلال المرفق .

    ومن خلال هذه التعاریف یمكن استخلاص الخصائص التالیة لهذا النوع من العقود:[12]

    -            الاستغلال یكون لحساب الهیئة المفوضة.

    -            الهیئة العمومیة هي المكلفة بأشغال البناء والصیانة والتجهيزات الضروریة لسير المرفق العام.

    -            إستقلالیة محدودة للمسير وبالمقابل صلاحیات واسعة للإدارة.

    -            المقابل المالي الذي یتحصل علیه المسير مرتبط بالاستغلال بنسبة مئویة من رقم الأعمال بالإضافة إلى علاوات إنتاجیة، وبذلك فهذا المقابل مرتبط بأرباح وخسائر.

    4  ـــــــــــ التسيير

    وهو تعهد السلطة المفوضة للمفوض له بتسيير أو بتسيير وصيانة المرفق العام، ويستغل المفوض له المرفق العام لحساب السلطة المفوضة التي تمول بنفسها المرفق العام وتحتفظ بإدارته، ويدفع أجر المفوض له مباشرة من السلطة المفوضة بواسطة منحة تحدد بنسبة مئوية من رقم الأعمال تضاف إليها منحة إنتاجية.

    تحدد السلطة المفوضة التعريفات التي يدفعها مستعملو المرفق العام وتحتفظ بالأرباح، وفي حالة العجز فإن السلطة المفوضة تعوض ذلك للمسير الذي يتقاسى أجرا جزافيا، ويحصّل المفوض له التعريفات لحساب السلطة المفوضة المعنية.

    ويعني تسیير المرافق العامة، تقدیم خدمات مباشرة للمجتمع، وأن تتولى الإدارة سواءا كانت الإدارة مركزیة كالوزارات أو الإدارة اللامركزیة الإقلیمیة كالبلدیات التي تقوم بالنشاط بنفسها ولحسابها.

    تعریف عقد التسیير: ویتم تعریف عقد التسیير بأن « یفوض شخص من القانون العام للغير) الخواص / شخصا طبیعیا أو معنویا ( تسیير مرفق عام فقط لحساب الجماعة العمومیة بمقابل مالي جزافي، فهو یضمن التسیير الیومي والعادي للمرفق بكل عناصره.“

    التسیير هو عقد مبرم بين هیئة عمومیة وشخص من القانون الخاص، هدفه ضمان سير المرفق وعدم تحمل أعباء البناء و التجهيز، بل هو مجرد مسير بسیط للمرفق لا یتحمل أرباح وخسائر تسیير المرفق العام، وهناك من یعتبر أن عقد التسیير لیس تفويض للمرفق العام بالنظر إلى المقابل المالي الذي یتقاضاه المسير جزافيا، فلیس له ارتباط باستغلال المرفق ولا یتحمل خسائر وأرباح التسیير، المسير یسير المرفق لحساب الجماعة العمومیة ویضمن السير العادي للمرفق العام، والجماعة العمومیة هي التي تتحمل مخاطر التسیير التقنیة والمالیة، وحتى المقابل المالي غير مرتبط بالاستغلال وكیفیة التسیير بل هو مبلغ جزافي محدد مسبقا في العقد .[13]

    النتائج المترتبة على عقد التسیير:

    -موظفو المرافق العمومیة هم موظفون عمومیون یخضعون لقانون الوظیفة العمومیة من حقوق والتزامات .

    -تعتبر كل أملاك المرفق العام أملاكا عمومیة تخضع لأحكام القانون العام في التنازل.

    -تسري على أعمالها وتصرفاتها المسؤولیة الإداریة.

    -العقود التي تبرمها عقود إداریة.

    -تعتمد في تمویلها على الميزانیة العامة للدولة أو على ميزانیة الجماعة المحلیة بطریقة مباشرة حسب الإطار الإداري.

    -تخضع لقواعد المحاسبة العامة وللرقابة على المالیة العمومیة (المفتشیة العامة للمالیة.)

    -القرارات التي تصدرها قرارات إداریة ( تنظیمیة أو فردیة )إن عجز الأشخاص العامة في تسیير كل المرافق العامة بطریقة مباشرة، أدى إلى ظهور ضرورة تفويض هذا المرفق لشخص آخر (عام أو خاص ) یتولى تسييره واستغلاله وهو ما يسمى تفويض المرفق العام.

    الفرع الرابع: الرقابة على تفويض المرفق العام

          إن الرقابة هي وسيلة لتحقيق نوع من التنظيم و الفعالية داخل المؤسسة ، فالرقابة الإدارية هي الوسيلة التي تستطيع بها السلطات الإدارية معرفة كيفية تسيير العمل داخل المنشأة ، و ذلك للتأكد من حسن سير العمل لتحقيق الأهداف و كشف الأخطاء و التقصير أو الإنحراف ، و تهدف بالأساس إلى حماية الصالح العام و توعية القيادة الإدارية و منع الإنحراف و تقليل الأخطاء. و ما لا شك فيه أن العملية الرقابية تتخذ أشكال مختلفة حسب نظام الحكم في الدولة و عليه سنحاول التطرق إلى الآليات الرقابية.

    أولا: الآليات الرقابية 

          لقد حدد المرسوم التنفيذي 18/199 الاليات الرقابية التي تخضع لها تفويضات المرفق العام , حيث نصت المادة 74 منه " تخضع تفويضات المرفق العام لرقابة

    قبلية و رقابة بعدية،  بمجرد دخول اتفاقية التفويض حيز التنفيذ ...............كما يخضع تفويض المرفق العام لرقابة السلطة المفوضة"

     1 - الرقابة الداخلية

           يقصد بالرقابة الداخلية  تلك الرقابة التي تقوم بها المصلحة المتعاقدة بنفسها بواسطة أعوانها وموظفيها ،هذا النوع من الرقابة الذاتية لها أهمية كبيرة فيها يتعلق بالسير الحسن للإدارة و حماية المصالح المالية و إضفاء الشفافية على أعمالها .و هو ما جسده المشرع الجزائري في نص المادة 75 من المرسوم التنفيذي 18/199 التي تنص " تنشئ السلطة المفوضة في إطار الرقابة الداخلية لجنة لإختيار و إنتقاء العروض"...  و تقوم هذه اللجنة بصلاحياتها وفقا للمادة 77 منه

    تكلف لجنة أختيار وإنتقاء العروض بما يلي: 

    - عند فتح العروض: 

    -         التاكد من تسجيل ملفات التعهد أو العروض في سجل خاص 

    -         القيام بفتح الأظرفة 

    -         إعداد القائمة الإسمية للمترشحين أو المترشحين الذين تم انتقاؤهم ، حسب الحالة ، و تاريخ وصول الأظرفة. 

    -         إعداد قائمة الوثائق التي يتكون منها كل ملف تعهد وكل عرض.

    -         تحرير محضر اجتماع يوقعه كل الأعضاء الحاضرين خلال الجلسة. 

    -         تحرير محضر عدم جدوى ، عند الإقتضاء يوقعه كل الأعضاء الحاضرين خلال الجلسة. 

    -         تسجيل أشغالها خلال هذه المرحلة في سجل خاض مرقم و مؤشرعليه من مسؤول السلطة المفوضة.

    ب- عند فحص ملفات التعهد: 

    -         دراسة الضمانات المالية و المهنية و التقنية للمترشحين و كذا كفاءاتهم التي تسمح لهم بتسيير المرفق العام حسب المعايير المحددة في دفتر الشروط. 

    -         إقصاء ملفات التعهد غير المطابقة للمعايير المحددة في دفتر الشروط. 

    -         إعداد قائمة المترشحين المقبولين لتقديم عروضهم و تبليغها للسلطة المفوضة. 

    -         تحرير محضر اجتماع يوقعه كل الاعضاء الحاضرين حلال الجلسة. 

    -         تحرير محضر عدم الجدوى عند الاقتضاء يوقعه كل الاعضاء الحاضرين خلال الجلسة. 

    -         تسجيل اشغالها المرتبطة بدراسة الملفات في سجل خاص مرقم و مؤشر عليه مسيقا من مسؤول السلطة المفوضة. 

    ‌ج-   عند فحص العروض: 

    -         دراسة فحص عروض المترشحين المنتقين اوليا. 

    -         اقصاء العروض غير المطابقة لدفتر الشروط. 

    -         اعداد قائمة العروض المطابقة لدفتر الشروط مرتبة ترتيبا تفضيليا. 

    -         تحرير محضر اجتماع يوقعه كل الاعضاء الحاضربن خلال الجلسة. 

    -         تحرير محضر عدم الجدوى عند الاقتضاء يوقعه كل الاعضاء الحاضرين خلال الجلسة. 

    -         تسجيل اشغالها المتعلقة بدراسة العروض في سجل خاص مرقم و مؤشر عليه من طرف مسؤول السلطة المفوضة. 

    -         دعوة المترشحين الذين تم انتقائهم كتابيا و عن طريق مسؤول السلطة المفوضة لاستكمال عروضهم عند الاقتضاء.

     

     

    ‌د-      عند المفاوضات: 

    -         دعوة المترشحين الذين تم انتقائهم ،المعنيين بالمفاوضات كل على حدة ، مع إحترام بنود اتفاقية التفويض المحددة في المادة 48 اعلاه. 

    -         اعداد محضر المفاوضات على اثر كل جلسة تفاوض. 

    -         تحرير مخضر يضم قائمة العروض المدروسة من طرفها مرتبة ترتيبا تفضيليا.

    -         اقتراح المترشح الذي قدم احسن عرض على السلطة المفوضة لمنحة التفويض". 

     

    2:الرقابة الخارجية:

    تتمثل الرقابة الخارجية في إطار العمل الحكومي التحقق من مطابقة الصفقات المعروضة على الهيئات الخارجية للتشريع و التنظيم المعمول بهما و ترقى الرقابة الخارجية إلى التحقيق من مطابقة إلتزام المصلحة المتعاقدة للعمل المبرمج بكيفية نظامه  و لقد نص المشرع الجزائري في المادة 78 على هذه الآلية حيث تنص "

    تنشئ السلطة المفوضة في إطار الرقابة الخارجية لجنة تفويضات المرفق العام" ،

    أما المادة 81  فلقد نصت على  على صلاحياتها  " تكلف لجنة تفويضات المرفق العام بمايلي : 

    الموافقة على مشاريع دفاتر الشروط المتضمنة تفويض المرفق العام. 

    الموافقة على مشاريع اتفاقيات تفويض المرفق العام، و ذلك من خلال مراقبة الاجراءات المتبعة في اختيار المفوض له. 

    الموافقة على مشاريع ملاحق اتفاقيات تفويض المرفق العام. 

    منح التأشيرات للاتفاقيات المبرمة. 

    دراسة الطعون المودعة لديها من قبل المترشحين غير المقبولين و الفصل فيها" .

     

    ثالثا: الرقابة الوصائية :

    تستمد هذه الوصاية وجودها من خلال نص المادة 169 من المرسوم الرئاسي 15/247   و قوانين الجماعات المحلية و تنقسم إلى نوعين : رقابة نوعية و رقابة ملائمة ،  تهدف هذه الرقابة إلى تأمين الصفقات العمومية و تفويض المرفق العام. 

    تعتمد هذه الرقابة على الصلاحيات الموكلة للوصاية بموجب قوانين الإدارة الإقليمية و التي تعطي للوالي صلاحيات الرقابة الشرعية على مداولات المجالس المنتخبة. 

    يرسل إلى الوالي ملف عقد التفويض كاملا و كذا المداولة الخاصة بها.

     يمكن من خلال الملف للسلطة الوصية أن تدفع بعدم شرعية إبرام عقد التفويض في حالة مخالفة الإجراءات للأحكام التشريعية لا سيما المبادئ التي تقوم عليها إبرام عقد تفويض المرفق العام ، كما يمكن أيضا الدفع بعدم شرعية المداولة ، مثل عيب الإنحراف في إستعمال السلطة أو الخطأ في تطبيق القانون.

    و من العيوب التي يمكن أن تكتنف مداولة خاصة يذكر على سبيل المثال: 

    إتخاذ مداولة مخالفة للأحكام الدستورية و للقوانين و التنظيمات.

    المداولات التي تجري خارج الإجتماعات الشرعية. 

    المداولة التي يشارك فيها أعضاء من المجلس لهم مصلحة شخصية. و الملاحظ تحديد هذا النوع من الرقابة حسب المادة 164 من المرسوم الرئاسي 15/247 هو إرسال نسخة من التقرير المعد من طرف المصلحة المتعاقدة إلى سلطة ضبط الصفقات و تفويضات المرفق العام .

    رابعا - الرقابة المالية :

    تستمد هذه الرقابة من أجهزة و هيئات وزارة المالية أساسها القانوني من التشريع والتنظيم المعمول بهما فالوزارة تعمل على تحضير ومتابعة ورقابة الميزانية العامة للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات ذات الطابع الإداري . 

         يؤدي قسم الصفقات العمومية و تفويض المرفق العام بوزارة المالية دورا هاما فيما يخص التحضير لإعداد قانون الصفقات العمومية ، و كذا الإجابة على التساؤلات و الإشكالات التي تواجه المصالح المتعاقدة أثناء إبرام أو تنفيذ العقد أو الصفقة،  أما عن المهام الرقابية قبل و أثناء التنفيذ،  فيمارسها أعوان يخضعون لسلطة الوزير المكلف بالمالية و هم، المراقب المالي و المحاسب العمومي ، أما الرقابة البعدية فهي من إختصاص المفتشية العامة للمالية SOF .

     

    الرقابة القبلية للمراقب المالي : تقوم هذه الهيئة لمراقبة الإلتزامات التي تقوم بها الإدارة  ، سواء تعلق الأمر بالنفقات أو التعاقدات و هذا قبل أن توضع النفقة حيز التنفيذ ، أي قبل تصفية الأمر بتسديدها.  إن هذه الرقابة هي عمل وقائي  لقد نص المشرع الجزائري على أن أي مشروع أو ملحق يخضع لتأشيرة المراقب المالي.

     الرقابة المالية اللاحقة : تباشر الرقابة المالية اللاحقة بعد تنفيذ التصرفات المالية و إتخاذ القرار بصرف النفقات و تحصيل الإرادات ، و هي لا تحول دون أن يصبح الأمر بالتحصيل أو الأمر بالدفع نافذا ، كما هو الحال بالنسبة لرقابة المحاسب العمومي  و لا يكون إلا بعد إستيفاء الإجراءات القانونية اللازمة وتمارس من طرف المفتشية العامة للمالية و مجلس المحاسبة . 

     رقابة المفتشية العامة للمالية : هي جهاز أنشئ للرقابة المالية البعدية ، أحدثت بموجب المرسوم رقم 80/53 المؤرخ في 01/03/1980 المتضمن إحداث المفتشية العامة للمالية و الذي ألغي بالمرسوم التنفيذي رقم 92/78 المؤرخ في 22/02/1992  و الذي ألغى بدوره بموجب  المرسوم رقم 08/272 المؤرخ في 06/09/2008 المحدد لاختصاصات المفتشية العامة للمالية.

     رقابة مجلس المحاسبة : يعد مجلس المحاسبة مؤسسة للرقابة المالية اللاحقة , أحدث لأول مرة بموجب
    القانون
    20-05 المؤرخ في 01/03/1980 المتعلق بممارسة وظيفة المراقبة من طرف مجلس المحاسبة و تمت مراجعته و تعديله عدة مرات آخرها الأمر رقم 10-02 المؤرخ في 26-08-2010      

    خامسا: الرقابة القضائية: 

            تمارس الرقابة القضائية على عقود تفويض المرفق العام من قبل القضاء الإداري، و ذلك من خلال قضاء الإستعجال في حالة الإخلال بإعلان أو توفير المنافسة عند إختيار صاحب التفويض ،أو عن طريق الطعن في القرارات المتعلقة بتنفيذ العقود لتجاوز السلطة . 
    كما يمكن
    اللجوء إلى قاضي العقد عند إخلال أحد طرفيه في الالتزامات المترتبة عليه , أو عند حدوث ظروف طارئة من شأنها الإخلال بالتوازن المالي للعقد.

    1- قضاء الإستعجال : إن قضاء الاستعجال تفرضها ضرورة الحفاظ على حقوق و مصالح أحد الأفراد أو حماية المصلحة العامة ، و لها طابع وقائي احتياطي مؤقت تكون قابلة للتطبيق واقعيا ،  و لذلك لا يجوز أن تتعرض لأصل الحق أو أساس الدعوة   فقضاء الإستعجال ، يختلف عن طلب وقف تنفيذ القرار الإداري  بمناسبة دعوى إبطال القرار الإداري،   ولأعمال الرقابة القضائية ينبغي توفر الشروط التالية: 

    مخالفة المبادئ التي يقوم عليها عقد تفويض المرفق العام.

    اللجوء إلى القضاء الإستعجالي من قبل صاحب المصلحة.

    يقتضي أن لا يكون العقد قد تم توقيعه .

     2- الطعن لتجاوز السلطة : يوجد عدد من القرارات التي تتخذ قبل إبرام العقد و هذه القرارات تعد منفصلة عن عقد التفويض نفسه و منها القرار بإبرام العقد , إذا كان صادرا عن سلطة إدارية أو القرار بالتصديق على إختيار صاحب التفويض و هذه القرارات تجعل إبرام العقد ممكنا يمكن الطعن فيها لتجاوز السلطة بالبنود التنظيمية لعقد تفويض المرفق العام، وهذه البنود هي المتعلقة بتنظيم و تشغيل المرفق العام.

    و يمكن للمستفيدين من خدمات المرفق العام أن يطعنوا بالإجراءات المتخذة في إطار تنفيذ العقد .



     

  • Section 9

    المطلب الثاني: عقد البوت

          يعتبر هذا النوع من العقود مطلبا للبنك الدولي في إطار الخصخصة للدول الراغبة في التعامل معه، حيث وجدت العديد من الدول العاجزة ماليا عن إدارة الم ارفق العامة الاقتصادية بسبب الخسائر الضخمة في القطاع العام، ومن هذا الأساس اتجهت إلى القطاع الخاص لتسييرها وعلى أرسها الدولة الجزائرية.

    أولا:تعريف عقد البوت

    لقد فرض القطاع الخاص وجوده في بعض المشاريع التي كانت في الماضي حكرا للدّولة، حيث أصبح يقوم بتمويل إنشائها وتشغيلها لمدة محددة من الزّمن ثم إعادتها للدّولة، وهو ما يعرف بعقد البوت (BOT)

    " هو عقد إداري حديث، يستهدف القيام بمشاريع ضخمة تعهد بها الدولة إلى إحدى الشركات الوطنية والأجنبية، للقيام بإنشاء مرفق عام وتشغيله لحسابها الخاص، مدة من الزمن ،على أن تلتزم بنقل ملكيته إلى الدولة، أو الهيئة العامة، بعد انقضاء المدة المتفق عليها.[1]

    واصطلاح ال B.O.T  هو اختصار لثلاث كلمات إنجليزية وهي: 

    البناء بمعنى (Build): إنجاز هذه المهمة يقع على عاتق المستثمر من القطاع الخاص الذي يسمى في إطار عقد البوت بشركة المشروع وتبرم في العادة هذه الشركة اتفاقا مع شركة مقاولات متخصصة لغرض بناء المرفق [2].

    التشغيل بمعنى (operate): إذ تتولى شركة المشروع وبعد انتهاء مرحلة بناء المرفق وتشييده إدارته واستغلاله. وغالبا ما يجري الاتفاق مع مقاولات متخصصة لغرض بناء المرفق. 

    نقل الملكية بمعنى (Transfer) وفي هذه الناحية يتشابه عقد البوت مع عقد تفويض الم ارفق العامة من جهة، ويتميز بها عن الخوصصة، إذ أنه بانتهاء مدة العقد تلتزم شركة المشروع بإعادة المرفق إلى الجهة الإدارية المتعاقدة من دون مقابل وبحالة جيدة.

    منهم من عرفه أنه:" تلك المشروعات التي تعهد بها الحكومة إلى إحدى الشركات وطنية كانت أم أجنبية وسواء أكانت شركة من شركات القطاع العام أم القطاع الخاص (وتسمى شركة المشروع)، وذلك لإنشاء مرفق عام وتشغيله لحسابها مدة من الزمن ثم نقل ملكيته إلى الدولة أو الجهة الإدارية.

    أسلوب البناء والتشغيل ونقل الملكية – BOT – هو: "نظام من نظم تمويل مشروعات البنية التحتية حيث تعهد الدولة إلى شخص من أشخاص القانون الخاص يطلق عليه في العمل شركة المشروع بموجب اتفاق يبرم بينهم يسمى الترخيص تلتزم شركة المشروع بمقتضاه بتصميم وبناء مرفق من م ارفق البنية التحتية ذات الطابع الاقتصادي و يرخص لشركة المشروع بتملك أصول هذا المشروع وتشغيله بنفسها أو عن طريق الغير ويكون عائدا تشغيل المرفق خالصا لها على نحو يمكنها من استرداد تكلفة المشروع وتحقيق هامش ربح طوال مدة الترخيص وتلتزم شركة المشروع بنقل ملكية أصول المشروع إلى الدولة عند نهاية الترخيص بالأوضاع والشروط المتفق عليها

    ثانيا: خصائص عقدالبوت

    1: إبرام العقد بين الدولة أو أحد الهيئات التابعة لها من طرف خاص

    تبرم هذه العقود بين طرفين أولهما الدولة أو أحد الأشخاص الإدارية وثانيهما قد يكون شخصا طبيعيا أو شركة أو مجموعة من شركات وطنية أو أجنبية، وقد ظهرت هذه العقود في الأساس كوسيلة لتمويل المشروعات العامة، وهي بذلك تعد وسيلة هامة تساعد في انتعاش الاقتصاد وتعزيز التنمية وانطوت على الشروط والضمانات التي تحافظ على المصلحة العامة للدولة المضيفة، ولقد عرف القطاع الخاص كذلك التعاقد وفق هذا الأسلوب، الا أن هذا لن ينال من المستقر عليه في العمل الدولي لهذه العقود باعتبار وجود السلطة العامة كطرف رئيسي في العقد.[3]

    2: الهدف من هذه العقود هو إنشاء مرافق عامة لتقديم خدمات ذات نفع عام 

    إن الهدف من إقدام الدولة أو أحد الأشخاص الإدارية على التعاقد وفق أسلوب البناء والتشغيل ونقل الملكية هو إنشاء مرافق عامة اقتصادية، وذلك لتقديم خدمات ذات نفع عام لجمهور المنتفعين كم ارفق الطر ق، تحلية مياه البحر، الكهرباء، المطارات، الموانئ والاتصالات وغيرها.

    3 : إشراف الدولة على المرفق طوال مرحلتي التشييد والاستغلال  

    من حق الجهة الإدارية المتعاقدة القيام بمهمة الإشراف والرقابة على شركة المشروع أثناء قيامها بمهمة بناء وتشييد المرفق محل العقد، وذلك للتأكد من الت ازمها بالمواصفات الفنية والهندسية المتفق عليها في العقد، كما ينشأ الحق للجهة الإدارية المتعاقدة في الإشراف والرقابة على شركة المشروع طوال مرحلة تشغيل الم رفق وذلك للتأكد من قيام شركة المشروع ببيع خدمات المرفق للجمهور بالأسعار والجودة المتفق عليهما وذلك في الحالة التي تتولى خلالها شركة المشروع تقديم الخدمة مباشرة لجمهور المنتفعين، وذلك أن الشركة المنفذة للمشروع في هذه الحالة تنوب عن الجهة الإدارية في تقديم خدمة المرفق العام للجمهور، وبالتالي فإن هذا الحق ينشأ للجهة الإدارية المتعاقدة، من أجل حماية مصالح المواطنين من جهة والحفاظ على مصلحة الدولة من جهة ثانية. [4]

    4: ملكية الجهة الإدارية المتعاقدة للمرفق طوال مدة العقد 

    ملكية الجهة الإدارية المتعاقدة للمرفق العام طوال مدة العقد تثبت في عقد ال BOT  وأغلب صوره ومشتقاته، حيث تتخلى الدولة أو الجهة الإدارية المتعاقدة في هذا النوع من العقود، عن إدارة واستثمار المشروع فقط، على اعتبار أن ذلك بعد من صلاحيات وحقوق شركة المشروع، غير أن ذلك لا يمنع من كون المرفق العام المنجز وفق هذه العقود يتصف بالعمومية، وهو ما يخول للإدارة طيلة مدة الامتياز الاحتفاظ بحقي الملكية والتنظيم فضلا عن حق الرقابة على التنفيذ والاستغلال تطبيقا لمبادئ دوام سير المرفق العام بانتظام وإط ارد ومساواة المنتفعين من خدماته.[5]

    5: عقد ال BOT  آلية لتمويل وإنشاء المرافق العامة 

    يتولى المستثمر، ممثلا في شركة المشروع، بموجب الاتفاق المبرم وفقا لهذه العقود ،تمويل إنشاء وتشغيل المشروع محل العقد سواء كان هذا المشروع من مشاريع البنية التحتية أو المرافق العامة.

    ويمثل تمويل المشروع حجر الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام التعاقدي، ويستند هذا النوع من التمويل على ثبوت الجدارة الانتمائية لشركة المشروع، أي قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المقرضين، وكذلك قدرتها على استقطاب التمويل حتى قبل بدء البناء، أو جني أي إيرادات، ويكون الاقتراض على أساس ذلك الائتمان.

    وتكون مشاركة المستثمر في تمويل المشروع بصفة كلية أي أنه يتحمل على عاتقه مسؤولية توفير التمويل اللازم لإنشاء وتشغيل المشروع بصفة كلية وأحادية، وقد تكون مشاركة المستثمر في التمويل جزئية وبنسب محددة في شركة المشروع، والتي يمكن أن يمثل إحداها كما أن مصادر التمويل قد تكون بنوكا أو مؤسسات مالية أجنبية كما يمكن أن تكون بنوكا أو مؤسسات مالية وطنية أي تابعة للدولة المضيفة.

    6: تنفيذ عقد ال BOT في شكل امتياز يمنح لمدة محددة تسمى مدة الامتياز  

    عادة ما تكون هذه المدة طويلة نسبيا، وذلك تمكينا لشركة المشروع من تغطية نفقات إنشاء المشروع أو الم ارفق، أو صيانته أو تجديده، إضافة إلى الحصول على إي اردات مالية وأرباح، كنتيجة لاستغلال المرفق، ويتم ذلك في شكل رسوم تتقاضاها شركة المشروع من المنتفعين من المرفق بدل الخدمات المؤداة لهم، بما يتيح لها تحقيق هامش معقول من الربح.

    ثالثا: نهاية عقد البوت

    ينتهي عقد البوت بتنفيذه تنفيذا صحيحا وفق الاتفاق فتنقل ملكية الأرض إلى الدولة في نهاية المشروع، إلا أنه توجد حالات ينتهي بها هذا العقد دون تنفيذ والتي تكون في الغالب إنهاء العقد بالاتفاق أوإنهاء العقد بالإدارة المنفردة. 

    1: إنهاء العقد بالاتفاق  

    يمكن أن ينتهي عقد البوت نهاية طبيعية وذلك عند انتهاء المدة المتفق عليها، وهذه المدة تعد من الشروط التعاقدية للاتفاق، حيث يجوز للإدارة تجديد العقد لمدة مماثلة بشرط إخطار الطرف الثاني قبل نهاية العقد بمدة زمنية كافية ومعقولة، كما قد يتفق أطراف العقد على أنه توجد حالات أخرى ينتهي فيها هذا العقد دون تدخل
    إدارة الأطراف [6]وهي كما يلي: 

    – حالة الظروف الطارئة والقوة القاهرة 

    قد يتفق طرفا عقد البوت على أنه يجوز لأحدهما أو كلاهما طلب إنهاء العقد نظ ار لوجود قوة قاهرة خارجة عن إ اردتهما، وبالتالي يعوض الطرف المتضرر أي الملتزم لما لحقه من خسارة جراء ذلك الانتهاء، ومثال ذلك ما جاء في نص المادة 15 من اتفاق عقد البوت المبرم بين هيئة كهرباء مصر ٲنترجن سيدي كرير، بأن المقصود بالقوة القاهرة أي حادث أو مجموعة أحداث أو ظروف خارجة عن الإدارة المعقولة لأحد الأطراف ولم يكن توقعها أو وضع الاحتياط المناسب لها، وتؤثر تأثي ار أساسيا على تنفيذ ذلك الطرف لالت ازماته المناسب لها.

    ومن الحالات التي تدخل في مفهوم الظروف الطارئة والقوة القاهرة، حالة حرب أو نزاع مسلح أو عدوان أجنبي أو ثورة، أي شغب أو تمرد أو عمليات إرهابية أو أي تشدد ديني أو عنصري على مستوى الدولة. إضافة إلى التلوث الكيمياوي أو الانفجارات النووية والصواعق والحدائق والزلازل والبراكين ... والأمراض والأوبئة. وهكذا يصبح الاتفاق بين الطرفين ضمن القانون الذي ينظم العلاقة القائمة بين هذان الطرفان، أما عندما يتم الحديث عن القوة القاهرة في العقد دون تحديد مضمونها ونطاقها، فإنه في هذه الحالات لا يوجد ما يمنع من اللجوء لقانون الدولة المقر.
    حالة الفسخ 

    ينتهي عقد البوت قبل مدته المحددة في الحالات التالية:

    -              انتهاء العقد باتفاق الطرفين: وهو أمر مشروع، فالعقد يتكون بإ اردة طرفيه، ولا مانع من أن ينتهي قبل ميعاده باتفاق طرفيه. على أن ذلك يقتضي أن تعبر الإدارة عن رغبتها في ذلك بصورة صريحة، وأن يكون لديها من الأسباب ما يبرر ذلك.

    -              انتهاء العقد بنص القانون: ينتهي العقد بقوة القانون، في حالات متعددة، لعل أهمها: الإعلان عن إعسار الملتزم أو إفلاسه، وكذلك حالة نشوب حرب أدت إلى تدمير المرفق العام موضوع العقد أو ما يطلق عليها مصطلح القوة القاهرة، وأيضا وفاة الملتزم إذاتضمن العقد شرطا يقضي بفسخه حالة وفاة الملتزم.

    -              إنهاء العقد من قبل الإدارة: ويتجلى حق الإدارة الأصيل في إنهاء عقد الالتزام دون أن يرتكب المتعاقد أي خطأ، حيث تقع هذه الحالة في مرحلة متوسطة بين القوة القاهرة والظروف الطارئة، وهنا لا يتطلب القضاء استحالة في التنفيذ بل مجرد قلب التوازن المالي للعقد نهائيا.

    -              إنهاء العقد بإسقاط الالتزام أو سحبه: إسقاط الالتزام أو سحبه يعني إنهاء الالتزام قبل نهاية مدته نتيجة لخطأ الملتزم الجسيم وعلى حسابه، ولتوقيع هذا الإجراء لابد من توافر مجموعة من الشروط مجتمعة قبل استخدام الجهة الإدارية لهذا الحق.

    -              فسخ العقد قضائيا ويتم ذلك بناءا على طلب المستثمر المتعاقد مع الإدارة لإخلال الإدارة بأحد التزاماتها التعاقدية المنصوص عليها في العقد. [7]

    2: إنهاء العقد بالإرادة المنفردة  

    الأصل العام هو عدم جواز تصرف أي من الطرفين بإرادته المنفردة، إلا استثناء فإنه توجد حالات تقوم فيها الدولة أو شركة المشروع بإنهاء العقد بالإرادة المنفردة.

    ·                   – إنهاء العقد بالإرادة المنفردة للدولة

    ففي هذه الحالة لا يجوز ذلك إلا بوجود نص في عقد البوت يعطي الإدارة أو الدولة هذا الحق وذلك لأنه لا يجب الخروج عن الشروط التعاقدية الواردة بهذا العقد اقتضاءا للصالح العام، لأن جهة الإدارة تتحلل بفكرة المصلحة العامة لإنهاء العقد.

     

    ·                   – إنهاء العقد بالإرادة المنفردة لشركة المشروع   

    لا يتصور في غالب الأمور أن تقوم شركة المشروع إنهاء العقد بإرادتها المنفردة إلا في بعض الحالات كقيام الشركة بعدم تنفيذ العقد بعد أن تبين لها عدم وجود تمويل كافي أو عدم جدوى المشروع من الناحية الاقتصادية، أو في حالة قيام شركة المشروع بارتكاب أخطاء جسمية قد تكبدها تعويضات باهظة للدولة فتعمد إلى ترك مقر المشروع وتسليمه للدولة تفاديا للخسائر.

    وفي الأخير يمكننا القول إن عقود البوت تنتهي كسائر العقود الإدارية الأخرى إما نهاية طبيعية بانقضاء المدة المتفق عليها، وقد تنتهي نهاية غير طبيعية عن طريق الفسخ وذلك باتفاق أو عن طريق القضاء أو بقوة القانون.

    رابعا: تقييم عقود البوت

    يتميز عقد البوت كغيره من العقود الإدارية بمجموعة من المزايا التي نميزه عن غيره من العقود، غير أن ذلك لا يعني خلوه من العيوب .

    1: مزايا عقد البوت

    ·       -تخفيض العبء على الميزانية العامة للدولة وتنشيط المرافق العامة: حيث يتحمل القطاع الخاص تمويل إنشاء المرافق العامة واستغلالها، فهو يخفض من عجز الميزانية، وبذلك ت جنب الديون الداخلية والخارجية وبذلك فالمخاطرة يتحملها القطاع الخاص.

    ·       -إيجاد فرص عمل وتخفيض نسبة التضخم: تهدف عقود ال BOT   إلى إنشاء مرافق عامة وتسييرها، مما ينتج عنه إتاحة المزيد من فرص العمل، مما يحد من البطالة والتضخم، وخلق قاعدة صناعية وخدماتية، كإنشاء الطرق ومحطات الكهرباء والمرافق العامة، وخلق إطار جديد للعمال والإطارات والتي تستطيع تحمل مسؤولية تسيير المرفق بعد نهاية العقد وانتقال الملكية للدولة.

    ·       يؤدي عقد البوت إلى جذب الاستثمارات الخارجية، كون هذا العقد يتعلق بمشروعات البنية الأساسية، وهو ما يجعلها تتميز بنوع من الضخامة بحيث تحتاج في أغلب الأحيان لمستثمر أجنبي.

    ·       مساعدة الدولة على توجيه مواردها العامة نحو الكثير من القطاعات الاستراتيجية التي يعجز القطاع الخاص عن تنفيذها.

    ·       الاعتماد على أرسمال القطاع الخاص وتقنياته وخب ارته، وذلك من ٲجل تحقيق تكاليف إنشاء المشاريع.[8] 

    ·       توسيع فرص عمل التنمية الاقتصادية ونقل التكنولوجيا: تعتبر عقود ال BOT، فرصة مناسبة لنقل التكنولوجيا إلى الدول النامية والإدارة الخاصة بلا شك هي أكثر فعالية وكفاءة من إدارة الدولة.

    ·       تعدد المشاريع ذات المنفعة العامة.

    ·       تصحيح فعالية القطاع العام عن طريق القطاع الخاص.

    ·       صيغة الحل الوسط في الشراكة بين القطاع العام والخاص، تجعله متقبلا بصورة أسهل طريقة البوت

    2: عيوب عقد البوت BOT:

    ·       بالرغم من المزايا الكثيرة التي يتمتع بها عقد البوت إلا أن هناك بعض العقبات التي قد تواجهه أثناء تطبيقه، ويمكن أن نجمل أهم العيوب الناتجة عن تنفيذه فيما يأتي:

    ·         توظيف عائدات الاستثمار في الخارج: قد لا يؤدي نظام ال BOT إلى جذب رؤوس الأموال، بل يكون العكس تحويل العائدات للخارج، مع حصوله على قروض من المؤسسات المالية الوطنية.

    ·         التزام الدولة بشرء الخدمات وضمان تسديد المقابل: قد يؤدي نجاح هذه الطريقة إلى منح هذه الشركات ضمانات مت ازيدة، قد تؤثر سلبا، كما لو التزمت الدولة بش ارء الخدمة التي تقدمها الشركة وبضمان تسديد مقابل الخدمة.

    ·         - عمليات الاحتكار وما ينتج عنها من مساوئ : تتضمن العقود في الغالب على شروط الاحتكار التي يجب على الدولة الالتزام بها، تشترط الشركة على الدولة، مما يؤثر على المنافسة.

    ·         طوال مدة العقد وما قد ينتج عنها من حسنات في مصلحة المستثمر وسيئات في مصلحة الدولة المانحة.

    ·         التزام المنتفعين بتكاليف إضافية خاصة بسبب طوال مدة العقد.

    ·         تراجع سيطرة الدولة على المرفق: بسبب طول مدة عقد ال BOT، تتراجع مع الوقت سلطة الدولة على المرفق، فتقل الرقابة ومطابقة المعايير والمواصفات، وهذا يؤثر سلبا على حسن سير المرفق ونوعية الخدمة العمومية المقدمة.

    – تأثير عدم استقرار النظام السياسي الذي يؤثر سلبا على فعالية المرفق العام