Aperçu des sections

  • علاقة العمل الأدبي بالنفس

    العمل الأدبي عبارة عن استجابة معينة لمؤثرات نفسية خاصة، وهو بهذا عمل صادر عن مجموعة من القوى النفسية، ونشاط ممثل لقوى داخلية وخارجية:

    من حيث المصدر: أي المبدع، فهو انعكاس نفسي، وفكري للأديب، يصور حياته، وعلاقته بالعالم من حوله، نشاط نفسي، وفكري، ونتاج شعوري، وحسي.

    أما من حيث الوظيفة: فهو مؤثر يستدعي استجابة معينة في نفوس المتلقين، هذه الاستجابة عبارة عن مزيج من العمل الفني، والحالة النفسية للمتلقي.

    كما أن الأدب عبارة عن مجموعة من القيم الشعورية، والتعبيرية، هذه القيم الشعورية والتعبيرية معا تسمى: قيما فنية.

    تتمثل القيم التعبيرية في الألفاظ، والأساليب، والتصوير (الشكل الذي نراه)، أما القيم الشعورية فمسألة نفسية بالمعنى الشامل، وملاحظتها، وتصويرها مسألة نفسية كذلك.

    الكشف عن هذه القيم الشعورية، والتعرف على حقيقتها، يدور في فلك النفس، وعمل النفس، فصلة الأدب بالنفس لا يمكن إنكارها بحال من الأحوال؛ لأنها ثابتة من حيث المصدر والغاية، فهو نتاج نفسي قصد به التأثير في نفس المتلقي، يعني: صدر من نفس إلى نفس أخرى.

    فالعمل الأدبي ذو شقين: شقي نفسي، يتمثل في التجربة الشعورية، وهي العنصر الذي يدفع إلى التعبير، هي المحرك، لكنها ليست هي العمل الأدبي؛ لأنها مضمرة في النفس، لم تظهر بعد في صورة لفظية، وإنما هي مجرد إحساس وانفعال، لا يتحقق العمل الأدبي إلا به، هذا هو الشق الأول من الأدب.

    أما الشق الثاني: فلفظي، يتحقق عندما يتحول هذا الانفعال وذلك الإحساس إلى قالب لفظي، أو صورة لفظية ذات دلالات مختلفة.

    تنشأ هذه التجربة بملاحظة العالم الخارجي؛ لأنها تمثل مادة التعبير الأدبي الذي هو ترجمة لفظية لها، ولهذا قيل في تعريف الأدب: إنه تعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية.


  • حقيقة المنهج النفسي ومبادئه

    المنهج النفسي يقوم بتحليل الشخصية الأدبية، وبيان خصائصها النفسية، اعتمادا على العمل الأدبي، واعتباره صورة تعكس نفسية الأديب، وحياته من خلال تطبيق نتائج علم النفس الحديث على الأدب والأدباء.

    أما إذا تطرق أصحاب هذا المنهج النفسي إلى ظاهرة فنية واضحة في العمل الأدبي؛ فإنهم يفسرونها استنادا إلى عوامل نفسية؛ لتنمية الذوق الأدبي، والجمالي في الآثار الأدبية، ولا ينظرون إليها نظرة فنية مجردة، كما ينظر أصحاب المنهج الفني.

    والمنهج النفسي يتناول الجوانب التالية في الأدب، أو يجيب عن عدة أسئلة يمكن أن يطرحها الذهن عندما يريد البحث في الأدب، وهي:

    أولا. كيف تتم عملية الإبداع الأدبي؟

    ما هي طبيعة هذه العملية من الوجهة النفسية؟

    ما هي العناصر الشعورية وغير الشعورية الداخلة فيها؟

    كيف تتركب وتتناسق؟

    كم من هذه العناصر ذاتي، وكم منها خارج عن الذات؟

    ما العلاقة النفسية بين التجربة الشعورية والصورة اللفظية؟

    ما الحوافز الداخلية والخارجية لعملية الإبداع الأدبي؟

    ثانيا: يوضح المنهج النفسي دلالة العمل الأدبي من نفسية صاحبه، وكيفية ملاحظة هذه الدلالة، واستنطاقها، ومعرفة التطورات النفسية لصاحب العمل الأدبي.

    ثالثا: يكشف المنهج النفسي عن تأثير العمل الأدبي في نفسية المتلقي، كما يوضح العلاقة بين الصورة اللفظية، والتجارب الشعورية لدى الآخرين.

    فهو بهذا منهج يتناول العمل الأدبي منذ بدايته حتى نهايته، يوضح:

     كيف تتم عملية الإبداع –› ويكشف عن طبيعة هذه العملية من الوجهة النفسية، والعناصر الشعورية الداخلة فيها، وكيفية تركيبها وتماسكها، –› كما يوضح ويفسر دلالة العمل الأدبي على نفسية صاحبه، والتطورات النفسية التي تعتريه، –› كما يكشف عن أثر العمل الأدبي في نفوس المتلقين، وإحياء تجاربهم الشعورية.

    وهذا المنحى يعتبر جديدا على ساحة الأدب العربي؛ فلم يعرف أدبنا العربي هذه الدراسات النفسية بهذا المعنى الحديث من قبل، أي: قبل العصر الحديث؛ لأن استخدام علم النفس، وما وصلت إليه الدراسات من نظريات مرسومة، وقواعد محددة، وطرائق خاصة لفهم الأدب، كل هذه أشياء مستحدثة، ليس لها أصول في ثقافتنا العربية الأدبية.

    أما عن الملاحظات النفسية بصفة عامة، وتوظيفها في درس الأدب وبحثه، فهي أقدم من ذلك بكثير؛ إذ أشار أفلاطون إليها أثناء حديثه عن الإلياذة، حيث ذكر أن الشاعر ينظم شعره عن إلهام، وحال تشبه الجنون، ويعد أول من وصف الشاعر بأنه مريض نفسيا أو عصبيا.

    أما بالنسبة للمؤلفين العرب في القديم: فإن تلك الملاحظات النفسية كانت أمام أعينهم، وفي خاطرهم، وهم يبحثون في الأدب، ويؤلفون هذه المؤلفات القيمة، وإذا تأملناها جيدا وجدنا فيها إشارات ذكية عن هذه الملاحظات النفسية، ودورها في مجال الإبداع وغيره. ومعنى ذلك: أن مفهوم المنهج النفسي قديم قدم الأدب، ولكنّ المصطلح لم يظهر إلا متأخرا.

    ومن أمثلة ما أشار إليه القاضي الجرجاني في كتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه) إلى أثر الطبائع والغرائز البشرية في الأدب، وأنها عماد المنهج النفسي الحديث حين تتبعه للعمل الأدبي، فقال: «وقد كان القوم يختلفون في ذلك، وتتباين فيه أحوالهم، فيرق شعر أحدهم، ويصلب شعر الآخر، ويسهل لفظ أحدهم، ويتوعر منطق غيره، وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع، وتركيب الخلق، فإن سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة». كما نلمح أيضا عند حديثه عن مواقع الكلام، وأن الصورة قد تكون جيدة، ولا أثر لها في النفس، وقد تكون أقل جودة، لكنها تمتزج بالنفس امتزاجا، يقول: يقول: «وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم وإن قاسيت، واعتبرت، ونظرت، وفكرت لهذه المزية سببا».

    ونلحظ مثل هذه الإشارات النفسية عند أبي هلال العسكري، وعبد القاهر الجرجاني، وأبي الفرج الأصفهاني، وغيرهم من العلماء الأجلاء الذين أتحفوا المكتبة العربية بتراثهم.

    مما سبق يتضح أن المنهج النفسي لم يغب عن خاطر العرب القدامى حين تصنيف علومهم، وأنهم بحثوا على أساسه كثيرا من قضاياهم، وتوصلوا إلى نتائج مثمرة، وإذا كانوا لم يعرفوا المصطلح بلفظه، فقد عرفوه بصفاته، ومن ثم، فإن الفضل يرجع إليهم؛ لسبقهم، وإلى المحدثين؛ لتقنينهم وتنظيمهم.

    خصائص المنهج النفسي:

    يعرف شخصية الأديب من خلال شعره و ما تتسم به نفسيته من ألم وحزن.

    تفسير الظواهر الفنية و الجوانب الجمالية استنادا إلى عوامل نفسية.

    تطبيق نتائج علم النفس على شخصيات الأدباء و نتائجهم الأدبية.

    البحث في أثر البيئة على شخصية الأديب عند التحليل.




  • مقياس الجودة الفنية في المنهج النفسي


    جودة العمل الأدبي عند أصحاب المنهج النفسي لا ترتبط بجماليات النص الإبداعي ذاته، وما فيه من لفتات ذوقية وشعورية، ونبضات حسية، وصور خيالية.

    ولكنها ترتبط بما يحمله النص من قيم نفسية، ومدى تأثيره في نفس المتلقي، ومن ثم، فهم يختلفون في تحديد الغاية من الأدب، أهي الحث على الأخلاق، والدعوة إلى الفضيلة والاتجاه الحسن والسلوك الحميد، أم أنها تتمثل فيما يؤديه الأدب في المجتمع من خدمات اجتماعية؟

    ليست الأخلاق، ولا الخدمات الاجتماعية بواعث الأدب ودواعيه، ولكنها تمثل عنصرا من مجموعة دوافع، وليست هي كل الدوافع؛ إذ إن الأدب في الحقيقة تنظيم لعدة دوافع، تنظيم نشعر إزاءه بنوع من التسامي النفسي، وهذا التسامي هو المقياس الحقيقي لجودة الأدب، وهو أوسع دائرة من أن نعيش في قيم خلقية أو اجتماعية خاصة.

    هذه هي المقاييس التي يعتمدون عليها في نظرتهم للعمل الأدبي الجيد، وهي خارجة كما ترى عن القيم الفنية الموجودة في النص. هذا هو المنهج النفسي، وهذه هي أسسه.

    إذا، ما قيمته في مجال الدراسات الأدبية؟ هل يفيدنا المنهج النفسي في مجال البحث الأدبي؟

    إن المنهج النفسي المعتدل ينظر إلى المنبع الأصلي للعمل الأدبي، أي: النفس -نفس الأديب-، هذا هو المنبع، إذ ينبغي أن تدرس هذه النفس، ويحيط الباحث بشتى جوانبها، وما يصدر عنها.

    ولا شك في أن التعرف على نفسية الأديب يكشف لنا عن كثير من الجوانب النفسية في العمل الأدبي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفهم شعر امرئ القيس مثلا إلا إذا وقفنا على طبيعته النفسية، وما طرأ عليها من تحول، كما أنه لا يمكن فهم شعر الحطيئة إلا إذا فتشنا عن غرائزه، وصفاته النفسية التي جعلته منبوذا يحترف فن الهجاء، وتشترى منه أعراض الناس بالمال. كل هذا لا يكشف عنه إلا المنهج النفسي، فنحن في أشد الحاجة إلى هذا المنهج؛ للكشف عن مثل هذه القضايا، أو الجوانب، ونحن نبحث في الأدب.

    أما من جانب الأغراض الشعرية فقيمته تتفاوت من شاعر لآخر، كما تتفاوت لدى الشاعر الواحد، فهناك شعراء برعوا في فن الغزل مثلا، لكنهم لم يبرعوا في فن الوصف، وآخرون برعوا في فن الهجاء، لكنهم لم يجيدوا الشعر الحماسي. فثمة شعراء مشهورون بالغزل، وشعراء مشهورون بوصف الطبيعة، وشعراء مشهورون بالمدح.

    البحث في هذه القضايا؛ لمعرفة السر في هذا التنوع أو هذا التوجه في غرض من الأغراض، يحتاج إلى منهج دقيق،

    المنهج النفسي هو الذي يكشف عن طبيعة النفس البشرية للشاعر، يعرف حقيقتها، ويدرك المؤثرات التي شكلتها، هو الذي يتفهم غرائز هذه النفس وصفاتها النفسية.

    ومما يؤكد قيمة المنهج النفسي في مجال الدراسات الأدبية: أنك إذا نظرت إلى العمل الأدبي وجدت أن له جانبان: جانب شعوري، وجانب تعبيري. جانب شعوري يعني: الجانب النفسي، وجانب تعبيري: ألفاظ، وأساليب، وصور.

    يتشكل الأسلوب الأدبي من خلال المواقف الشعورية التي يعيشها الأديب ويتأثر بها، يعني: الشاعر لا ينفصل أسلوبه عن حسه وشعوره، أو عاطفته، فالجانب التعبيري يتوقف في ترتيبه، وتنسيقه، وشكله، على الجانب الشعوري، ولا يمكن الكشف عن هذا الجانب الشعوري إلا من خلال منهج نفسي واضح، ومعرفتنا بالجانب الشعوري يساعدنا على معرفة القيم التعبيرية.

    ومن ناحية أخرى، فإن العمل الأدبي في صميمه استجابة لمؤثر خارجي، وكما تتفاوت تلك الاستجابة قوة وضعفا، فيحق لنا أن نصفها بالصدق، أو الكذب. هذه حقيقة هذه الاستجابة لذلك المؤثر الخارجي قد تكون قوية، وقد تكون ضعيفة، وبالتالي نحكم عليها بأنها صادقة، أو بأنها كاذبة؛ نتيجة لمؤثر صادق أو كاذب.

    المنهج الذي ينهض بذلك ويكشف عن الصدق أو الكذب، والقوة أو الضعف هو المنهج النفسي من خلال دراسة نفسية الأديب، وبيان طبيعتها. كما أنه لا يمكن التعرف على أثر العمل الأدبي في نفس المتلقي إلا من خلال منهج نفسي واضح، وهذان أهم عنصرين في العمل الأدبي: مصدر الإبداع، وعلاقة الأديب به، ثم المتلقي، ومدى استجابته للعمل الفني.


  • مآخذ على المنهج النفسي



    من المعلوم أن المنهج النفسي يساعد على فهم الأدب وتفسيره، وإدراك بواعثه، وأثره في نفس المتلقي، كما يساعدنا على فهم طبيعة الأديب نفسه. لكن بالرغم ما للمنهج النفسي من أهمية في البحث الأدبي إلا أن هناك بعض المآخذ حول هذا المنهج:

    أولا: الأدباء في نظر واضعي المنهج النفسي شخصيات غير سوية والأدب عبارة عن حصيلة نفوس شاذة، تشعر بمركب النقص أحيانا، أو تعاني من صراع الرغبة المكبوتة أحيانا أخرى، وهذا غير صحيح؛ فالواقع يؤكد أن الأدباء من أرقى طبقات المجتمع حسا، وأصفاهم نفسا، وأصحهم فكرا، وهم قلب أمتهم النابض، ووترهم الحساس، وأن الأدب أرقى أنواع الفنون كلها.

    ثانيا: تفسيرهم للعمل الأدبي على أساس أنه تعويض عن مركب النقص، أو تعبير عن أساطير الأولين أو إظهار لتلك الرغبة الاستبطانية الذاتية التي ترجع في جوهرها إلى عقد نفسية متنوعة، كل ذلك التفسير يسلب النص الأدبي قدره، ويخرج بالأعمال الأدبية التي تصور المجتمع عن مسارها، ولم يقل بذلك أحد؛ لأن هذه الأعمال هي أعمال أدبية رائعة جيدة.

    ثالثا: المنهج النفسي يهتم بالأديب أولا، وقبل كل شيء؛ لأنه يبحث في النفس، ويتتبع تطورات نفسه، وأشكال غرائزه، ويهمل النص الأدبي ذاته، ويدرس النماذج الأدبية باعتبارها نماذج بشرية، وهذا تحليل للعمل الأدبي من جانب واحد، وإهمال لمواطن الجمال والقوة فيه، ومن ثم، يستوي أمام هذا المنهج العمل الأدبي الجيد والرديء، فكلاهما يصلح شاهدا في ضوء النظريات النفسية الحديثة.

    رابعا: التوسع في استخدام الدراسات النفسية في مجال البحث الأدبي، وإرجاع كل صياغة فنية إلى أصل نفسي دون النظر إلى المقاييس الجمالية والفنية، وكل هذا يقتل الأدب، ويحوله إلى درس في التحليل النفسي، ويفقد المتلقي الإحساس بالمتعة الفنية التي هي غايته.

    وجدير بالذكر أيضا، أن علم النفس مهما بلغ من تقدم في نظرياته ومقاييسه، فإنه لم يحط إحاطة كاملة بكل الجوانب الإنسانية، أو النفسية لشخصية ما، وأن فروضه، وتحليلاته، ونتائجه ليست أمورا مسلمة، لكنها نسبية تحتمل الصواب أو الخطأ.