جماليات السرد العربي القديم
مخطط الموضوع
-
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة كلية الآداب واللغات قســـــــــــــم اللغـــــــــــة والأدب العــــــــــربــــــي السنة الجامعية : 2020/2021
مقياس : جماليات السرد العربي القديم نوع الحصة : محاضرة
الفئة المستهدفة : السنة الثالثة ليسانس التخصص : دراسات أدبية
المدة المخصصة للحصة : ساعة ونصف السداســـــــــي : الخامس
الأستاذ : مداور محمد
المحاضرة الأولى (1): السرد العربي القديم، النشأة والتطور
سنتناول في هذه المحاضرة أولى القضايا المتعلقة بالسرد العربي القديم، بدءا بتحديد مفهوم السرد لغة واصطلاحا، مرورا بقضايا نشأة السرد العربي وتطوره من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي، محاولين بيان الجدل الذي طبع العلاقة بين الإسلام بالسرد.
1/ مفهوم السرد:
أ/ المفهوم اللغوي للسرد: وردت لفظة "سرد" في القرآن الكريم مرّة واحدة في قول الله تعالى: {{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)}} (سورة سبأ، 10، 11). قال القرطبي في تفسيره: "وقدِّر في السردِ": السّرد نسج حَلَق الدّروع، والسّراد هو صانع الدروع... ويقال: قد سردَ الحديث والصوم، فالسرد فيهما أن يجيء به وِلاءً في نسق واحد. ومنه سرد الكلام. وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن "يسرد الحديث كسردكم وكان يحدّث الحديث لو أراد العادّ أن يعدّه لأحصاه."
وقد وردت كلمة "سرد" في معاجم اللغة العربية للدلالة على معان مختلفة منها: سرد الحديث يسردُه سردا أي: يتابع بعضه بعضا. والسرد تداخل الحَلَق بعضها في بعض. ويقال فلان يسرد الحديث إذا كان جيّد السياق له، وسردَ الصوم تابعه. وقد قيل عن الأشهر الحُرم: ثلاثةٌ سردٌ أي متتابعة وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم وواحد فرد وهو رجب.
يتّضح لنا من خلال هذه التحديدات اللغوية أن السرد هو التتابع والانتظام والاتساق والربط المحكم بين أجزاء الشيء، وإذا ربطنا السرد بالكلام أصبح السرد عملية منتظمة يقوم بها سارد يروي حديثا منتظما ومتسقا. والحديث/ السّرد الجيّد هو ما انتظمت أجزاءُه واتّسقت معانيه(دلالاته) لشدّ انتباه السامع والتأثير فيه.
2ــ المفهوم الاصطلاحي للسرد: يعرّف السرد بأنّه نقل الأحداث والوقائع والأخبار إلى مستمع أو قارئ، وهو ما يفترض وجود "سارد" ينقل هذه الوقائع وليس هو الكاتب بالضرورة، بل هو وسيط بين الأحداث ومتلقيها. ويسمى الحقل العلمي الذي يهتم بدراسة السرد بـ "السرديات" أو علم السرد( Narratologie). والسّرديات هي فرع من حقل أوسع يسمى الشعرية التي تعنى باستنباط القوانين الداخلية للأجناس الأدبية واستخراج النظم التي تحكمها والقواعد التي توجّه أبنيتها وتحدّد خصائصها وسماتها. وعلى هذا الأساس تكون السرديات علما موضوعه السرد، فهو علم "يعنى بمظاهر الخطاب السردي أسلوبا وبناء ودلالة" من أجل الكشف عن جمالية وأدبية هذا الخطاب.
لم يستعمل العرب مصطلح "السرد" للدلالة على نوع مخصوص من كلامهم، ولكنّهم استعملوا مصطلحات أخرى للدلالة على المفهوم ذاته تقريبا. ومن هذه المصطلحات نذكر: القصّ والرواية والحكي والإخبار. وهي مصطلحات تتشابه إلى حدّ كبير وتتداخل في الدلالة. وفي ذلك كلّه دليل على معرفة العرب بالسرد. ولعلّ في ذكر القرآن الكريم للفظ القصّ مرات عدة وبصيغ مختلفة دليل على معرفتهم بهذا النوع من الكلام (السرد) ووجوده في الثقافة العربية قبل الإسلام. وقد شاع استعمال مصطلح "القصّ" في الثقافة العربية بعد وروده في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي؛ وكانت الدلالة العامة للمصطلح هي سرد أخبار الأوّلين بهدف الموعظة والتدبّر والاعتبار.
يعدّ السرد إذن؛ مفهوما عاما وجامعا إذ يمكن أن يتضمن كلّ كلام ذي طبيعة إخبارية يعبر عنه بمصطلحات متعدّدة، ويتأطّر ضمن أجناس تعبيرية مختلفة، فالسرد لا ينحصر في كتب تراثية محدّدة وإنما يتوزع عبر مؤلفات كثيرة. ومن هنا تتبين ضخامة المدونة السردية العربية التراثية التي يستعصي علينا حصرها. فهي تضمّ القصص القرآني والقصص النبوي وكتب الأخبار والسير والتراجم والتاريخ والرحلات والمقامات والحكايات... وهي أجناس تتراوح بين السرد الحقيقي والسرد التخييلي.
2/ السرد العربي، النشأة والتطوّر:
أ/ المرويات السردية في العصر الجاهلي:
كانت العرب أمّة شعر في الجاهلية، وقد اهتموا به كفنّ قولي أفرادا وجماعات ووظفوه في مناحي حياتهم المختلفة وكان ديوانهم بلا منازع. أمّا النثر فلم يلق الاهتمام نفسه، حيث لم يضِع من الشعر إلا القليل. ولم يصل إلينا من النثر إلا قليله لأسباب عديدة أبرزها ضعف الذاكرة وخلو الشعر من الوزن. وعلى هذا الأساس ظلّ السرد باعتباره خطابا نثريا مهمّشا ومسكوتا عنه في الدراسات النقدية لقرون متواصلة، رغم أنّ النثر أسبق من الشعر.
اهتم العرب في الجاهلية بسرد أخبار بطولاتهم ومآثرهم في الحروب والمعارك وهو ما شكل مادة سردية أطلق عليها الدارسون اسم "أيام العرب"؛ وهي تدل على الحوادث والوقائع الكبرى والحاسمة في حياة الأمة العربية قبل الإسلام وفي صدره، فهي "الحروب والمناوشات التي وقعت بين القبائل بعضها مع بعض، أو بين ملوك اليمن والقبائل أو بين الفرس والعرب أو بين الملوك العرب والقبائل." وكان العرب يتداولون أخبار تلك الأيام مشافهة في مجالسهم ومسامراتهم لغايات مختلفة أبرزها الافتخار والاعتبار، وقد ضاع معظم هذه المرويات السردية لعدم تدوينها. ومن أشهر أيام العرب قبل الإسلام: معركة ذي قار بين العرب والفرس. وموقعة الفيل، وحرب داعس والغبراء وحرب البسوس وحرب الفجّار.
عرف العرب تداول نوع آخر من المرويات السردية يندرج ضمن الأساطير والخرافات، ولعلّ أبرزها أساطير الأوّلين وأخبار السحر والكهانة وحكايات الجنّ والشياطين والسعالى والغيلان وأخبار مغامراتهم مما نقرأ في قصائد بعض الشعراء مثلا. وغير ذلك من الحكايات التي كان للخيال العربي دور في تشكيلها. ويتجلى السرد أيضا في قصص الأمثال؛ فالمثل جملة بليغة موجزة يتم تداولها في سياقات مشابهة، ومواقف محدّدة بهدف الاعتبار. ووراء كلّ مثل تكمن قصة (حادثة) تشكل الإطار السردي وتسمى "الحكاية التفسيرية،" بينما يشكّل المثل الفكرة التي تمثّل "المغزى" المستخلص من القصة. فهما مترابطان، إذ إنّ ذكر المثل يستدعي بالضرورة سرد الحكاية التي أنتجته ويحيل إليها.
ب/ الإسلام والسرد:
لقد ضاعت معظم المرويات السردية الجاهلية، وقد أشار "الجاحظ" إلى هذه القضية بقوله: "ما تكلّمت به العرب من جيّد المنثور أكثر مما تكلّمت به من جيّد الموزون، فلم يُحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره." إنها مقولة تؤكّد الحقيقة المرّة وهي اندثار كثير من المرويات السردية (التي هي جزء من النثر) وإسقاطها من تاريخ الأدب العربي. اهتم الرواة بالشعر وأهملوا رواية النثر لأسباب عديدة لعلّ أبرزها الإقصاء الذي فرضته العقيدة الجديدة (الإسلام) والتي ترى في تلك المرويات الجاهلية حوامل لعقيدة وثنية مخالفة ومعادية لها، باعتبار الإسلام دين توحيد، لذلك حوصرت ومنعت من التداول من قبل الرواة. لكنّ هذه المرويات الجاهلية لم تندثر نهائيا إذ تحوّل وتكيّف بعضها ليندمج ضمن السياق الجديد الذي فرضه الإسلام.
أطلقت عبارة "أوابد العرب" أو "أساطير الأوّلين" على المرويات الجاهلية التي تتعارض مع العقيدة الإسلامية. إنّها "أمور كانت العرب عليها في الجاهلية، وبعضها يجري مجرى الديانات، وبعضها يجري مجرى الاصطلاحات والعادات، وبعضها يجري مجرى الخرافات وجاء الإسلام بإبطالها." وبذلك أُسقِطت من مسار التاريخ الثقافي حيث ذمّها القرآن الكريم وأقصاها التدوين. حيث ذكرت عبارة "أساطير الأوّلين" في القرآن الكريم تسع مرات، جاءت كلّها في سياق الذم والانتقاص. ومن ذلك قوله تعالى: }}وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ {{ .
قال بعض المفسرين: إنّ هذه الآية قد نزلت في "النضر بن الحارث بن علقمة" الذي كان يختلف إلى بلاد فارس والحيرة (عاصمة المناذرة)، فتعلّم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار ولمّا عاد إلى مكة وجد محمدا (ص) قد بعثه الله. وهو يحدّث الناس بما أوحي إليه. فكان إذا قام من مجلسه، جلس فيه النضر يحدّث الناس بأخبار أولئك، ثمّ يقول: بالله أيهما أحسن قصصا؟ أنا أو محمد؟ وقد أُسِر يوم بدر، وأمرَ النبيّ (ص) بقتله صبرا (أسيرا) لِما كان يقول في كتاب الله. حيث وصف القرآن(الوحي) بالقصّ، وقال إنّه مجرد أساطير ثمّ ادعى أنه يستطيع أن يأتي بمثلها، بل نازع النبيّ(ص) مكانته عندما قارن أساطيره بالقصص القرآني.
لقد شكّك "النضر بن الحارث" في القرآن وحاول تقويض دعوة الرسول الجديد عن طريق شبهة القصّ. وقد وجد النبي صعوبة في نفي هذه التهمة/ الشبهة عن دعوته. رُمي بالسحر والكهانة والشعر والكذب، فبرّأه الله في القرآن، ولكنّ تهمة القصّ يصعب نفيها، لأنّ كلّا من الرسول(ص) والنضر يقصّ (يسرد) أخبارا على مستمعيه. ولذلك بيّن القرآن الفرق بين هذين النوعين من القصص؛ فالقصص القرآني هو "القصص الحق" الصادق الذي يهدف إلى الاعتبار والتدبر، أما مرويات النضر فهي مجرّد أساطير وأباطيل مذمومة.
قُتل النضر صبرا بعد أسره يوم بدر، بسبب الأذى الذي ألحقه بالرسول(ص) ودعوته عن طريق القصّ، وصودرت مروياته لأنّها معارضة لدعوة النبي (ص) وللعقيدة الجديدة. وكذلك طمست المرويات التي كانت قبل الإسلام ولم تسمح السلطة الدينية بتداولها. وما بقي منها تكيّف واندرج ضمن النسق الثقافي الذي رسمه الإسلام.
بالمقابل؛ احتفى الإسلام بالمرويات السردية التي لا تتعارض مع الدعوة/ العقيدة الجديدة ومن أمثلة ذلك "خبر الجساسة" الذي سمعه الرسول (ص) من الصحابي "تميم بن أوس الداري"، فصدّقه وفرِح بخبره، ولم يتوقّف به الأمر عند هذا الحدّ، بل حدّث به أصحابه على المنبر. فرغم ما في الخبر من غرابة، إلا أنّ النبي(ص) صدّق راويَه وأذاع الخبر/ القصة لأنه وافق دعوته. وقد استغلّ النبي (ص) القصّ كوسيلة لتثبيت دعوته ورسالته، حيث نصّب تميما الداري قاصّا في مسجده ليحدّث الناس ويعظهم. وفي ذلك دليل على المكانة الكبيرة التي كان يحظى بها القص في البيئة العربية، وأهميته البالغة في التأثير على الناس.
ساعَد على انتشار القصّ دعم المؤسسة الرسمية في عهد النبي وفي عهد الخلفاء،حيث انتدبوا قصّاصا يحدّثون الناس في المساجد في أوقات محددّة، ويذكر الجاحظ أنّ "أبا عليّ الأسواري" قصّ على الناس في المسجد ستا وثلاثين سنة "فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات، لأنه كان حافظا للسير ولوجوه التأويلات فكان ربّما فسّر آية واحدة في عدّة أسابيع." أصبح القص إذن؛ مقيّدا بتفسير القرآن والحديث والوعظ والتذكير، وكلّ ما خرج عن هذه الموضوعات عُدّ باطلا مذموما. وهنا تشكلت في الوعي الجماعي ثنائية ضدّية هي(الوعظ والقص)؛ وهي ثنائية تحطّ من قيمة القصّ الذي يبتعد عن الدين وتعلي من شأن الوعظ، إذ ارتبط القصّ بالعامة فيما ارتبط الوعظ بالخاصة. لذلك ذُمّ القصاص وطردوا من المساجد، واتخذوا من الأسواق والأماكن العمومية مجالس يمارسون فيها نشاطهم (القص).
خضع القص/ السرد للشروط والحدود التي رسمها له الإسلام وهي: الصواب والتثبّت والتدبّر والموعظة والاعتبار. فأضحى القصّ أقرب إلى التاريخ منه إلى الفن الإبداعي المتخيل الذي لا يقوم على مثال. اختلط القاص بالإخباري ثم بالواعظ، حيث أصبح القص ممارسة إخبارية وعظية تهدف إلى غاية دينية، ولم يعرف القصّ والقاصّ إلا كذلك في الثقافة العربية الإسلامية. وعلى هذا الأساس حرّمت واستبعدت المرويات السردية الجاهلية التي تندرج تحت مسمى "أوابد العرب" لما تحمله من قيم مخالفة، وحلّ محلّها الوعظ والتذكير وقص أخبار الأولين بهدف الاعتبار.
لقد ارتبط القص يومئذ بفضاء خاص هو مجلس الحديث في المسجد في أوقات معروفة(محددة)، وفحواه الوعظ والإرشاد، وقد تلقى القصاص دعما مباشرا من المؤسسة الدينية، ولم يتردد بعض الخلفاء في حضور تلك المجالس في القرنين الأول والثاني الهجري، وقد كان "تميم الداري"، وهو رائد القص في الإسلام يقص في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ارتبط القصّ بالفقهاء وأهل الحديث ممّن يتصفون بالزهد والورع والتقوى.
كثُر القصّاص وتعاظم دورهم، وأصبحوا يعيّنون من قبل الخلفاء والولاة. وقد استعمل الخلفاءُ القصّاصَ في عهد بني أميّة لشحذ همم الجنود في الحروب، واتخذوا لهم قصّاصا يقصّون عليهم في مجالسهم الخاصة. وكانوا يحرصون على متابعة القصاص ومراقبة نشاطهم. وقد ساعد على هذه المتابعة اتصاف القصّاص بالتقوى والورع؛ إذ كان جلّهم من الصحابة والتابعيين أو تابعي التابعين، وكانوا قضاة أو محدّثين. ومن أشهر القصاص بعد "تميم الداري" نذكر: "أبو حازم القاصّ" الذي كان يحدّث في مسجد المدينة، و"عبيد بن عمير" و"الأسود بن سريع" الذي كان يحدّث في المسجد الجامع بالبصرة و"يزيد الرّقاشي" و"وهب بن منبّه" و"كعب الأحبار" و"سعيد بن جبير" و"الحسن البصري" (ت111ه) و"صالح المري" الذي برز في البصرة منتصف القرن الثاني(ت 172ه).
لم يكن القصّ مرذولا ومنبوذا في القرن الأول، وحتى النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري نتيجة المتابعة التي حظي بها من قبل المؤسسة الرسمية. لكن الأمور قد خرجت عن السيطرة في القرن الثالث، ولم تعد المؤسسة الرسمية الدينية قادرة على التحكم في نشاط القصاص بعد تكاثرهم وانتقالهم إلى الأسواق والساحات العمومية والطرقات التي شكلت مجالس وفضاءات جديدة يلتقي فيها القصاص بجمهورهم من العامة. وهنا ارتبط القصّاص بالعامة والغوغاء وانفصلوا عن الخاصة. وهو تحوّل يلخّص موقف الإسلام من القص وانقلابه من الاحتفاء إلى الذمّ. وتبعا لهذا التحوّل أطلقت تسمية القصاص على هؤلاء الإخباريين الذين أصبحت العامة هدفا لخطاباتهم، حيث "قلبت أدوارهم ووظائفهم" وتهاوت مكانتهم. فيما أطلقت تسمية المحدّثين والمذكرين والوعاظ على طائفة الإخباريين الذين بقوا ملتزمين بالشروط التي حدّدها الإسلام للقص في المساجد.
رُويت أحاديث كثيرة في ذمّ القصّ والقصّاص. منها قول النبي (ص): "لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو مختال." ونسب إلى ابن عمر أنّه اعتبر القصاص أهل بدع، وقرن القصص بالفتنة التي مزّقت شمل المسلمين. وتذكر المصادر أنّ "يحي بن معين" وصف أحاديث "صالح المريّ" بالبطلان وضعّفه. كما أظهر "أحمد بن حنبل" مقاومة ضارية ضدّ القصاص وعدّ عملهم من الكبائر. ولعلّ الأمر الذي يلخّص الصراع بين الدين والسرد(القصّ)؛ هو تلك الكتب التي ألّفت في القرون التالية وحاولت صياغة موقف الإسلام من القصّ وتحديد شروطه، وتوضيح الفرق بين القص والتذكير(الوعظ)، شأن كتاب "القصاص والمذكرين" لابن الجوزي و"تحذير الخواص من أكاذيب القصاص" للسيوطي.
أبدى القصّاص استماتة في الدفاع عن أنفسهم، بل كانوا يسخرون من المحدّثين. حيث تذكر بعض المصادر أن "أحمد بن حنبل" دخل إلى مسجد الرّصافة برفقة "يحي بن معين"، فقام قاصّ فقال: حدّثنا أحمد بن حنبل عن يحي بن معين قالا... ثمّ ذكر سلسلة من الرواة تنتهي بحديث للرسول (ص)، فنظر كلّ منهما إلى الآخر في استغراب وقالا: ما سمعنا بهذا إلا السّاعة! ولمّا انتهى القاص ذهبا إليه وقال له يحي: من حدّثك بهذا الحديث؟ قال: أحمد وابن معين. قال: أنا يحي وهذا أحمد، ما سمعنا بهذا قطّ! فإن كان ولا بدّ من الكذب فعلى غيرنا. فقال القاصّ ساخرا: لم أزل أسمع أن يحي بن معين أحمق. وما علمت إلا الساعة، وكأنّه ليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحي بن معين غيركما. وقام كالمستهزئ بهما، فوضع ابن حنبل كمّه على ووجهه.
إنّ ابتعاد القصاص عن رقابة السلطة الرسمية، جعل أخبارهم عرضة للوضع والتزييف والمبالغة والكذب. ففي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري تشكّلت صورة قاتمة للقصّاص بعدما انخرطوا في وسط مشحون بالعجيب، وراحوا يتبارون في استعراض مهاراتهم التخييلية والتعجيبية، لأنهم ابتعدوا عن الحدود الدلالية التي رسمها الإسلام للقص. ولعلّ ما ساعد على ازدهار هذا النوع من القصص هو الانتشار الواسع للوراقين في الأسواق؛ حيث يذكر "ابن النديم" أنّ الأسمار والخرافات كان "مرغوبا فيها مشتهاة أيام بني العباس، وسيّما في أيّام المقتدر، فصنّف الوراقون وكذبوا."
من هذا المنطلق ارتسمت صورة واضحة للسرد في تلك الفترة: هناك سرد حقيقي صادق و"رسمي" يخضع لشروط الحديث الديني، وهو مقبول ومدعوم من قبل المؤسسة الدينية ممثلة في الفقهاء والمحدّثين. وسرد هامشي متخيل مكذوب و"شعبي" يحظى بقبول واسع لدى العامة. ولعلّ هذه الهامشية والشعبوية التي وسِم بها كلّ سرد بعيد عن الحقيقة (وفي مقدّمتها الأسمار والخرافات) هي ما جعلت ابن النديم يصدر حكما سلبيا على كتاب "ألف ليلة وليلة" ويصفه بأنّه "كتابٌ غثّ باردُ الحديث." وهو حكم يلخّص موقف السلطة الرسمية والمثقفين تجاه هذا النوع من السرد وقتئذٍ. وقد لاحقت هذه النظرة الدونية حكايات "ألف ليلة وليلة" حين صنّفت ضمن الأدب الشعبي/ الهامشي لقرون متتالية.
مع انتهاء عملية التدوين وابتعاد القصّاص عن رقابة المؤسسة الرسمية، والانتشار الواسع للورّاقين في القرن الرابع الهجري، استقر السرد العربي القديم بأشكاله المتنوعة ووظائفه المختلفة في مدوّنات ومؤلفات نعرفها اليوم هي: كتب الحديث والأخبار وكتب السير والتراجم والطبقات والنوادر والمقامات وقصص الحيوان ورسالة الغفران وألف ليلة وليلة وكتب المتصوفة والرحلات وغيرها، كما استوت السير الشعبية في القرن السابع والثامن الهجري. وهو التراكم الذي شكّل تراثا سرديا ضخما ومتنوّعا تحتاج دراسته إلى كثير من الجهد والصبر والتأمّل.
أهم المراجع:
[1] ـ سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة ،دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، ط1، 1985.
2ـ عبد الله إبراهيم: السردية العربية، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1992.
3 ـ سعيد جبار: الخبر في السرد العربي، الثوابت والمتغيّرات، شركة المدارس للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2004.
4 ـ جواد علي: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط3، 1980.
5 ـ إبراهيم صحراوي، سرديات، مقالات نقدية ثقافية، دار التنوير، الجزائر، ط1، 2018.
6 ـ عبد الله إبراهيم: موسوعة السرد العربي، ج1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، د/ط، 2008.
7ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، تح: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط7، 1998.
8 ـ أبو العباس أحمد القلقشندي: صبح الأعشى، ج1، دار الكتب المصرية، القاهرة، د/ط، 1922.
9ـ مصطفى صادق الرافعي: تاريخ آداب العرب، ج1، مكتبة الإيمان، القاهرة، مصر، ط1، 1997.
10ـ أبو الفرج بن الجوزي: القصاص والمذكّرين، تح: مارلين سوارتز، بيروت، لبنان، ط2.
11ـ شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج11، تح: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط1، 1982.
12 ـ أبو الفرج محمد بن إسحاق ابن النديم: الفهرست، تح: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط2، 1997.
-
-
-