الأستاذ الحاج بعاش / مقياس علم الصّرف /السّنة 2 ليسانس /المحاضرة الأولى
Aperçu des sections
-
1- مفهوم الصَّرف في الاستعمال اللغوي العربي:
ذكر الخليل في باب الصاد والراء والفاء معهما من كتاب العين قوله:
"الصَّرفُ: فضْلُ الدِّرهم في القيمة، وجودةُ الفِضَّة، وبيعُ الذَّهب بالفضَّة، ومنه الصَّيرَفِيُّ لتصريفه أحدَهُما بالآخَر.
والتَّصريف: اشتقاق بعضٍ من بعضٍ. وصَيْرَفِيَّات الأمور: مُتَصَرفاتها أي تـتقلَّبُ بالنّاس. وتصريف الرِّيـّاح: تصرُّفـها من وَجه إلى وَجه، وحال إلى حال، وكذالك تصريف الخيول والسُّيول والأمور.
وصَرْف الدَّهر: حَدَثُـه. وصَرْفُ الكلمة: إجراؤها بالتنوين. وقال الحسن: الصَّرف: التطوُّع، والعدل: الفريضة. والصَّرف: أن تَصرِف إنسانا على وجهٍ يريده إلى مَصْرف غير ذلك"[1].
وجاء في باب الصَّاد والرَّاء وما يثلثهما من معجم مقاييس لابن فارس قوله: " الصَّاد والرَّاء والفاء معظم بابه يدلُّ على رجْع الشيء. من ذلك صَرَفْتُ القوم صرفًا وانصرفوا، إذا رَجَعْتَهم فرجعوا... والصَّرْفُ في القرآن: التَّوبة؛ لأنّه يُرجَع به عن رتبة المذنبين"[2].
2- هل ورد لكلمة مصدر مفهوما في المعاجم العربية؟:
بعد تصفحنا لأبرز المعاجم القديمة لم نعثر على تعريف لغوي يتعلق بكلمة "مصدر" وإنما وجدناها تتعرض لجذرها الثلاثي المشكَّل من الصَّاد، والدَّال والرَّاء. وهذا ما جاء في باب الصَّاد والدَّال والرَّاء معهما من كتاب العين: "صدر: الصَّدْرُ: أعلى مُتقدَّمِ كلِّ شيء، وصدر القناة أعلاها، وصدر الأمر أوَّله"[3].
أمَّا ابن فارس فقد ذكر في باب الصَّاد، والدَّال وما يثلثهما قوله:" صدر: الصَّاد، والدَّال والرَّاء أصلان صحيحان، أحدهما يدلُّ على خلاف الوِرْد، والآخَرَ صدْر الإنسان وغيره.
فالأوّل قولهم: صَدَرَ الماء، وصَدَر عن البلاد، إذا كان وَرَدَها ثمَّ شَخَص عنها.
وأمَّا الآخر فالصَّدر للإنسان، والجمع صُدور"[4].
3- مفهوم المصدر في اصطلاح علماء العربية:
قال الخليل بن أحمد: "والمصدر: أصل الكلمة الذي تصدُر عنه الأفعال. وتفسيره: أن المصادر كانت أوّل الكلام، الذَّهاب، والسَّمع والحِفظ، وإنما صدرت الأفعال عنها، فيقال: ذَهَبَ ذَهَابًا، وسَمِعَ سَمْعاً وسَمَاعًا، وحَفِظَ حِفْظًا"[5].
المصدر هو الاسم الذي يدل على الحدث مجردا من الزمان والشخص والمكان، و"يسمى حَدَثًا، وحَدَثَانًا، واسمَ معنى"[6]، وأطلق عليه المبرد اسم الفعل[7].
نقل ابن يعيش عن الزمحشري قوله": وإنَّما سمي مصدرا لأنَّ الأفعال صدرت عنه أي أخذت منه كمصدر الإبل للمكان الذي ترده ثم تصدر عنه"[8].
4- أبنية المصادر الثلاثية المجردة:
يقول الصيمري: "اعلم أنَّ مصادر الأفعال الثلاثية كثيرة الاختلاف لا تكاد تجيئ على قياس مستمر، وذلك لكثرة الثلاثي في نفسه، فكلّما كثُر الشيء في نفسه كثر التَّصرف فيه"[9].
يفهم من قول الصيمري أنَّه يصعب ضبط مصادر الأفعال الثلاثية لمجردة على قياس مطرد؛ لأنَّها كثيرة ومختلفة، بمعنى أنَّها في الغالب تخضع للسّماع، وعلى الرغم من ذلك اجتهد علماء الصّرف في وضع ضوابط قياسية حدّدوا من خلالها بناء كلّ مصدر ثلاثي مجرد، وصنفوه بحسب تعدية فعله أو ولزومه. وأدرجوها على النّحو التالي:
4-1- ما كان فِعْله على وزن فَعَلَ مُتَعَدِّيـًا:
4-1-1- الأصل في بناء مصدر فَعَلَ المُتَعَدّي:
ذكر سيبويه في الكتاب أنَّه إذا كان بناء الفعل المتعدِّي على فَعَلَ يأتي مصدره الأصلي على "فَعْل"، وذلك في قوله: "فأمَّا فَعَلَ يَفْعُل ومصدره فقَتَلَ يَقْتُلُ قَتْلًا وخَلَقَه يَخْلُقُه خَلْقًا.
وأمَّا فَعَلَ يفْعِل فنحو: ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا وحَبَسَ يَحْبِسُ حَبْسًا"[10].
وأكد ذلك الصيمري بقوله: "فمن ذلك ما كان على فَعَلَ بفتح الفاء والعين متعدِّيًا والأصل في مصدره أنْ يكون على فَعْل بفتح الفاء وتسكين العين نحو قولك: ضَرَبَ ضَرْبًا، وقَتَلَ قَتْلًا فهذا الأصل"[11]. لكنه إذا سمع خلاف بناء فَعْلٍ "وُقِفَ عند هذا المسموع، قالوا وهو مذهب سيبويه والأخفش"[12].
4-1-2- خروج مصدر فَعَلَ المُتَعَدّي عن الأصل:
وقد تخرج بعض المصادر من بناء "فَعَلَ"المتعدِّي عن الأصل، فتأتي في أبنية مختلفة حدّدها ابن يعيش في أربعة عشر بناء[13] منها ما يأتي على فَعَل:
- وقد يأتي مصدر فَعَلَ على وزن فَعَل بفتح الفاء والعين معًا، وفي ذلك يقول سيبويه: "وقد جاء مصدر فَعَلَ يفْعُلُ وفَعَلَ يَفْعِلُ على فَعَلٍ، وذلك: حَلَبَهَا يحلُبُهَا حَلَبًا، وطَرَدَهَا يَطْرُدُهَا طَرَدًا، وسَرَقَهَا يَسْرِقُهَا سَرَقًا"[14].
- وقد يجيء مصدر فَعَلَ على وزن فَعِل بفتح الفاء وكسر العين، نحو قولنا: خَنَقَ، خَنِقًا، كَذَبَ، كَذِبًا، ومثَّل له سيبويه بقوله:" خَنَقَه يَخْنُقُه خَنِقًا، وحَرَمَه يَحَرِمُه حَرِمًا"[15].
- وقد يأتي مصدر فَعَلَ على وزن فِعَال، نحو: قَتَلَ، قِتَالا،
- وقد يأتي على وزن فِعَالة، بإضافة التاء، نحو: حَمَيْتُه، حِمَايَةً. ويجيء مصدره على وزن فِعْلَة، نحو: حَمَيْتُه، حِمْيَةً.
- وقد يأتي مصدر فَعَلَ على وزن فِعْلَان، حَرَمْتُهُ، حِرْمَانًا. وأتَيْتُهُ، إِتْيَانًا، عَرَفْتُهُ، عِرْفَانًا.
- وقد يأتي مصدر فَعَلَ على وزن فُعْلَان، نحو: شَكَرَ، شُكْرَانًا،
- وقد يأتي مصدر فَعَلَ على وزن فُعُول، نحو: جَحَدَ، جُحُودًا، وشَكَرَ، شُكُورًا، ووَرَدَ الماء، وُرُودًا.
4-2- ما كان فِعْلُه على وزن فَعَلَ لَازِمًـا[16]:
4-2-1- الأصل في بناء مصدر فَعَلَ اللازم:
ما كان على فَعَلَ لازما الأصل في مصدره أن يكون على وزن فُعُول، نحو: جَلَسَ، جُلُوسًا، وقَعدَ، قُعودًا، ورَجَعَ، رُجُوعًا[17].
4-2-2- خروج مصدر فَعَلَ اللازم عن الأصل[18]:
- وقد يأتي مصدر فَعَلَ على وزن فَعَال، نحو: ذَهبَ، ذَهَابًأ، وثَبَتَ، ثَبَاتًا.
- وقد يأتي المصدر على فَعِيل، نحو: هدَرَ، هَدِيرًا، وصَهَلَ، صَهِيلًا.
- وقد يلأتي على فَعْل، نحو: عَجَزَ، عَجْزًا، وسَكَتَ، سَكْتًا.
4-3- ما كان فعله على وزن فَعِلَ مُتَعَدِّيـًا:
4-3-1- الأصل في بناء مصدر فَعِلَ المُتَعَدّي[19]:
ما كان فعله على وزن فَعِلَ متعديًّا يأتي مصدره الأصلي على بناء فَعْل، نحو قول سيبويه:" أمَّا فَعِلَ يَفْعِل فنحو: لَحِسَه يَلحَسُه لَحْسًا"[20] ونحو: بَلِعَ، بَلْعًا، جَرِعَ، جَرْعًا، شَرِبَ، شَرْبًا.
4-3-2- خروج مصدر فَعِلَ المُتَعَدّي عن الأصل:
قد يخرج مصدر فَعِلَ المُتَعَدّي عن الأصل ويأتي في أوزان أخرى، منها:
- ما يأتي على فِعْل، نحو: عَلِمَ، عِلْمًا، وحَفِظَ، حِفْظًا.
- ما يأتي على فَعَل، نحو: عَمِلَ، عَمَلًا.
- ما يأتي على فُعُول، نحو: لَزِمَ، لُزُوما.
- ما يأتي على فَعَال، نحو: سَمِعَ، سَمَاعًا
- ما يأتي على فِعْلَان، نحو: رَضِيَ، رِضْوَانًا.
- ما يأتي على فِعَال وفِعَالَة:
وقد يجيء مصدر فَعِل المتعدِّي على فِعَال بكسر الفاء وفتح العين وإضافة ألف مدّ قبل اللام، واستشهد الصيمري ببيت لسيبويه يقول فيه:
" فَصَـدَقْتُـهُ وَكَذَبْتُـهُ .... وَالْـمَـرءُ يَنفَعُـهُ كـِذَابــُه
أمَّا مجيئه على فِعَالَة فنحو: حَمَيْتُ المَكَانَ حِمَايَةً، وقالوا دَرَيْتُهُ دِرَايَةً"[21].
يتضح من قول الصيمري أنَّه جعل القياس أوّلا وأردفه بالسَّماع ثانيا، بمعنى أنه سبَّق العقل على النقل.
4-4- ما كان فِعْله على وزن فَعِلَ لازمًا:
4-4-1- الأصل في بناء مصدر فَعِلَ اللازم:
ما كان فعله على وزن فَعِلَ لازمًا يأتي مصدره الأصلي على بناء فَعَل بفتح الفاء، نحو: غَضِبَ غَضَبًا، وسَخِطَ، سَخَطًا.
4-4-2- خروج مصدر فَعِلَ اللازم عن الأصل[22]:
وقد يخرج المصدر عن بناءه الأصلي ويأتي في صور أبنية مختلفة منها:
- ما يأتي على بناء فَعْل، نحو: يَئِسَ، يَئْسًا، بَئِسَ، بَأْسًا.
- ما يأتي على بناء فَعِل، نحو: لَعِبَ، لَعِبًا، وضَحِكَ، ضَحِكًا.
- ما يأتي على بناء فُعْل، نحو: زَهِدَ، زُهْدًا.
- ما يأتي على بناء فَعَالَة، نحو: وقَنِعَ، قَنَاعَةً.
4-5- ما كان فعل المصدر على وزن فَعُلَ:
أجمع علماء العربية على أن ما كان على فَعُلَ لا يأتي إلَّا لازما ومن ذلك قول سيبويه: "ولـمَا لا يَتعدَّاك ضَربٌ رابعُ لا يَشْركه فيه ما يَتعدَّاك، وذلك فَعُلَ يَفْعُلُ نحو كَرُمَ يَكْرُمُ، وليس في الكلام فَعُلْتُهُ متعدِّيًا". فضروب الأفعال أربعة يجتمع في ثلاثةٍ ما يتعدّاك ومالا يتعدّاك ويَبِينُ بالرابع مالا يتعدَّى، وهو فَعُلَ يَفْعُلُ[23].
وكذلك يقول المبرِّد في كتابه المقتضب إذ يقول: "ويكون على (فَعُلَ يَفْعُلُ ) ولا يكون إلَّا لما لا يتعدَّى. وذلك نحو: كَرُمَ يَكْرُمُ، وشَرُفَ يَشْرُفُ، وظَرُفَ يَظْرُفُ"[24].
ويؤكد ذلك ابن يعيش بقوله: "وأمَّا البناءُ الثالث، وهو "فَعُلَ" بضمِّ العين، فلا يكون إلاَّ غير متعدٍّ نحو: كَرُمَ، وظَرُفَ"[25].
ويأتي المصدر الأصلي لـ فَعُلَ على بناء فَعَال وفَعَالَة[26]، نحو: بَلُغَ، بَلَاغًا وبَلَاغَةً، ووَسُمَ، وَسَمًا ووَسَامَةً.
4-5-2- خروج مصدر فَعُلَ عن الأصل[27]:
وقد يأتي على غير القياس، كأن يأتي على فُعْلَة، نحو: جَرُءَ، جُرْأَةً.
وقد يأتي على فُعْل نحو: جَبُنَ، جُبْنًا، وضَعُفَ، ضُعْفًا، وقد يجتمع فيه البناءان، نحو: وضَعْفًا.
وقد يأتي على فِعَل، نحو:عَظُمَ، عِظَمًا،.
وقد يأتي على فِعْل، نحو: غَلُظَ، غِلْظًا.
وقد يأتي على فَعْل، نحو: ظَرُفَ، ظَرْفًا.
[1] - الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، إيران، ط2، 1210ه، 7/109- 110.
[2] - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399ه- 1979م، 3/ 342- 343.
[3] - الخليل بن أحمد الفراهيدي،كتاب العين، 7/94.
[4] - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 3/337.
[5] - كتاب العين، ص 7/96.
[6] - عبد القاهر الجرجاني، المفتاح في الصرف، تحقيق علي توفيق الحَمَد، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط1، 1407ه – 1987م، ص52.
- [7] يننظر المبرد، المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، مطابع الأهرام التجارية- قليوب- مصر، 1415ه - 1994م. 3/68.
[8] - ابن يعيش، شرح المفصل، إدارة الطباعة المنيرية، مصر، د.ت، 6/43.
[9] - الصيمري، تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي، تحقيق د. فتحي أحمد مصطفى علي الدِّين، دار الفكر، دمشق، ط1، 1402ه – 1982م، 2/758.
[10] - سيبويه، الكتاب، 4/5.
[11]- الصيمري، تبصرة المبتدي وتذكر المنتهي، 2/758.
[12] - عبد اللطيف محمد الخطيب، المستقصى في علم التصريف، 392.
[13]- ينظر شرح المفصل لابن يعيش، 6/44.
[14] - المرجع نفسه والصفحة ذاتها
[15] - سيبويه، الكتاب، 4/6.
[18] - ينظر المرجع السابق، 2/761.
[19] - ينظر الصيمري، تبصرة المبتدي وتذكر المنتهي، 2/761.
[21] - ينظر شرح المفصل لابن يعيش، 6/44
[22]- ينظر الصيمري، تبصرة المبتدي وتذكر المنتهي، 2/762.
[25]- ابن يعيش، شرح الملوكي في التَّصريف، تحقيق د. فخر الدين قباوه، المكتبة العربية بحلب، ط1، 1393ه – 1973م، ص 44.
[27] - ينظر الصيمري، تبصرة المبتدي وتذكر المنتهي، 2/762.
-
-
-