Topic outline

  • أولا: الانتحار عند أيميل دوركايم

    نبذه عن حياة العالم إميل دوركايم (1858-1917م):

    "ولد إميل دوركايم في 15 افريل 1858م في بلدة ابينال بالقرب من سهل اللورين الذي يشتمل على بعض المدن الفرنسية. وفي أحضان أسرة يهودية نشأ دوركايم فهو أحد أحفاد كبار أحبار اليهود ولد في أسرة تنحدر أصلا من حاخامات المذهب الرباني اليهودي الذين يدينون بالمذهب العبراني الجديد ولذلك اتجه دوركايم منذ طفولته وصباه نحو دراسة التلمود والعهد القديم كما درس أيضا العبرية والتاريخ ثم هجر اللغويات كي يدرس تاريخ الأديان.

    والى جانب اليهودية تأثر دوركايم بتعاليم الديانة الكاثوليكية تلك التي لقنتها إياه إحدى مدرساته الكاثوليكيات وهي امرأة لها فضل تربيته وتثقيفه ودرايته بتعاليم الدين الكاثوليكي التي تلقاها من هده الكاثوليكية التي كان لها أثرها الواضح في نشأته الدينية تلك التي غلبت على معظم كتاباته السوسيولوجية فجاءت دراساته في علم الاجتماع الديني ذات مسحه صوفية متميزة.

    وفي عام1878م ذاعت شهرة دوركايم ثم انتقل للتدريس بجامعة بوردو وألقى دروسا في علم الاجتماع العائلي والجنائي وفي التضامن الاجتماعي والانتحار وفي التربية والدين كما ألقى دروسا في تاريخ المذاهب السوسيولوجية وفي المسئولية والجزاء والتنظيم الاجتماعي للقبائل الاسترالية القديمة".([1])

    "توفي دوركايم في 15نوفمبر1917م بعد الصدمة التي تلقاها بمقتل ابنه الوحيد في عمليات الحرب العالمية الأولى ,الابن الذي خطط والده أن يكون وريثه العلمي .ذلك أن دوركايم جعل ابنه يتخصص بموضوع علم اجتماع اللغة .وبعد مقتل ولده في الحرب فقد إميل دوركايم أمل العيش في الحياة فمات وهو يحمل الأفكار المرة عن الحياة وويلاتها وعدم استقرارها.

    يعتبر دوركايم احد دعائم الحركة العلمية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .وهو مؤسس علم الاجتماع الحديث وزعيم المدرسة الفرنسية (الوظيفية) لعلم الاجتماع"([2]).

    ومن أهم مؤلفاته: "تقسيم العمل الاجتماعي.(1893)، قواعد المنهج في علم الاجتماع.(1895)، الانتحار.(1897)، التربية الخلقية.(1903)، الصورة الأولية للحياة الدينية.(1912)، علم الاجتماع والفلسفة.(1924)، المجلة السنوية لعلم الاجتماع عام 1896 التي أصبحت لعدة سنوات المجلة الرئيسية للفكر الاجتماعي والبحث في فرنسا".([3])

    وهناك ثلاثة عوامل شكلت تفكير دوركايم: "المذهب العقلاني عند ديكارت بتأكيده القوى للتحليل الصوري، وعصر التنوير الذي يعد بعصر جديد يتحقق فيه الاستخدام الحر للعقل ,ثم وضعية أوجست كونت التي أنارت الطريق لوجود علم جديد للمجتمع ,بمنهجه ومدخله واتخذ مكانا مع العلوم الأخرى في قدرته على اكتشاف القوانين واستخلاص التعميمات والقيام بالتنبؤ. والى جانب هذه التأثيرات التكوينية لم تفشل نظرية التطور في أن تترك بصمة على تفكير دوركايم فقد ساعدته على رؤية المجتمع في ضوء النمو العضوي وتشابك الأجزاء، ولذلك أصبح المسرح مستعدا ليقوم دوركايم بتقديم أعظم إسهام في علم الاجتماع قدمه إنسان، وبدون دوركايم لسار تاريخ علم الاجتماع في اتجاه آخر .وبدونه لكان علم الاجتماع في خطر بالغ من رده إلى علم النفس الذي كان في ذلك الوقت علما أكاديميا كما كان الجو العام أكثر قبولا بنسق فكري يفسر القوى التي تحرك المجتمع في ضوء الدوافع السيكولوجية والغرائز والإشباعات".([4])

    المجتمع وعلم الاجتماع لدى دوركايم

    تعريف المجتمع عند دوركايم : "المجتمع لا يمكن أن يستمر إلا إذا وجدت درجة كافية من التجانس والتربية ترسخ وتدعم هذا التجانس، أما وظيفة المجتمع فهي تحقيق التجانس,وأدوات التجانس هي التربية، أن المجتمع هو قبل كل شي ضمير وهو ضمير المجموعة الذي يجب إيصاله إلى الطفل".([5])

    "ويتكون المجتمع من: النظم الاجتماعية أو القواعد الاجتماعية، الظواهر أو الوقائع الاجتماعية. وهي أنماط متكررة من السلوك الجماعي يشعر بها أفراد المجتمع. قوى عقلية أو فكرية أو تيارات فكرية ثقافية تتحكم في السلوك أو الفعل الاجتماعي.([6])

    تعريف علم الاجتماع عند دوركايم: "علم يهتم بالظواهر الاجتماعية والالتزامات الأخلاقية الجمعية وخاصة تلك الظواهر التي تقهر الفرد على أن يسلك سلوكا معينا داخل الجماعة.

    تقسيم دوركايم لعلم الاجتماع: صنف ميادين علم الاجتماع في ثلاث موضوعات رئيسية:

    1.المورفولوجيا الاجتماعية وهي عبارة عن التركيب الجغرافي وكثافة السكان.

    2.الفسيولوجيا الاجتماعية وهي التي تتضمن العمليات الديناميكية كالعقيدة والأخلاقيات والقانون والحياة الاقتصادية .

    3.علم الاجتماع العام أي العلم الشامل الذي يجمع النتائج والقوانين العامة التي تصل إليها فروع علم الاجتماع مهما تباينت مقدمات تلك النتائج وأساليب استنباط تلك القوانين".([7])

    أسس الدراسة ومنهجية البحث عند دوركايم :

     "ينظر دوركايم إلى علم الاجتماع من حيث كونه يهتم بدراسة المجتمع وما ينبعث عنه من ظواهر دراسة علمية وصفيه تحليلية. ولكي يتحقق هذا فانه لابد من منهج علمي يستطيع بفضله الوصول إلى قوانين الظواهر".([8])

    قواعد المنهج العلمي عند دوركايم:([9])

    *"ضرورة تحرر الباحث الاجتماعي بصورة كلية من كل فكرة سابقة يعرفها عن الظاهرة موضوع الدراسة والبحث.

    *ضرورة تخصيص مبحث أو فصل من البحث لتحديد معنى المصطلحات والمفاهيم العلمية التي يستخدمها الباحث في دراسته العلمية. وهذه المصطلحات تعبر عن الظواهر الاجتماعية التي يدرسها الباحث.

    *عند قيام الباحث بدراسة الظواهر الاجتماعية المحددة في دراسته عليه ملاحظة هذه الظواهر. وهذا شرط ضروري حتى يمكن التوصل إلى الصفات الثابتة التي تتيح لنا الكشف عن حقيقة الظواهر الاجتماعية ومن ثم تسمح لنا بالكشف عن القانون الذي تخضع له".

    أما خطوات منهج دوركايم في علم الاجتماع فيمكن درجها بالنقاط التالية:([10])

    1."دراسة مكونات الظاهرة وتحديد عناصرها الأساسية لكي يتمكن الباحث من فهمها.

    2.دراسة أشكال الظاهرة في كل مرحلة من مراحل تطورها لربط ماضي الظاهرة بحاضرها بطريقة منطقية.

    3.دراسة علاقة الظاهرة بالظواهر الأخرى المشابهة وغير المشابهة لها.

    4.الاستفادة من منطق المقارنة بين الظاهرة والظاهرة الأخرى.

    5.التعرف على الوظيفة التي تؤديها الظاهرة الاجتماعية وتطوير تلك الوظيفة في مختلف المراحل التي تمر بها الظاهرة الاجتماعية.

    6.تحديد القوانين التي يتم استخلاصها من الدراسة بصورة دقيقة باعتبارها الهدف الرئيسي للعلم.

    وقد تصاغ هذه القوانين في صور كمية تعبر عن الظاهرة بالأرقام أو في صور كيفية تحدد الخواص والصفات العامة والدعائم الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة. وهذا كله لابد أن يؤدي إلى رفع قيمة وفاعلية علم مابين غيره من العلوم.

    وكما يهتم المنهج عند دوركايم بالطريقة التاريخية فانه يهتم أيضا بطريقة المقارنة ويعتقد دوركايم بان البحث عن العلاقات السببية بين الظواهر الاجتماعية ليس إلا جانبا مهما من الجوانب التي يهتم بها علم الاجتماع لذلك حاول أن يطور منهجا وظيفيا يلاءم دراسة الظواهر الاجتماعية، علما بان النزعة الوظيفية عند دوركايم هي بديل للمنهج الغائي الذي تكشف عنه كتابات كونت وسبنسر".

    الظاهرة الاجتماعية عند دوركايم: عرفها بأنها طرق للسلوك والتفكير والشعور خارجة عن الفرد ولها من قوة التأثير ما تستطيع به أن تفرض نفسها على الفرد.([11])

     

    صفات الظاهرة الاجتماعية:

    *"الظاهرة الاجتماعية هي ظاهرة موضوعية لها وجود خاص خارج شعور الأفراد الذين يلاحظونها ويحسون بها لأنها ليست من صنعهم بل يتلقونها من المجتمع الذي تنشا فيه.

    *الظاهرة الاجتماعية ليست هي وليدة التفكير الذاتي عند الأفراد.

    *الظواهر الاجتماعية هي ظواهر شيئية وهذه الخاصية هي التي اعتمد عليها دوركايم في تأسيس علم الاجتماع ذلك انه شبه حقائق العالم الاجتماعي بحقائق العالم الخارجي.

    *الظواهر الاجتماعية هي أشياء خارجية بالنسبة لشعور الأفراد، فالفرد يقبل الظاهرة ويخضع لها ويستسلم كما لو كانت قوة خارجية.

    *للظاهرة الاجتماعية صفة الإلزام أو القهر.أي تفرض نفسها على شعور وسلوك الفرد.

    *الظاهرة الاجتماعية هي ظاهرة إنسانية تنشا بنشأة المجتمع الإنساني.

    *تمتاز الظاهرة الاجتماعية بأنها تلقائية أي من صنع المجتمع ومن خلقه.

    *الظاهرة الاجتماعية هي ظاهرة عامة وعمومية الظاهرة ناجمة من صفة القهرية.

    *تمتاز الظاهرة الاجتماعية بصفة الترابط، بمعنى أن كل ظاهرة اجتماعية مترابطة مع الظاهرة الأخرى".([12])

    فكرة الضمير الجمعي: "احد المفاهيم الكبرى لدى دوركايم أما من حيث القانون والأخلاق والضبط الاجتماعي فهناك ولاء ملحوظ للضمير الجمعي الذي يعني مجموعة من المعتقدات والعواطف العامة بين أعضاء المجتمع والتي تكون نسقا خاصا ومثل هذا الضمير له وجوده الخاص المتميز فهو يدوم عبر الزمن ويعمل على توحيد الأجيال ,والضمير الجمعي يعيش بين الأفراد ولكنه يتميز بالقوة والاستقلال وبخاصة حينما تزداد درجة التشابه بين الأفراد.

    وتعكس دراسة الضمير الجمعي عند دوركايم نظريته عن القهر الاجتماعي .وترتبط معالجته للظواهر الاجتماعية ارتباطا وثيقا بمناقشة الضمير الجمعي، حيث يعد المفهوم من مفاهيم دوركايم الرئيسية حيث عرفه بأنه: "مجموعة من المعتقدات والعواطف المشتركة لدى متوسط أعضاء المجتمع الواحد والتي تشكل نظاما اجتماعيا محددا له حياته الخاصة به".

    ويعتمد الضمير الجمعي في وجوده على الأحاسيس والعواطف والمعتقدات الموجودة في الضمير الفردي. وبالتالي أوضح أن هناك ارتباطا ذا تثير متبادل بين الضمير الجمعي والأفكار الاجتماعية في الواقع الاجتماعي نتيجة الضغوط التي يمارسها الضمير الجمعي على أعضائه.([13])

    تقسيم العمل: "يعتقد دوركايم أن ظاهرة تقسيم العمل ليست حديثة النشأة ولكن الجانب الاجتماعي منها كان أكثر ظهورا في أواخر القرن الثامن عشر ولقد تطورت إلى الحد الذي جعلها عامة وواضحة لكل فرد ولعل الاتجاه الذي اتخذته الصناعة الحديثة يكشف لنا بوضح مدى عمومية وانتشار هذه الظاهرة والصناعة تهدف إلى تقسيم العمل إلى ابعد الحدود وأصبحت المهن منعزلة متخصصة ليست فقط داخل المصنع بل أصبح كل إنتاج في حد ذاته متخصصا من ناحية ومعتمد على غيره من ناحية أخرى كذلك في معظم قطاعات المجتمع سواء في الوظائف الإدارية أو العلمية أو غيرها ونجد شبيها لذلك أيضا في الكائنات العضوية والمجتمعات. ويرى دوركايم انه لكي نصل إلى تعريف موضوعي لتقسيم العمل لابد من ملاحظته ومقارنته ودراسته كحقيقة موضوعية ولما كان تقسيم العمل يتضمن كل من القوة الإنتاجية وقدرة العامل لذلك فهو شرط ضروري لتقدم المجتمعات سواء أكان فكريا أو ماديا، والوظيفة الأساسية  لتقسيم العمل انه يخلق شعورا بالتضامن والتماسك والترابط بين الأفراد علاوة على ذلك له اثر ملحوظ وواضح في زيادة الوظائف المقسمة المتخصصة".([14])

    "تقسيم العمل يختلف باختلاف حجم المجتمع وكثافة السكان وشدة التفاعل الاجتماعي فازدياد السكان عامل أساس لتقسيم العمل ويعتبر كتابه تقسيم العمل أهم النصوص المنهجية في علم الاجتماع والتي حللت التصورات الطارئة خلال القرنين 18 و19م لذا خصص دوركايم الكتاب ليوضح رأيه في إمكانات تطبيق المقاربة الوظيفية من مبدأ يعتبر الوظيفية مبدأ نسبيا منهجيا. وهو يرى انه قد ترتب على تقسيم العمل شدة الصراع من اجل البقاء والاستمرار، فكثرة العدد تفرض على الأفراد ضرورة التخصص المهني مما يقلل من حدة الصراع ويتيح فرصة أوسع للحصول على وسائل الحياة.

    وعن الوظيفة الايجابية لتقسيم العمل يرى دوركايم أن تقسيم العمل وما يترتب عليه من تباين بين الأفراد يعمل على تدعيم نوع من التماسك المتبادل في المجتمع وينعكس هذا التساند المتبادل على العقلية الإنسانية والأخلاقيات كما انه يبرز في ظاهرة التضامن العضوي ذاتها. وكلما ازداد هذا التضامن رسوخا قلت أهمية الضمير الجمعي. وهكذا يستبدل القانون الجنائي القائم على جزاءات رادعة بقانون مدني إداري يهدف إلى حفظ حقوق الآخرين بدلا من العقوبة".([15])

    التضامن والتغير الاجتماعي: "يعتبر من إسهامات دوركايم تصوره وجود شكلين أساسين من التضامن بين أفراد المجتمع يعكسان بصورة أساسية نظريته نحو التطور والتغير الاجتماعي وهما:

    1.التضامن الآلي: وهو إحدى خصائص المجتمعات التقليدية التي يتضاءل فيها نظام تقسيم العمل. حيث يحدث نوع من التماثل والتشابه بين أنماط العمل السائدة في هذه المجتمعات كما تظهر المعايير الاجتماعية باعتبارها قوة ضاغطة وتمارس نوعا من القهر والإجبار. وتحدث نوع من التماسك حيث تتمثل المعايير والأعراف والتقاليد والقيم وتتقارب وجهات النظر والآراء إلى درجة كبيرة.

    2.التضامن العضوي: وهو إحدى خصائص المجتمعات الحديثة المتقدمة التي تقوم على نظم معقدة لتقسيم العمل وتنوع نمط العلاقات التعاقدية التي تؤدي إلى انخفاض درجة التضامن الاجتماعي وندرة مظاهر التضامن. كما تؤدي إلى  تفكك العلاقات الاجتماعية وضعف قوة الضبط الاجتماعي وظهور مظاهر متعددة للانحراف والجريمة والتعدي على حقوق الآخرين".([16])

    ظاهرة الانتحار: تمثل دراسة دوركايم عن الانتحار1897 مكانة هامة في الدراسات السوسيولوجية وكتابه هذا باجتماع معظم علماء الاجتماع يعتبر رائدا في تطبيق المنهج الإحصائي(الكمي) في دراسة الظواهر الاجتماعية، وهم يرون أنها أكثر ما تكون دراسة إحصائية ذلك لأنه عرفنا كيف يمكن أن ندعم البيانات التجريبية في موقف نظري معين.

    تعريف ظاهرة الانتحار عند دوركايم:"يشير الانتحار إلى كل حالات الموت التي تكون نتيجة مباشرة لفعل ايجابي أو سلبي قام به الشخص المنتحر وهو يعلم انه سيؤدي إلى هذه النتيجة"([17]).

    التعريف اللغوي للانتحار: هو" كل فعل أو أفعال يقوم بها صاحبها لقتل نفسه بنفسه وقد تم له ذلك وانتهت حياته نتيجة هذه الأفعال"([18]).

    وفي لسان العرب الانتحار مصدر للفعل انْتَحَرَ، وهو إصابة الإنسان نفسه لقصد إفنائها، ويُقال الانتحار هو الإجهاز على النفس ذاتها بأي طريق كان. ويقال: انتحر الرجل أي نحر نفسه.([19])

    وفي تاج العروس "سُرق السارق فانتحر. وهو مجاز". ومعنى المجاز هنا: هو أن السارق لم يسرق إلا ليكتسب من المال المسروق، ويملكه هو، فلما لم يحصل على مراده من ذلك، وكأنه أصيب بصعقة وكارثة خيبت آماله، فتراه كأنه يقتل نفسه كآبة وحزناً وهماً وغماً، فكأنه انتحر"([20]).

    وفي معجم مقاييس اللغة: لفظ النحر عام، والانتحار خاص، فالنحر يكون للإنسان وغيره. فيدخل في ذلك: قتل الإنسان غيره، وقتل الإنسان نفسه. وقتل الإنسان لغيره مطلقاً، سواء كان آدمياً أم حيواناً فكله ذبح وقتل ونحر"([21]). وفي المعجم الوسيط: " انتحر الرجل أي: قتل نفسه بوسيلة ما"([22])

    وعند تناول التعريف الاصطلاحي للانتحار يجب التمييز بين نوعين من الانتحار هما الانتحار الحقيقي، أي الموت الجسدي، والانتحار النفسي. فالانتحار الحقيقي يعرف بأنه " قتل الإنسان لنفسه عمداً. أما الانتحار النفسي Psychique Suicide". يعرف بأنه: نوع من الانتحار غير الصحيح حيث يزهد البعض في الحياة تماماً ويبغضونها، وتدفعهم عوامل اليأس إلى تحطيم أنفسهم فيصابون بحالات مرضية"([23]).

    ويعد دوركايم (Durkheim  (1967 أول من تناول مفهوم الانتحار فقد عرفه على أنه " كل حالات الموت التي تنتج بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن فعل إيجابي أو سلبي يقوم به الفرد بنفسه " وهو يعرف أن هذا الفعل يصل إلى هذه النتيجـة أي "المـوت"([24]).

    كمـا أشـار بيـك وآخـرين Beck et al.(1979) إلى " أن الانتحار ليس حدثاً منعزلاً، بل هو عملية معقدة، وأن السلوك الانتحاري يمكن تصوره باعتباره واقعاً على متصل لقوة كامنة تشمل تصور الانتـحار، ثم التأملات الانتحـارية، ثم محاولة الانتحار، وأخيرا إكمال هذه المحاولة الانتحارية ".([25]) وتتفق وجهة نظر كل من بونر وريتش (1987) مع ما أشار إليه  بيك ((1979  في أن السلوك الانتحاري عملية دينامية معقدة بدلاً من كونه حدثاً منعزلاً ثابتاً فالسلوك الانتحاري " عملية مركبة من مراحل مختلفة  تبدأ بتصور الانتحار الكامن، وتتقدم خلال مراحل من تأمل الانتحار النشط، ثم التخطيط للانتحار النشط، وفي النهاية تتراكم محاولات انتحار نشطة لدى الفرد، وقد يتذبذب مركز الفرد في هذه العملية وفقاً لتأثير العمليات البيولوجية والنفسية الاجتماعية".([26]).

    أنواع الانتحار عند دوركايم:([27])

    1."انتحار الوحدانية أو العزلة الاجتماعية (Egoistic Suicide): يظهر هذا النوع من الانتحار نتيجة لانعزال الفرد عن المجتمع لسبب ما يتعلق بالفرد نفسه أو يتعلق بالمجتمع الذي ينتمي إليه الفرد ويتفاعل معه، فهذا الفرد لا يستطيع تكوين علاقة طبيعية مع المجتمع لعدم تذوقه لقوانين وعادات المجتمع وسخطه على نظامه ووضعه العام، والمجتمع من جانبه لا يعطي المجال للفرد للتفاعل معه والانسجام مع مؤسساته البنيوية نظرا لتناقض ميوله واتجاهاته ومصالحه وأهدافه وقيمه مع تلك التي يتمسك ويؤمن بها الفرد. لذا يشعر الفرد بالبعد والاغتراب عن المجتمع وهنا يفقد آماله وطموحه ويضيع كل شي له علاقة بالمجتمع ويفشل في تذوق ثمرة عمله وجهوده، لذا تنعدم عنده معاني الحياة السامية ويفقد مثله وقيمه ومقاييسه بعد ذلك يصاب بمرض نفسي خطير قد يؤدي به إلى الانتحار. وهذا النمط من الانتحار غالبا ما يصيب الأشخاص المعدمين والمحرومين والذين يعانون من الأمراض النفسية والعقلية.

    2.انتحار التضحية في سبيل الآخرين (Altruistic Suicide): يعتبر انتحار التضحية في سبيل الآخرين مناقضا من حيث أسبابه ودوافعه لانتحار الوحدانية فهو ناتج عن شدة تماسك وانسجام الفرد مع جماعته وقوة علاقته الاجتماعية معها ذلك أن جماعته كما يعتقد لها أهميتها وفاعليتها في وجوده وكيانه فهو لا يستطيع العيش دون وجودها ويكون معتمد عليها ومتأثر بتعاليمها وفلسفتها وأساليبها السلوكية كما يكون مستعدا على التضحية بماله ونفسه من اجل بقائه واستمرارها إذا تعرضت للخطر والتهديد وعندما تتعرض الجماعة لخطر العدوان أو التفكك فانه يقوم بالدفاع عنها بكل ما يملك من قوة وباس، وفي أحيان كثيرة ينتهج الصيغ الانتحارية لإنقاذها من مأزق التشتت والانهيار والفناء. وإذا فشل في إنقاذ الجماعة من الخطر فإنه يقدم على الانتحار علما منه بأنه لا يستطيع العيش بدونها ولا يريد مشاهدة وضعها البائس والمتشتت بعد عجزها في درء الأخطار والتحديات عنها والعمليات الانتحارية التي يقوم بها بعض أفراد القبائل عندما تتعرض قبائلهم بالغزو والاحتلال والسبي من قبل القبائل الأخرى إلا مثال حي على هذا النوع من الانتحار.

    3. انتحار التفسخ الاجتماعي (Anomic Suicide): يظهر هذا النوع من الانتحار عندما يفشل المجتمع في السيطرة على سلوك وعلاقات أفراده، وعندما تتفسخ الأخلاق والآداب والقيم وتضعف العادات والتقاليد وتعم الفوضى والفساد في ربوع المجتمع وهنا يفقد الفرد آماله وطموحاته وتضعف أو تنعدم عنده الرغبة في التفاعل مع الآخرين والانسجام معهم. وعندما يشعر الفرد بعدم قدرته على وضع حد لهذه الحالة المتفسخة والشاذة وعجزه عن تغيير المجتمع نحو الأحسن فانه يصاب باليأس والقنوط وانعدام الآمال والأهداف. ومثل هذه الحالة تلحق به المرض النفسي والكآبة والاشمئزاز من الحياة. إذن التفسخ الاجتماعي(Anomie) الذي يعبر عن نفسه في ارتباك موازين الحياة واضطراب قيمها ومقاييسها وتشتت آمال وأهداف الفرد وتناقض مصالحه مع مصالح المجتمع لابد أن يدفع عدد غير قليل من أبناء المجتمع إلى الانتحار. أما الأفراد الذين يتعرضون لهذا النمط من الانتحار فهم المطلقون والمطلقات والذين يتعقدون بقيم ومقاييس ومثل معين اكتسبوها من وسط المجتمع الذي عاشوا فيه وتفاعلوا معه وعندما تغير هذا المجتمع وتغيرت معه القيم المقاييس والمثل لم يستطيع الأفراد المسنون مثل تغير قيمهم ومثلهم القديمة وإدخال القيم الجديدة التي دخلت المجتمع مؤخرا. وهنا يتعرض هؤلاء إلى عدم التكيف مع المجتمع الجديد فيفقدوا طموحاتهم وأهدافهم ويصبحوا من نقاد المجتمع والحاقدين عليه وعندما يفشلون في تغيره أو إصلاحه وفق أفكارهم وقيمهم وميولهم واتجاهاتهم فأنهم سرعان ما يصابون بخيبة الأمل واليأس ومثل هذه الحالة المأساوية قد تدفع بعضهم إلى الانتحار لتخلص من الحياة ومنغصاتها".

    نظرية دوركايم في الدين: "قد يكون كتاب دوركايم "الصور الأولية للحياة الدينية"(1912) أجرئ كتاب لدوركايم. وهو يقوم على أساس افتراض كانت الاثنولوجيا تعتبره افتراضا كاذبا أو على الأقل غير دقيق، وهذا الافتراض يقول بالتحديد أن الطوطمية ليست سوى دين وعلى أي حال فمازال دوركايم يعتقد أن الدين ليس وهما ولكنه بداية لكل الثقافات والحضارات. فالدين هو جوهر الجماعة، انه القوة الغامضة التي يشعر بها الأفراد وتوثر فيهم إذا لم يكونوا بمفردهم وإذا تجمعوا معا للقيام باحتفال مشترك. انه الشيء الذي يشتركون فيه جميعا انه ينظم حياتهم ويعطيهم الشعور بالأمن والسعادة ولكنه يفرض عليهم سلوك الجماعة الأخلاقي، وان سلوك التوحد مع القوة الخارقة للطبيعة يتحقق في طقوس الأضحية وفي طقوس الاستعداد للصيد البري أو صيد السمك أو الحرب، كما يوجد هذا السلوك في الإشارات والرموز والممارسات السحرية والتي من خلالها يظهر التنظيم الاجتماعي. أي أن التنظيم الاجتماعي الذي يشعر به أعضاء الجماعة ويمارسونه إنما ينعكس في الدين([28]).

    استنتاج:

    1."أكد على ضرورة فهم الظاهرة الاجتماعية لأسباب اجتماعية مما أدى إلى استقلالية علم الاجتماع.

    2.استخدم المنهجية العلمية التي اعتمدت على لغة الكم في فهم الظواهر الاجتماعية عندما استخدم المنهج الإحصائي الذي أعطى تكاملا لفهم الظاهرة في علم الاجتماع.

    3.استخدم الملاحظة والتجربة كطرق منهجية في فهم الظواهر الاجتماعية.

    4.ابتداعه للعقل الجمعي واستخدام هذا المفهوم لتفسير الظواهر.

    5. تأكيده على فكرة الموضوعية والحياد الأخلاقي بمعنى تقرير الأشياء كما هي في الواقع وأن لا يقحم الباحث ذاته في الدراسة.

    6.أصر على استخدام عامل الدين لفهم الظواهر الاجتماعية.

    أهم الانتقادات الموجهة لدوركايم:

    1.لقد اتهم دوركايم بالمادية عندما نادى بان الظواهر الاجتماعية يجب أن تدرس كأشياء.

    2.انه تحمس أكثر من اللازم لسوسيولوجيته وتغالى في تفسير الحقيقة الاجتماعية بحقيقة اجتماعية أخرى واشترط في استبعاده بعض المؤثرات الأخرى في الحياة الاجتماعية.

    3.في دراسته عن الانتحار لم يلتفت إلى العوامل الاجتماعية طبقا لما نادى به وهو تفسير الظاهرة الاجتماعية بظاهرة اجتماعية أخرى.

    4.أوجه النقص الأساسية في نظريات دوركايم إنما ترجع إلى ذلك التصور الذي يتأتى من تعاريفه، فالتعريفات بالنسبة إلى ذلك تعريفات مبدئية بمعنى أنها تظل دائما في حاجة إلى تعديل كما أن أفكاره المنهجية الأساسية مثل شيء وواقعه وميكانيكي وموضوعي والفرد والقهر كانت معاني متعددة غامضة ويستخدم المصطلح في معاني  مختلفة.

    5.نزعته المحافظة أي تأثره بظروف عصره وقد كتب دوركايم خلال فترة تفكك اجتماعي.

    6.اعتمد على تاريخ مجتمعات بعينها لتأييد وجهة نظره في تطور الأشكال الاجتماعية، وأهمل المجتمعات الأخرى مما افقد نظريته الشمول والعمومية.

    7.في تحديده الظاهرة الاجتماعية بالجبرية والتلقائية قد طمس بذلك فاعلية الإنسان وجعله عبدا لمصير مجهول ومعنى ذلك أن الناس يخرجون إلى العالم وهم لا يملكون إلا أن يكونوا سلبيين يقبلون علاته".([29])



    [1] - بدر يحيى مرسي، علم الاجتماع مقدمة في سوسيولوجيا المجتمع، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2008، ص ص 74- 75.

    [2] - الحسن إحسان محمد، رواد الفكر الاجتماعي، دار وائل للنشر، بغداد، 1999، ص 224.

    [3] - بيومي محمد احمد، أسس وموضوعات علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، 2000، ص134.

    [4] - بدر يحيى مرسي، علم الاجتماع مقدمة في سوسيولوجيا المجتمع، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2008، ص ص 75- 77.

     

    [5] - الغريب عبد العزيز بن علي، نظريات علم الاجتماع، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 2009، ص152.

    [6] - نفس المرجع السابق، ص150.

    [7] - بيومي ، مرجع سابق، ص136.

    [8] - الغريب، مرجع سابق، ص150.

    [9] - الحسن، مرجع سابق، ص ص 235-236.

    [10] - الحسن، مرجع سابق، ص ص 237- 238.

    [11] - بدر، مرجع سابق، ص 77.

    [12] - الحسن، مرجع سابق، ص ص 227-228-229.

    [13] - الغريب، مرجع سابق، ص156.

    [14] - بيومي، مرجع سابق، ص 142.

    [15] - الغريب، مرجع سابق، ص157.

    [16] - الغريب، مرجع سابق، ص ص 154- 155.

    [17] - بيومي، مرجع سابق، ص ص 146- 147.

    [18] - فايد حسين، دراسات في السلوك الشخصية، ط1، القاهرة، مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع، 2004، ص288.

    [19] - ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ( د.ت)،  لسان العرب، ص75.

    [20] - الزبيدي، محمد مرتضي الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: عبد العليم الطحاوي. المجلد الرابع عشر، الكويت: مطبعة حكومة الكويت، 1394ه، ص 184.

    [21] - ابن فارس، أحمد بن زكريا، معجم مقاييس اللغة تحقيق:عبد السلام هارون، ط2، المجلد الخامس، القاهرة:شركة ومطبعة الحلبي وأولاده، 1392ه، ص 400.

    [22] - مصطفي، إبراهيم وآخرون (ب.ت) المعجم الوسيط. المجلد الثاني تركيا: المكتبة الإسلامية، 1392ه، ص906.

    [23] - فايد حسين، مرجع سابق، ص288..

    [24] - سمعان، مكرم (1964م) مشكلة الانتحار، دراسة نفسية اجتماعية للسلوك الانتحاري بالقاهرة. القاهرة: دار المعارف، 1964، ص 45.

    [25] - Bech, A. et al. (1979). Assessment of Suicidal Ideation: The Scale for Suicidal Ideation, Journal of Consulting & Clinical Psychology, Vol. 47, 343-344.

    [26] - Bonner, R. & Rich, A. (1987). Toward a predictive model of suicidal ideation and behavior: Some preliminary data in college students, Suicide & Life-Thereatening Behavior, Vol. 17, 50-51.

    [27] -  الحسن، مرجع سابق، ص ص 247- 249.

    [28] - بدر، مرجع سابق، ص 79.

    [29] - بيومي، مرجع سابق، ص ص 158- 159.


  • ثانيا: تجارب هاوثورن " إلتون مايو"( Elton Mayo)

    نبذة تاريخية عن التون مايو:([1])

    هو جورج التون مايو مؤسس نظرية العلاقات الإنسانية التي جاءت كرد فعل على إهمال النواحي النفسية والاجتماعية، وهو عالم نفس واجتماع استرالي، ولد باستراليا في 26 ديسمبر، عمل كأستاذ محاضر بجامعة كوبزلانر (1911- 1923) ثم بجامعة بانسل فانيا، لكنه قضى معظم حياته المهنية في مدرسة الهاربارد للعالم (1923- 1947).

    أجريت تجارب هاوثورن التي تعرف أيضا بشركة ولسترن إلكتريك في دائرة الهاوثورن بمدينة شيكاغو في الفترة الممتدة (1927- 1932)، تحت إشراف مشترك من بعض العاملين بالشركة وفريق من الباحثين بجامعة هارفارد بقيادة التون مايو.

    وقد نشر تقرير البحث النهائي تحت عنوان الإدارة والأعمال 1939، لكن سبقه موجز بالنتائج ظهر قبل ذلك بعدة سنوات في كتاب مايو قدم عرضا مختصرا ومبسطا للنتائج، ظهر قبل ذلك بعدة سنوات في كتاب تحت عنوان المشكلات الإنسانية للحضارة الصناعية، مع أن مايو قدم عرضا مختصرا ومبسطا للنتائج، لكنه صاغها في منظور أوسع يوضح صلتها بمفهوم الانومي عند دوركايم وهو يرى أن الصناعة تحتاج إلى مستوى عالي من القدرات والمعارف الإدارية من اجل المحافظة على الاتصال والتعاون المطلوبين للكفاءة الإنسانية والسعادة الشخصية للإنسان".

    مفهوم العلاقات الإنسانــــــــية:

    يرى العلماء أن العلاقات الإنسانية حصيلة الاتصال بين الفرد والمجتمع ففي الجوانب النفسية والاجتماعية التي تعمل على تنظيم علاقة الفرد بالآخرين والمجتمع. وتعمل على ضمان تكيف الفرد وتوازنه ليتمكن من أداء مهامه وأدواره بطريقة منتظمة ومنسجمة مع أنظمة المجتمع وقوانينه المختلفة.([2])

    ولهذا بدأ العلماء في الحديث عن دور العلاقات الإنسانية في بلورة الإدارة الناجحة والقادرة على الاهتمام بمطالب الإنسان الشخصية والاجتماعية والمهنية وغيرها.([3]) ولكنها بالمعنى السلوكي يقصد بها عملية تنشيط واقع الأفراد في موقف معين مع تحقيق توازن                                                                                             بين رضاءهم النفسي وتحقيق الأهداف المرغوبة. ويقصد بها أيضاء الأساليب السلوكية والوسائل والأساليب التي يمكن بها استثارة دافعية الناس وحفزهم على المزيد من العمل المثمر المنتج وتركز العلاقات الإنسانية على الأفراد أكثر من تركيزها على الجوانب الاقتصادية أو المادية وهي ليست مجرد كلمات طيبة أو عبارات جميلة وإنما هي تشير إلى تفهم عميق لقدرات الناس وطاقاتهم وإمكانياتهم وظروفهم ودوافعهم وحاجاتهم واستخدام كل هذه الظروف والعوامل لحفزهم للعمل وتسعى لتحقيق هدف واحد في جو من التفاهم والتعاون والتعاطف والتحاب.([4])

    كما يمكن تعريف العلاقات الإنسانية في مجال العمل بأنها مجال من مجالات الإدارة يعنى بإدماج الأفراد في موقف العمل بطريقة تحفزهم إلى العمل معا بأكثر إنتاجية مع تحقيق التعاون بينهم وإشباع حاجاتهم الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، ويتضح في هذا أن للعلاقات الإنسانية ثلاثة أهداف:

    1-تحقيق التعاون بين العاملين.

    2- الإنتاج.

    3- إشباع حاجات الأفراد الاقتصادية والنفسية والاجتماعية.

    وعندما تتحقق الأهداف الثلاثة تكون النتيجة نجاح الجهد الجماعي والأفراد يعملون معا لهدف مشترك ودافع مشترك، ومن هنا تظهر أهمية العلاقات الإنسانية في نجاح المشروعات.

    ويمكن القول أن حركة العلاقات الإنسانية قد ساهمت في إثراء الفكر التنظيمي وذلك بتوسيع مجالات اهتمامه فأصبح ينظر إلى اهتماماته، التنظيم الرسمي والغير الرسمي وكيفية تفاعلهما، اثر الجماعات غير الرسمية والعلاقات التي تنشا بينها داخل وخارج العمل، والمشروعات التنظيمية العليا والدنيا وعلاقات التفاعل بينهما والحوافز المادية والمعنوية وتأثيرهما المتبادل والمشترك على إنتاجية العمل.([5])

    نشأة نظرية العلاقات الإنسانية:([6])

    ظهرت بفضل أعمال التون مايو الناتجة عن مجموعة من التجارب اشتهرت باجراءها في مصانع وسترن إلكتريك في هاوثورن 1924- 1933، وقد كانت هذه التجارب تهدف إلى دراسة تأثير الظروف المادية للعمل على الإنتاجية، وجرت التجارب كلها على مجموعة من العاملات المتطوعات، وفي نهاية هذه التجارب اتضح أن كل التغيرات الطارئة، توصلت إلى نتائج مماثلة مفادها بان الزيادة في إنتاجية العاملات. لم تكن أسبابها في الظروف الفيزيقية للعمل، ومن ثمة استخلص مايو وزملاؤه بان الزيادة لم تكن نتيجة التغيرات الحادثة، وإنما نتيجة التجربة المقترحة، مفضلا العلاقات بين الأفراد، بتغيير سلوك المشرفين مما يغير بالضرورة العلاقات الاجتماعية وبالتالي سلوكات الأفراد.

    وكانت هذه النتائج المذهلة تناقض تماما نتائج تايلور تبعد كل الاعتبارات السوسيونفسية، وتعتبر أن العمل لا يتمثل إلا في إبعاده التقنية البحتة.

    وجاءت بعد دراسات ونتائج مايو وزملائه، دراسات أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، دعمت هذه الفكرة وأكدت على أن عامل العلاقات الإنسانية يلعب دورا حاسما في المؤسسة، بزيادة إنتاجية العامل وإنتاج المؤسسة، ويعمل على الاستقرار الاقتصادي والنفسي الاجتماعي عند العامل".

    تجارب الهاوثورن:([7])

    إن شركة ولسترن إلكتريك احد فروع الشركة الأمريكية للتيلوفونيك والتيليغراف وهي تصنع معظم المعدات التي تحتاجها الشركة الأم وأثناء القيام بالدراسة كانت نسبة كبيرة من قوة العمل، تتكون من الأجانب وأبناء المهاجرين وكانت نقابة العمال وقتها ضعيفة غير مؤثرة.

    تتكون تجارب الهاوثورن من خمسة دراسات مستقلة، لكل منها منهجها وكلها تسلم نتيجة مؤداها أن إنتاج العمال يتحدد بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقات الاجتماعية مع زملائهم من العمال والمشرفين وهذه التجارب الخمسة هي:

    1-تجربة الإضاءة.

    2- حجرات اختبار خط التجميع المتناوب.

    3- تقسيم المجموعات إلى فرق.

    4- برنامج المقابلات.

    5- حجرات ملاحظة شبكة الأسلاك.

    وسوف نذكر ثلاثة تجارب منها:

    1-تجربة الإضاءة: أجريت هذه التجربة من قبل على يد مسؤولي الشركة قبل وصول فريق جامعة هارفارد، وظفت هذه التجارب بغرض الكشف عن العلاقة بين الإضاءة والكفاية الإنتاجية لمردودية العمال.

    وتم في التجربة الأولى زيادة الإضاءة، بدرجات بطيئة في ثلاثة أقسام تؤدي مهام مختلفة وتبين في قسمين من هذه الأقسام أن الكفاية تزيد بتحسن الإضاءة في حين لم يظهر أي تأثير في القسم الثالث".

    2-التجربة الثانية:([8]) تم اختيار مجموعة واحدة لتعمل في إضاءة متغيرة ومن ثمة مقارنتها بمجموعة ضابطة تعرضت إلى نفس الإضاءة ثابتة وكانت النتائج مفاجئة حيث زادت الإنتاجية في المجموعتين معا.

    3- التجربة الثالثة: وبغرض عرض الضوء الطبيعي، تم تعريض مجموعتين إلى إضاءة صناعية، ومن ثمة تخفيض مستوى الإضاءة بتدرج في حجرة المجموعة التجريبية ويتبين للمرة الثالثة أن إنتاجية المجموعتين تزيد بنفس المعدل تقريبا، ولم ينخفض الإنتاج إلا بعد أن قام الباحثون بتخفيض الإضاءة في المجموعة التجريبية إلى مستوى ضوء القمر بحيث لم يعد يستطيع العمال رؤية المواد التي يعملون بها إلا بصعوبة.

    وقد تبين من هذه التجارب تؤثر تأثيرا ضئيلا في الإنتاج والزيادة الملحوظة في الإنتاج لابد أن ترجع إلى عامل آخر لم يعمل حسابه هو العامل الإنساني لان الاهتمام الشخصي الذي ناله العمال مع البرنامج كان له تأثير في تغيير حالة اللامبالاة والمسافة الاجتماعية في علاقاتهم الطبيعية مع الإدارة، وفي هذه الحالة دفعهم اهتمام الإدارة إلى العمل الجاد وبالتالي زاد الإنتاج، بغض النظر عن مقدار تحسن في ظروف العمل المادية التي احدث بها التجارب.

    تجربة المقابلات: برنامج تجريبي للمشرفين، كشف عن نفس المعلومات تحول الروح المعنوية في حجرة الاختبار وكان هذا البرنامج يتألف من مرحلتين:

    أ-مرحلة استطلاعية: أجريت في احد فروع الشركة من سبتمبر 1927- 1929.

    ب-المرحلة الثانية: برنامج متصل قام بحوالي 20000 مقابلة مع العاملين في الشركة لمدة عامين 1929- 1931، وقد توقف البرنامج 1931، نظرا للانخفاض المماثل لنشاط الإنتاج مما أدى إلى تعثر التجارب ليعود البرنامج مرة أخرى في 1936".

    "ليصبح من الخصائص الدائمة للإدارة العمالية في مصانع الهاوثورن تحت اسم الإرشاد العمالي.

    في بداية البرنامج اعد القائمون في المقابلة قائمة بالموضوعات التي اعتقد وإنها ترتبط بالروح المعنوية مثل التدفئة، التهوية، التخزين، وفرص الترقية...الخ، ونظرا لصعوبة إلزام المبحوثين بهذه المواضيع لجا الباحثون إلى المقابلة الغير الموجهة وترك للمبحوثين حرية اختيار الموضوعات، مما استدعى زيادة وقت المقابلة وطول التقرير وقد تبين أن إتاحة الفرصة للحديث مع الباحث غير من النتائج خلال ساعات العمل وإتاحة الفرصة للكشف عن المشكلات الشخصية بسرية تامة.

    3-حجرة ملاحظة شبكة الأسلاك: اشتملت التجربة الأخيرة على دراسة تفصيلية لموقف معملي من وجهة نظر علم الاجتماع وكان الهدف من تصميم هذه التجربة الكشف عن أثار التفاعل الاجتماعي على سلوك العمال، ومع تقديم هذه الدراسة بدا في التركيز على تقييد الإنتاج التي تمارسها جماعة الأصدقاء المنظمة تنظيم غير رسمي، وقد أخذت مجموعة من العمال الذكور من القسم الذين يعملون فيه ووضعوا تحت الملاحظة في حجرة مستقلة ليستمروا في أداء نفس العمل فكان عملهم هو توصيل أسلاك خطوط لوحة مفاتيح التيليغراف وتتكون هذه المجموعة من 14 رجل، 9 عمال يوصلون الأسلاك و3 لحامين، و2 من المفتشين بالإضافة إلى ملاحظتهم وضبط سلوكهم ضبطا دقيقا، استمرت هذه التجربة من نوفمبر 1931 إلى ماي 1932 وقد ظلت أجور العمال وساعات العمل على حالها، وكان نظام حوافز الأجر يضع معيار قدرة توصيل 7200 توصيلة غير أن العمال وقفوا عند 6600 توصيلة في اليوم ومن هنا ظهر بما يعرف بالتنظيم الغير الرسمي".   

    حركة العلاقات الإنسانيـــــة:

    كان ظهور حركة العلاقات الإنسانية في الثلاثينات رد الفعل لحركة الإدارة العلمية لتايلور التي تجاهلت العامل الإنساني بالنسبة للعاملين ونظرت إليهم نظرة مادية بحتة مجردة من أي اعتبار للعوامل الإنسانية. ووجه كثير من الباحثين والكتاب المهتمين بالنقد لحركة الإدارة العلمية وأولوا اهتماما بأفكار العلماء السلوكيين وكانت أهم شخصية بارزة ومؤثرة في مجال العلاقات الإنسانية هي شخصية إلتون مايو. وبدأ إلتون مايو فيلسوفا اجتماعيا فيما توصل إليه بالنسبة للتحضر الصناعي وذهب بالقول بأن التصنيع والتخصيص قد ترتب عليها تدهور نفسي للفرد وعبر عن قلقه بالنسبة لتجاهل الجانب الإنساني في المجتمعات الصناعية الكبرى في المجتمع التكنولوجي وكان لحركة العلاقات الإنسانية تأثير كبير على ميدان الإدارة والعاملين فيه وجذب اهتمام المديرين والمسؤولين إلى أهمية الجانب الإنساني في العملية الإدارية وبدأ الاهتمام بالروح المعنوية للعاملين، وهكذا بدأت حركة العلاقات الإنسانية تخضع لكثير من النقد واهتمت المؤسسات الصناعية بالجانب الإنساني للعاملين مما ساهم في زيادة إنتاجهم في العمل بشتى أنواعه.([9])

    ولقد بدأ الاهتمام بحركة العلاقات الإنسانية في الإدارة بعد النتائج التي توصل إليها فريق من العلماء يرأسهم إلتون مايو من تجارب هوثورن في شركة الكهرباء الغربية بالولايات المتحدة. فقد حاول الباحثون في هذه التجارب إيجاد العلاقة بين إنتاجية العمال وكثافة الإضافة  ووجد كذلك أن الروح المعنوية والانسجام بين العمال وشعورهم باهتمام المسؤولين بسبب إجراء التجارب عليهم كانت جميعا من أسباب ارتفاع الإنتاجية. وقد جاءت بعدها دراسة العلاقة بين الإنتاجية وعوامل أخرى مثل:

    *الراحة التي تعطى للعمال ورفع الأجور فكانت تشير إلى زيادة الإنتاجية.

    وقد نتج عن تجارب مايو إحساس بأهمية المبادئ الإنسانية التي ولدت في 1920 لأول مرة. ولذلك فإن العلاقات الإنسانية في الإدارة قد:

    *أثبتت أن السلوك الإنساني موضوع متشابك معقد فيزداد التعقيد عندما يعمل الإنسان في مجموعات صغيرة.

    *أغنت الباحثين فهمهم للسلوك الإنساني وأكدت أهمية الظروف الاجتماعية والنفسية في زيادة الإنتاج.

    *بينت أثر الجو الإشرافي على سلوك مجموعات العمل.

    *بينت أن الأفراد العاملين في وحدة إدارية أو إنتاجية يكونون على اتصال دائم ببعضهم بعض.

    *وبالرغم من أن حركة العلاقات الإنسانية قد وضعت حدا كبيرا لما كان يعاني منه المرؤوسون من سوء معاملة وتسلط وإهمال لمشاعرهم واعتبارهم كآلة إلا أن حركة العلاقات الإنسانية ذاتها قد واجهت نقدا شديدا واعتبرت من وجهة نظر أخرى وسيلة لاستغلال الموظفين بالإضافة إلى سوء استغلال المرؤوسين لها على حساب الإنتاج.([10])

    وقد توصلت تجارب هوثورن إلى النتائج التالية:([11])

    1- ميل الأفراد العاملين في وحدة إنتاجية واحدة إلى تكوين تنظيمات غير رسمية فيما بينهم.

    2- تأثر تصرفات الأفراد داخل التنظيم بالإطار الذي ترسمه لهم الجماعة.

    3- أن الحوافز المعنوية تقوم بدور حيوي في تحفيز الأفراد للعمل.

    4- إن طاقة الفرد للعمل لا تتحدد طبقاً لطاقته الفسيولوجية وإنما أيضاً طبقاً لطاقته الاجتماعية من حيث شعوره بالرضا والتفاهم القائم بينه وبين رؤسائه من ناحية, ودرجة التعاون مع زملائه في العمل من ناحية أخرى.

    5- دور القيادة غير الرسمية في التأثير على سلوك الأفراد داخل التنظيم من حيث تكوين الجماعات ونمط العلاقات بينهم.

    وباختصار فإن أبحاث وسترن إلكتريك تعد في الواقع بمثابة عودة التفكير السليم إلى علاقات العمل، ويرجع ذلك للأسباب التالية:

    1-إن هذه التجارب قد أثرت الفكر الإداري بعدد من الفروض والآراء والأفكار التي أسهمت في دراسة وتفهم المواقف الإنسانية والسلوكية في محيط الأعمال.

    2-أن هذه التجارب قد مهدت السبيل لظهور منهج جديد في التفكير, وهو المنهج السلوكي الذي يمكن من خلاله اكتشاف المشكلات الإنسانية المعقدة والتعرف على أساليب علاجها.

    3- أن هذه التجارب قد ساعدت في إلقاء الضوء على المتطلبات الأساسية الواجب توافرها لخلق التعاون الفعال بين الإدارة والعمال, فالعمال ليسوا أفراداً منعزلين بعضهم عن بعض الآخر ولا يمكن النظر إليهم كوحدات متفرقة، فهم يشكلون جماعة واحدة, وبتعاونهم وتضافرهم وحماسهم في عملهم يتحقق الهدف الذي يسعى إليه التنظيم.

    ومن هذا المنطلق يتضح أن دراسة إلتون مايو تعتبر أول دراسة تعنى بالسلوك الإنساني في التنظيم، كما تعتبر في الوقت نفسه أولى المحاولات العلمية الجادة والعملية لتفسير أثر السلوك الجماعي على محيط العمل، وضرورة مراعاة الإدارة للعنصر البشري ليس فقط من النواحي المادية، وإنما أيضاً من النواحي النفسية والاجتماعية، فقد أسهمت هذه التجارب في نشر الاهتمام بالعلاقات الإنسانية في مجال العمل، مما أدى إلى كثير من أنواع التغيير في الممارسة الإدارية خلال الثلاثينات من هذا القرن ومن الآثار العلمية نذكر ما يلي :

    1- ظهرت لأول مرة إدارة مهمة في المشروعات تسمى " إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية" تتولى الاهتمام بحسن استخدام الموارد البشرية المتاحة والعمل على رفاهيتها وحل مشكلات العاملين, بل وصل الأمر إلى حد وجود أقسام للتحليل النفسي داخل هذه الإدارات.

    2- بدأت الإدارة العامة والخاصة تعترف بحق العاملين في الحصول على إجازات سنوية وبدأت ساعات العمل الأسبوعية تنخفض تدريجياً حتى وصلت الآن إلى أربعين ساعة أسبوعياً في معظم دول العالم.

    3- بدأ الاعتراف بحقوق العمال في الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية فتقررت وجبات العاملين "خاصة في المصانع والمناجم" وساعة للراحة وتقرر علاج العاملين مجاناً ورعايتهم صحياً والتأمين عليهم.

    4- بدأ تدريب الرؤساء والمشرفين على مراعاة أصول العلاقات الإنسانية والمعاملة الحسنة للعاملين معهم حتى ترتفع روحهم المعنوية وتزيد قابليتهم للتعاون.

    والنتائج التي آلت إليها هذه النظرية ومنها:([12])

    1- أن هذه المدرسة لم تقدم نظرية كاملة ولا شاملة لتفسير ظاهرة التنظيم والسلم التنظيمي بل إنها ركزت اهتمامها على دراسة جانب واحد من جوانب التنظيم المتعددة وهو العنصر البشري، فالتنظيم عبارة عن وحدة اجتماعية مركبة يتفاعل فيها جماعات العمل الاجتماعية، وقد صورت مدرسة العلاقات الإنسانية تلك الجماعات الاجتماعية على أنها متماثلة ومتحدة الهدف والغاية. ولكن الواقع يشير إلى أنه حيث توجد بعض المصالح المشتركة بين جماعات العمل الاجتماعية من الناحية الاقتصادية مثلاً, فإن هناك أيضاً مصادر للاختلاف والتناقض بينها. ومن الجائز أن تتعاون تلك الجماعات في بعض مجالات العمل، إلا أنه من المستبعد تماماً أن تنصهر جميعاً وتصبح أسرة واحدة سعيدة كما يتخيل أنصار حركة العلاقات الإنسانية.

    2- أن هذه المدرسة تفترض وجود تناقض واضح بين مصالح مجموعتين من أعضاء التنظيم وهما مجموعة العمال ومجموعة الإداريين، بينما تقتضي تحقيق أهداف التنظيم التكامل بين هاتين المجموعتين.

    3- أن تركيز نظريات العلاقات الإنسانية على أن إنشاء جماعات العمل وإتاحة الفرصة لها للتفاعل يجعل جو العمل أكثر ملائمة للعامل, ولكن ذلك بالقطن لن يقلل من جهد العامل في عمله أو يغير من طبيعة العمل الذي يقوم به، فتلك أمور موضوعية لن تتأثر بالجوانب الاجتماعية للعمل. بل إن التجارب أثبتت أن جماعة العمل الأكثر سعادة ليس بالضرورة أكثر إنتاجية.

    4- أن حركة العلاقات الإنسانية بتركيزها على جماعات العمل باعتبارها عائلة سعيدة وبأن المصنع أو مكان العمل هو مصدر الرضا الأساسي للعامل إنما تتغافل عن واقع التفاعل الاجتماعي للأفراد والجماعات وما يحتويه من تصارع وتنافس ومحاولة للسيطرة والتسلط, وبالتالي فإنها تعطي تصويراً خاطئاً للتنظيمات الفعلية. وأكثر من هذا أن الصراع الإنساني في تنظيمات العمل قد يعتبر مصدراً للتجديد والابتكار والإبداع حيث يحاول كل عضو أن يتميز على الآخرين، كما أن الصراع بين الإدارة والنقابات كان عاملاً حاسماً في سبيل التطوير الفني والإنتاجي كما كان عاملاً أساسياً في تحسين أحوال العمال. وبذلك فإن الصراع الذي تعتبره مدرسة العلاقات الإنسانية أمراً غير مقبول قد يمثل في الواقع متغيراً أساسياً من المتغيرات المحددة لكفاءة ونجاح العمل التنظيمي.

    5- أن حركة العلاقات الإنسانية في تركيزها على دراسة التنظيم غير الرسمي تغفل أهمية التنظيم الرسمي ولا توضح أثره في تشكيل سلوك أعضاء التنظيم.

    6- أن حركة العلاقات الإنسانية إذ تركز على الحوافز والمكافآت غير المادية إنما تتجاهل أثر الحوافز المادية وهي بذلك تفقد عنصراً مهماً من عناصر تفسير السلوك الإنساني في تنظيمات العمل.

    ومما هو جدير بالذكر أن دراسة إلتون مايو قد فتحت الطريق أمام العلماء والباحثين الاجتماعيين والسلوكيين والإداريين إلى مزيد من الدراسات العلمية التجريبية لمعرفة آثار الممارسات الإدارية المتخلفة على العنصر البشري.

    ولكن البعض يرى أن مدرسة العلاقات الإنسانية جاءت كرد فعل للمدرسة الكلاسيكية في الإدارة والتي ركزت فقط على الإنتاجية، وأغفلت العامل الإنساني، فهي إذن نتيجة منطقية لسلبيات نظرية البيروقراطية والإدارة العلمية وهي أيضاً نمو طبيعي في الفكر الإداري لا يكتمل إلا به. فبينما تركز النظرية البيروقراطية ونظريات التقسيم الإداري على الجانب الهيكلي، وتركز المدرسة العلمية على الجانب الإجرائي، فإن مدرسة العلاقات الإنسانية تركز على جانب مهم ومكمل للجوانب الأخرى وهو الإنسان، وبذلك تعتبر هذه المدرسة إضافة جديدة وليست بديلاً للمدارس التي سبقتها.

    نتائج تجارب الهاوثورن:([13])

    1-ميل الأفراد العاملين في وحدة إنتاجية واحدة إلى تكوين تنظيمات غير رسمية فيما بينهم.

    2-تأثر تصرفات الأفراد داخل التنظيم بالإطار الذي ترسمه لهم الجماعة.

    3- الحوافز المعنوية تقوم بدور حيوي في تحفيز الأفراد إلى العمل.

    4- إن طاقة الفرد للعمل لا تتحدد طبقا للطاقة الفسيولوجية وإنما أيضا طبقا للطاقة الاجتماعية من حيث شعوره بالرضا والتفاهم القائم بينه وبين رؤسائه من جهة، ودرجة التعاون مع زملائه في العمل من ناحية أخرى.

    5- دور القيادة غير الرسمية في التأثير على سلوك الأفراد داخل التنظيم من حيث تكوين الجماعات ونمط العلاقات بينهم.

    وباختصار فان أبحاث ولسترن إلكتريك في الواقع بمثابة عودة التفكير السليم إلى علاقات العمل ويرجع ذلك للأسباب التالية:

    1-أن هذه التجارب قد أثرت الفكر الإداري بعدد من الفروض والآراء والأفكار التي ساهمت في دراسة وتفهم المواقف الإنسانية والسلوكية في محيط الأعمال.

    2-إن هذه التجارب قد مهدت السبيل لظهور منهج جديد في التفكير، وهو المنهج السلوكي الذي يمكن من خلاله اكتشاف المشكلات الإنسانية المعقدة والتعرف على أساليب علاجها".

    الانتقادات التي وجهت لتجارب الهاوثورن:([14])

    1-جاءت دراسة هاوثورن الشهيرة التي أجراها مايو في فترة زمنية محددة تاريخية لم تكن قد بلورت فيها معالم المشكلات الصناعية بعد، لاسيما دراستها لطبقة العمال نظرا لان معظمهم كانوا من الجيل الأول والثاني من المهاجرين الريفيين إلى المدن الصناعية، فجاءت انطباعاتهم غير واقعية عن وضعهم في مؤسساتهم ورأيهم في قياداتهم الذين تشكلوا مسبقا في نوعية الولاء والانتماء لهؤلاء العمال نحو مصانعهم وقدراتهم.

    2- لم تعطي اهتمامات أصحاب نظرية العلاقات الإنسانية أي نوع من الأهمية لوجود الصراع بين الأفراد والجماعات داخل مؤسسات الإنتاج والعمل أو لظهور أنماط من الاتصال السلبي والإشراف الإداري غير المتخصص.

    3- ركزت على أهمية الإشباع داخل المؤسسات الصناعية وذلك عن طريق خلق نوع من الانتماء نحو العمل والجماعة وظهور التنظيمات الغير الرسمية دون التركيز على أبعاد اقتصادية مثل: انساق المكافأة وزيادة الأجور وتوزيع الدخل والأرباح.

    4- التركيز على دراسة التكامل والتوازن بصورة مستمرة ولم يتم التركيز على انساق اللاتكامل واللاتوازن، أي سارت على نفس خط الاتجاه التأثير الإيديولوجي للنظريات الرأسمالية الغربية، وذلك بنظرتها لتحقيق التعاون والانسجام دون دراسة التنافس والصراع عامة".



    [1] - صلاح التنواني، إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية، الإسكندرية، دار الجامعات المصرية، 1976، ص360.

    [2] -دائرة التوثيق التربوي، معلومات تربوية، مسقط:وزارة التربية والتعليم، 1999، ص52-53.

    [3] -محمد رضا البغدادي، ندوة الإدارة المدرسية تجديد وتجويد:ورقة العلاقات الإنسانية ودورها في تطوير الأداء،(د.م):دائرة الإشراف التربوي، 2000، ص302.

    [4] -محمد منير مرسي، الإدارة التعليمية:أصولها وتطبيقاتها، القاهرة:عالم الكتب، 1996، ص 117، 119.

    [5] - صلاح التنواني، إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية، الإسكندرية، دار الجامعات المصرية، 1976، ص497.

    [6] - صلاح التنواني، المرجع السابق، ص520.

    [7] - عبد الله محمد اسعد وليلى إبراهيم العريان، العلاقات الإنسانية، وزارة التربية، الكويت، 1979- 1980، ص ص 15- 16.

    [8] - عبد الله محمد اسعد، مرجع سابق، ص ص 19-20.

    [9] -محمد منير مرسي، الإدارة المدرسية الحديثة، القاهرة:عالم الكتب، 1995، ص23،24

    [10] --يعقوب نشوان، الإدارة والإشراف التربوي بين النظرية والتطبيق، عمان:دار الفرقان، 1986، ص17-19.

    [11]- بدر، مرجع سابق، ص 289.

    [12] - بدر، مرجع سابق، ص296.

    [13] - ناصر دادي عدون، المؤسسة الاقتصادية، دار المحمدية العامة، الجزائر، 1998، ص10.

    [14] - ناصر دادي عدون، مرجع سابق، ص ص 13- 14.


  • ثالثا: ميدلتاون لروبيرت ليند

    نبذة تاريخية عن روبرت ليند:([1])

    روبرت ليند ولد في 27 سبتمبر 1882 توفي في أول نوفمبر 1970، عالم اجتماع أمريكي هو أستاذ في جامعة بلومبيا في نيويورك وقد اشتهر روبرت ليند وزوجته من خلال مؤلفاته في ميدلتاون تلقى روبرت ليند تعليمه ليصبح كاهنا في الكنيسة الكلونتانية وفي أوائل العشرينيات قام هو وزوجته بمسح على الأنشطة والممارسات الدينية في المجتمع المحلي الأمريكي، وكان المكان الذي اختاره هو مونسي بولاية انديانا وهي مدينة صناعية صغيرة يبلغ عدد سكانها حوالي 40 إلف نسمة، وقد أطلق على هذه المدينة اسم مستعار وهو ميدلتاون.

    وكان كتاب ميدلتاون أول كتب علم الاجتماع التي أصبحت من الكتب الأكثر مبيعا حيث حظيت بمناقشات خاصة في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما جعل كتبه مشهورة بين عشية وضحاها فقد حصل ليند بسبب إسهامه في هذا العمل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا وعين أستاذ لعلم الاجتماع عام 1931.

    دراسة روبرت ليند وزوجته لميدلتاون:

    وقد نجد في دراسة " الميدلتون " أنموذجا واضحا لهذا التوجه المنهجي الجديد ، إذ ذهب (روبرت وهيلين ليند) Robert and Helen Lynd إلى مدينة " مونسي" Munice بولاية " انديانا " ليقدمان بعد أن مكثا في مونسي ثمانية عشر شهرا ، تحليلا مفصلا للحياة الاجتماعية ، ولشريحة صغيرة من المجتمع الأمريكي ، وكان الهدف من ذلك وضع تصور سوسيولوجي عن المجتمع المحلي ، مركزين على ست مظاهر للحياة الاجتماعية ( نوع العمل ، حياة الأسرة ، تربية الطفل ، الدين ، نشاط المجتمع المحلي ، نشاطات وقت الفراغ ) . وبعد مضي ما يقرب من عشرات سنوات من دراسة روبرت وليند ، عادا إلى مدينة مونسى ، ليوضحا كيف تغيرت المدينة الصغيرة ، لاسيما بعد أزمة الثلاثينيات ، فاصدرا مرة أخرى " الميدلتون " بصيغته الانتقالية سنة 1937 ، وقد أوضحا لنا أم هنالك متغيرا جديدا حظي باهتمام تلك الفترة ، إذ تركزت الدراسة أعلاه على توزيع القوة ، والتأثير داخل المجتمع المحلي . كما أوضح الباحثان، كيف أن السلطة الاجتماعية والسياسية تركزت في أيدي أسرة معينة كانت تسيطر على الحياة الاقتصادية وعلى العمالة المحلية في المدينة، ليكون هذا الاهتمام لاحقا دافعا نحو توجه دراسات المجتمع المحلي للمحاور السياسية.

    أن دراسة الميدلتاون، كانت حافزا لدراسات مثيلة في هذا الإطار ، إذ نلحظ نفس الإجراءات المنهجية التي استخدمت في الدراسة أعلاه . فقد طبقت في دراسة مدينة " اليانكي سيتي " Yankee City لمؤلفها لويد وارنر Loyd Warner مع فريق من الباحثين في مدينة بلغ عدد سكانها (19,000) نسمة ، لكن هذه الدراسة لم تحظى بالقبول الأكاديمي الكبير؛ لان لويد وارنر استخدم متغير ( الطبقة ) ليتخذه معيارا أحاديا في وصف كل مظاهر الحياة الاجتماعية ، وهو عكس ما قام به روبرت ليند من استخدامه لعدة متغيرات في وصف حياة المدينة ، وعموما فان وارنر ركز على تناقضات بسيطة وسطحية ، ما بين الطبقات الاجتماعية المختلفة في المدينة([2]) .

    ومن الدراسات الشبيهة في هذا الإطار ، تلك الدراسة التي قدمها ميشيل يونج Young  وبيتر ويلموث Willmoth الأسرة والقرابة في شرق لندن سنة 1957 ، وقد أشار الباحثان في بحثهما " الطبقة العاملة التقليدية في بنثال جرين " عدم ملائمة المبررات التقليدية والمتداولة حول التحول والانتقال إلى نمط الأسرة النووية في المجتمعات الصناعية . فمع هذا التطور الصناعي بقيت العائلة الممتدة ، ولكن في شكل معدل ، تكون السلطة فيها للام وعلاقتها بابنتها مما أدى إلى ظهور ما يسمى بـ ( مجتمع محلي امومي ) ارتكز على دور الأم في مساعدة ابنتها ، لاسيما في مجال تربية الطفل[3] . هذا ويوضح (Thorstein Verblen) في نظريته عن الطبقة المترفة ، إن نشوء هذه الطبقة ازداد مع تطور المجتمع الصناعي ، إذ يرى أن في المدينة الصناعية المتطورة يصبح استعراض سلطان المال ، وبالتالي بلوغ حسن السمعة والمحافظة عليها ، هي الفراغ والاستهلاك الواضحين واللذين يميزان حياة المدينة . وعلى هذا الأساس، يرى أن الفراغ والاستهلاك من الوسائل المحببة إلى الناس من أعلى درجات السلم الاجتماعي إلى أدنى درجة. إن هذا الخضوع للفراغ والاستهلاك المظهري لطبقات المجتمع ، إنما فرضته حياة المدينة على الأفراد([4]).

    أما إذا انتقلنا إلى أمريكا ، فإننا سنجد باحثيها اهتموا بنفس الموضوعات السابقة تقريبا، إذ نرى هربرت جانز Gans أجرى دراستين حول الحياة الاجتماعية في إحدى الضواحي، كضاحية " الليفتون " Levittion ليوضح لنا أن حياة الأسرة تشكل محور الارتكاز في الضاحيتين ، ويعزو سبب توسع الضاحية إلى دور الطبقة الوسطى في ذلك ، خاصة في تربية أطفالها . هذا وقد أوضح جانز وجود العلاقات القرابية الوثيقة عند القرويين لاسيما الجماعات الايطالية ، وهي تعد أهم الموجهات للحياة الاجتماعية في الضاحية ، إلى جانب انه استطاع أن يقدم لنا طريقة جديدة للحضرية خلافا لـ (ويرث ) موضحا أن هناك علاقة وثيقة بين السياقات الفيزيقية خاصة السياقات السكنية والجوار ، وطرق الحياة السائدة  فطريقة جانز ، تعبر عن الملائمة مع الإقامة والعيش في الضواحي.

    وسيرا على خطى دراسات المجتمع المحلي، جاءت اهتمامات أكاديمية جديدة، لتسلط الضوء على الحكومة المحلية، وكان الدافع إلى ذلك هو حركة إصلاح المجالس البلدية، إلى جانب التطور الحاصل في مجال العلوم السياسية والسلوكية. وفي هذا السياق ، ظهرت دراسة فلويد هانتر Hunter سنة 1952 عن أشكال التأثير السياسي والاجتماعي في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا ، إذ كان عدد سكانها وقت الدراسة (500,000) نسمة ، وكان هدفه هو التركيز على العمليات السياسية المحلية ، خلافا للدراسات السابقة التي ركزت على الأسرة والقرابة. وأوضح هانتر كيف أن القوة كانت في أيدي الصفوة الاجتماعية والاقتصادية بالمدينة، وليس بيد النخب المحلية. وبالتالي فقد أفرزت لنا هذه الدراسة حقلا جديدا من الاهتمام تمثل في ضرورة دراسة السياسات الحضرية([5]).

    وفي الوقت الذي أشار إليه هانتر إلى موضوعة السيادة السياسية، برز على النقيض من ذلك روبرت دال Dahl ليشيرالى تشتت وتنوع بناءات القوة في المجتمع المحلي، وهذا ما نفهمه على الأقل من عنوان كتابه " من الذي يحكم " Who Governs وكان ذلك في سنة 1961 ، فقد وجد في مدينة نيو هافن أن الصفوة الاجتماعية والاقتصادية لم تكن مهتمة بسياسات المجتمع المحلي ، بمعنى أن هناك تعددية في امتلاك القوة([6]).

    إذن تنظيم المدينة لا يصح أن ينظر إليه فقط بأنه انعكاس للطبيعة البشرية ـ كما أشار بارك ـ وإنما يجب أن نربط هذا التنظيم بوصفه يعكس لنا أنماطا متنوعة من المصالح السياسية وبناءات السلطة ، وبالتالي فالبيئة الحضرية نتاج العمليات الاجتماعية والسياسية ، ولنقل أيضا العمليات الايكولوجية.

    أهم دراسات ميدلتاون:([7])

    سرعان ما تجاوزت دراسة ميدلتاون هدفها الأصلي والمتمثل في دراسته الأنشطة والممارسات الدينية داخل الكنيسة اتسعت لتغطي جميع الجوانب الأساسية للحياة الاجتماعية المنظمة تحت ستة عناوين وهي:

    1-كسب القوت.

    2- تأثيث المنزل.

    3- تنشئة الصغار.

    4- استخدام وقت الفراغ.

    5- المشاركة في الممارسات الدينية.

    6- المشاركة في أنشطة المجتمع المحلي.

    وتنقسم كل من هذه الأقسام إلى أقسام أخرى فعلى سبيل المثال نجد أن مناقشته أنشطة المجتمع المحلي في ميدلتاون، شملت وسائل الإدارة الحكومية والمحافظة على الصحة ورعاية المعوقين والحصول على المعلومات والعوامل المفضية إلى تضامن الجماعة.

    كما قام ليند وزوجته بفتح مكتب محلي لجمع البيانات لمدة استغرقت 18 شهرا وخلال تلك الفترة شارك ليند وزوجته قدر الإمكان في جميع جوانب المجتمع المحلي، وعمد التقرير النهائي للبحث على مزيج من البيانات الرسمية والانطباعات الغير الرسمية وقامت الدراسة على مقارنة دقيقة بين ميدلتاون المعاصرة 1924- 1925 وميدلتاون من جيل مضى 1890.

    إضافة إلى الدراسة السابقة اكتشف كل من ليند وزوجته ظواهر سلبية للحياة في ميدلتاون الأولى تغاضيا عنها أو ورها بدرجة اقل من الواقع ففي مناقشة الدعارة أو بحث الدراسة الأولى انحصارها ووجود بيتين أو ثلاثة يمارسونها في الخفاء وبعد 10 سنوات اكتشفت ميدلتاون وزوجته إن ميدلتاون في 1925 كانت تمثل مركز للدعارة بإقليم كبير وأنهما فشل في ملاحظة وجود منطقة أو حي للبغاء بجانب حي الأعمال كما أصبح ليند وزوجته على دراية بان نسبة كبيرة من السكان كانوا يعيشون في مساكن مقترنة، لا توجد بها مياه نقية أو تدفئة كافية وان إدمان المسكرات كان منتشرا في 1925، كانت تمثل مركز للدعارة بإقليم كبير وأنهما فشل في ملاحظة وجود منطقة أو حي لبغاء بجانب حي الأعمال، كما أصبح ليند وزوجته على دراية بان نسبة كبيرة من السكان كانوا يعيشون في مساكن مقترنة لا توجد بها مياه نقية أو تدفئة كافية وان إدمان المسكرات كان منتشرا في 1925، وان التعصب ضد الزنوج كان يمثل مرض مستعصي وان الصحافة المحلية كانت تتعرض لمناورات، وان الماء كان ملوث بدرجة خطيرة.

    كما أعاد ليند وزوجته النظر حول البناء الطبقي ليأخذ بعين الاعتبار دور الأسر ذات النفوذ التي كانت تمتلك صناعة محلية، والتي كانت تمارس نوعا من السيطرة على المجتمع المحلي من خلال علاقتهما الإستراتيجية مع البنوك والمكاتب القانونية ومجلس التعليم والجمعيات الخيرية والكنائس والصحافة والأحزاب السياسية وقد عزز الكساد هذه السيطرة".

    أهم الأدوات التي استخدمها كل من ليند وزوجته في جمع المعلومات:([8])    

    -استخدم الملاحظة بالمشاركة.

    - القيم بفحص البيانات الوثائقية.

    - جمع الإحصاءات.

    - إجراء المقابلات.

    - الاستعانة بالاستبيانات.

    ومن بين الوثائق المكتوبة نجد:

    -سجلات المدينة والإقليم.

    - ملفات المحاكم.

    - سجلات المدارس.

    - تقارير الولاية وكتبها السنوية.

    - محاضر الاجتماعات.

    - الأحداث المحلية.

    - الخرائط.

    وغيرها من الوثائق.

    أهم نتائج الدراسة:([9])

    من النتائج الأساسية للدراسة الأولى للانقسام الحاد للمجتمع المحلي إلى طبقة رجال الأعمال التي تحصل على معظم دخلها من العمل مع الناس وطبقة العمال التي تحصل على معظم دخلها من العمل على الأشياء، وتختلف هاتان الطبقتان، اختلافا حادا بدرجة تفوق ما يدرسه أعضاؤها، ويتضح هذا الاختلاف في فرص الحياة، ونظام المعيشة اليومي "الروتين اليومي" والعلاقات الأسرية.

    كما تأثر هاتين الطبقتين بالتغير الاجتماعي بدرجة غير متكافئة، كما كان الصغار أكثر استجابة لهذا التغير الاجتماعي من والديهم، وكانت النساء أكثر استجابة له من الرجال خاصة في طبقة رجال الأعمال.

    كان هناك نوع من التدرج فيما يتعلق بسرعة التغير الاجتماعي في النظم الاجتماعية الستة، إذ كان التغير أكثر سرعة في النشاط الاقتصادي يليه وقت الفراغ، والتعليم وأنشطة المجتمع المحلي، والأنماط الأسرية والدين النظامي على هذا الترتيب.

    لقد كان تحقيق هذا التوازن عام 1925 أسهل إلى حد ما على الرجال في طبقة رجال الأعمال مقارنة بالعمال، على الرغم من اهتزاز ثقتهم نتيجة الرغبة في التغير من جانب زوجاتهم والتمرد من جانب أطفالهم في طور المراهقة.

    وفي عام 1935 كانت ميدلتاون قد بدأت تصحح وضعها الناتج عن انهيار الصناعة والبطالة وتعطل التقدم الاقتصادي للمجتمع المحلي تعطلا كاملا، وأصبح حوالي ربع الأسر يعيش على المساعدات العامة، وانخفضت أعداد الزيجات والولادات وانتشار الحركة النقابية بين العمال، والصراعات الكامنة في القيم داخل مجتمع الميدلتاون.

    والاهم من ذلك إن ليند وزوجته أعاد النظر في وجهة نظرهما السابقة حول البناء الطبقي ليأخذ في الاعتبار دور الأسر ذات النفوذ التي كانت تمتلك الصناعة المحلية الرئيسية، والتي كانت تمارس نوعا من السيطرة على المجتمع المحلي برمته من خلال علاقتهما الإستراتيجية مع البنوك الرئيسية، والكنائس والصحافة والجمعيات الخيرية.

    أدرك ليند وزوجته وجود طبقة عليا ناشئة تتكون من رجال الصناعة الأثرياء، وأصحاب البنوك والمديرين المحليين للشركات الوطنية، ويقسمان طبقة رجال الأعمال إلى طبقة وسطى عليا مؤلفة من أصحاب المصانع والتجار وأصحاب المهن الفنية المتخصصة، والمديرين التنفيذيين.

    وطبقة وسطى دنيا تتألف من صغار باعة التجزئة والعاملين بالخدمات.

    كما يقسمان الطبقة العاملة إلى الارستقراطية العمالية، المكونة من رؤساء العمال والحرفيين والعمال المهرة، والطبقة الدنيا المكونة من العمال غير المهرة والعمال الذين يعملون بصفة عرضية أو مؤقتة والكثير من هؤلاء من البيض الفقراء القادمين من المناطق الجبلية المجاورة.  



    [1] - محمد الجوهري، مرجع سابق، ص133.

    [2] - محمد علي محمد، علم اجتماع التنظيم، ج/1، (دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1979)، ص155-156

    [3] . See:M.Young&p.Willmott.

    [4] . ثورشتاين فيبلن ، الطبقة المترفة ، ترجمة : محمود محمد موسى ، مراجعة : د. ابراهيم سعد الدين ، (الدار المصرية للتأليف والترجمة ، بدون سنة ) ، ص58-59

    [5] . F.Hunter,pp.1-5

    [6] . R.Dahl,pp.1-11.

    [7] - محمد الجوهري، مرجع سابق، ص ص 133- 134.

    [8] - تيودور كابلوف، البحث السوسيولوجي، دار الفكر الجديد، بيروت، 1979، ص31.

    [9] - تيودور كابلوف، المرجع السابق، ص ص 32- 34.


  • رابعا: يانكي سيتي "لويد وارنر William Lloyd Warner"

    مفهوم مصطلح يانكي:([1])

    يانكي yankee أو yank في بريطانيا مصطلح له عدة استعمالات، يستعمل في بريطانيا وبعض دول العالم للإشارة إلى سكان الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يستعمل في أمريكا للإشارة إلى سكان نيو انجلاند new england خصوصا ذوي الأصول الانجليزية، ويطلق على سكان الولايات الشمالية عموما ب "يانكي".

    أصل كلمة يانكي:([2])

    اليانكي اسم يطلق على الشخص القادم من الولايات المتحدة، وتعني كلمة يانكي في جنوب الولايات المتحدة، الشمالي أو آخر شخص قادم من شمال خط ماسون وديكسون.

    ويستخدم معظم سكان الولايات المتحدة كلمة يانكي بمعنى new england وليس هناك من هو على يقين بشان أصل كلمة يانكي، وتنص بعض المعاجم على أن الكلمة الانجليزية يانكي، جاءت من الكلمة الاسكتلندية يانكي، واليانكي هي المرأة المجتهدة والنشيطة.

    وتشير معاجم لغوية أخرى إلى أن اليانكي هو النطق الهندي لكلمة انجليزي، أو نطق الفرنسية لكلمة "أنجليه".

    وقد أطلق الفلمنكيون الأوائل في بعض الأحيان على سكان هولندا اليانكيز، ويعتبر هذا اللفظ اختصارا للأسماء الهولندية الشائعة جان وكورنيليس، ويعتقد آخرون أن سكان الفلاندر أطلقوا نفس الاسم على الهولنديين، الذين يعيشون في شمال أمريكا".

     

    نبذة تاريخية عن ويليام وارنر:([3])

    كان عالم انثر وبولوجي أمريكي وعالم اجتماع شهير بدراسة الطبقة الاجتماعية والبنية الاجتماعية للثقافة الأمريكية الحديثة، اسمه الحقيقي "ويليام لويد وارنر" ولد في 26 أكتوبر 1898 في كاليفورنيا وتوفي في 23 ماي 1970 في شيكاغو، قام بتطبيق نذير للأساليب الانثروبولوجية للمشاكل الاجتماعية المعاصرة، مثل العلاقات العرقية والبنية الطبقية في البيئة الحضرية.

    ومن إسهاماته البارزة تعريف ثلاث فئات اجتماعية: العليا والوسطى، واقل من ذلك، مع كل مستوى مقسمة إلى مزيد من العلوي والسفلي، قام ببحوث واسعة النطاق على المجتمعات في الولايات المتحدة، ولاسيما دراسة طويلة الأجل لمدينة نيو انجلاند الصغيرة ونشر نتائجه في سلسلة يانكي، وشارك أيضا في دراسات هاوثورن الشهيرة من مايو، والتي كشفت عن أهمية التأثيرات الاجتماعية والنفسية في تحفيز العاملين.

    كانت وجهة نظر وارنر للمجتمع البشري لا يتطابق مع المؤسسات الأكاديمية من وقته، والكثير من عمله لم يكن استقبالا حسنا في ذلك الوقت، ومع ذلك رائدة بحثه تطبيقا للبحوث العلمية في إطار الأعمال التجارية في المناطق الحضرية، وشدد على أهمية العوامل الاجتماعية والنفسية، بدلا من الدوافع المالية الخارجية، في التعامل مع قضايا الطبقة الاجتماعية والحراك الاجتماعي.

    أعماله:([4])

    كانت دراسة مدينة يانكي أهم أعماله مما لا شك فيه الفحص الأكثر طموحا ومستداما للمجتمع الأمريكي، وارنر وفريقه المتكون من 30 باحثا اختار مدينة نيو انجلاند الصغيرة من new bury port  نيو بري بورت المدينة الصغيرة الساحلية.

    سلسلة دراسات يانكي سيتي:([5])

    كانت دراسة يانكي سيتي نتاجا مباشرا لتجارب هوثورن، التي كان لويد وارنر قد شارك فيها لفترة قصيرة. ووارنر عالم "انثروبولوجيا" حول اهتمامه من المجتمعات البدائية إلى المجتمعات الحديثة.

    كان قد خطط الباحثون في ويسترن اليكتريك لدراسة علاقة مصانع هوثورن بالمجتمع المحلي المحيط بها. ولقد بين البحث الدقيق وجود بعض المعوقات أمام دراسة مدينة كبيرة كمدينة شيكاغو، وبدا البحث عن مجتمع محلي صناعي صغير يمكن فيه دراسة مشكلات العمال في إطار السياق الاجتماعي الكلي الذي يعيشون فيه، وقد رغب وارن ران يدرس مجتمعا محليا اقل تفككا من الأحياء الصناعية بمدينة شيكاغو، أي مجتمع تتميز فيه الأنماط الاجتماعية بالاستقرار النسبي ومقاومة التغير، وهذا ما جعل اختياره ينحصر على نيو انجلاند. وقد وقع الاختيار في النهاية على "نيو بري بورت" new bury port في "ماساشوسيتس". وهي مدينة ساحلية صغيرة لها تاريخ طويل ومتواصل. وكانت تضم حوالي 17 ألف نسمة وقت الدراسة.

    نتائج الدراسة:([6])

    لقد بدا العمل الميداني عام 1931 وانتهى عام 1935، وخرجت نتائج المشروع في خمسة مجلدات ضخمة ظهرت في الفترة ما بين 1941 و1959 وفقا لخطة البحث الأصلية.

    وتغطى هذه المجلدات النمط العام للحياة الاجتماعية في يانكي سيتي، وتحليلا دقيقا لنسق المكانة، وأوضاع ثماني جماعات عرقية في المجتمع المحلي (الايرلنديون والكنديون الفرنسيون واليهود والايطاليون واليونانيون والبولنديون والروس)، والتطور المفاجئ الهام لصناعة الأحذية المحلية، والرموز السياسية والتاريخية والدينية في يانكي سيتي، وقد ساعد وارنر في إعداد هذه المجلات مجموعة من المشاركين والمساعدين الأكفاء، وواصل كثير منهم إجراء بحوث هامة خاصة بهم فيما بعد.

    أوجه التشابه والاختلاف بين يانكي سيتي وميدلتاون:([7])

    ويتشابه مشروع يانكي سيتي مع المشروع الأول في ميدلتاون مع نواحي عديدة، إذ نجد للمرة الثانية مجموعة متحمسة من شباب الباحثين تنتقل إلى المجتمع المحلي، وتحيط سكانه علما بأهدافهم العامة، وتسعى إلى جمع معلومات غزيرة باستخدام طرق عديدة: الملاحظة بالمشاركة، ورسم الخرائط، والعد الإحصائي، والمقابلات، والاستبيانات، وتاريخ الحالة، والوثائق العامة، والصحف، واليوميات، والمذكرات. وكما هو الحال في ميدلتاون كان الاكتشاف الهام المبكر. هو وجود نسق واضح من الطبقات الاجتماعية يؤثر في حياة السكان من جميع الجوانب. وكما هو الحال أيضا في ميدلتاون اتضح أن وجود الباحثين كان له تأثير ضخم على الوعي الاجتماعي للسكان.

    بيد أن الاختلافات بين الدراستين تعادل في أهميتها أوجه التشابه بينهما، فقد كان التركيز في ميدلتاون منصبا على التغيرات الاجتماعية التي حدثت بين 1890 و1925، أما في يانكي سيتي فقد تمت دراسة التغير بصفة منتظمة عبر فترة زمنية أطول، ويمكن أن تعد ميدلتاون عينة من المجتمع الأمريكي أو على الأقل عينة من وسط غرب أمريكا، أما يانكي سيتي فهي تمثل شريحة اقل نمطية من الحياة الأمريكية، وقد ساد مشروع يانكي سيتي اهتمام بأماكن معينة وأشخاص بعينهم.

    "وتمثل أهم الاختلافات المنهجية بين المشروعين في معالجة الجماعات في ميدلتاون على أنها تجمعات aggregates في حين تم ترتيب البيانات التي جمعت في يانكي سيتي حسب أسماء الأفراد، ويتكون الجزء الرئيسي من التحليل من تعقب روابط الأفراد وعلاقاتهم باستخدام نظام الملفات "ملف لكل فرد" الذي يجمع المعلومات بشكل فردي عن كل ساكن تقريبا من سكان المدينة".([8])

    النظام الطبقي في يانكي سيتي:([9])

    ويتكون النظام الطبقي من:

    طبقتين أو أكثر من الناس الذين يعتقد أنهم في أوضاع عليا ودنيا، وفقا لترتيب أعضاء المجتمع المحلي، ويفضل الزواج داخل نفس الطبقة، من أن قيم المجتمع تبيح الزواج بين أفراد ينتمون إلى طبقات مختلفة، كما أن النسق يساعد الأطفال أن يظلوا في نفس مكانة والديهم. ويقوم المجتمع الطبقي بتوزيع الحقوق والامتيازات، والواجبات والالتزامات بدرجة غير متكافئة بين الرتب الدنيا والعليا. ويتميز نسق الطبقات المفتوحة على عكس نسق الطبقات المغلقة، بقيمة الخاصة بالصعود والهبوط على السلم الاجتماعي، وهذا هو التسلق الاجتماعي باللغة الدارجة أو الحراك الاجتماعي باللغة المتخصصة، وقد وجدنا أن النسق الاجتماعي في يانكي سيتي يسوده نظام طبقي.

    ويتألف النظام الطبقي من ست طبقات أو من ثلاث طبقات رئيسية كل منها ينقسم بدوره إلى قسمين، وباللغة الدارجة توجد أسماء لهذه الطبقات تستند إلى إحياء المدينة (مثل سكان شارع هيل، وسكان شارع سايد، وسكان ريفر بروكر).

    وتدل هذه التسميات كتعبيرات مهدبة عن التصنيفات الطبقية، والطبقات الست –بلغة وارنر- هي: العليا- العليا، العليا- الدنيا، الوسطى- العليا، الوسطى- الدنيا، الدنيا- العليا، والدنيا- الدنيا.

    "وتتألف الطبقة العليا-العليا من العائلات العريقة التي حافظ إسلافها على وضع قيادي في المدينة على مدى ثلاثة أجيال على الأقل، ويلي ذلك العائلات الجديدة "العليا- الدنيا" التي يتشابه أسلوب معيشتها مع أسلوب معيشة العائلات العريقة، ولكنه أسلوب مكتسب حديثا وتتكون الطبقة "الوسطى-العليا" من رجال الأعمال وأصحاب المهن الفنية المتخصصة الذين يتمتعون بقدر من الاستقلالية.

    وتتألف الطبقة الوسطى-الدنيا من صغار التجار والعمال أصحاب الياقات البيضاء. ويشكل عمال المصانع السواد الأعظم من الطبقة الدنيا- العليا. أما الطبقة الدنيا- الدنيا فتتكون من ساكني ريفر بروكر الذين يعملون بصفة غير منتظمة، يحصلون على قوت غير مضمون من العمل العرضي، وأعمال الحفر، وصيد البحر، والمهن غير النظامية.

    ويلاحظ أن اليانكيين (هم الأشخاص المنحدرين من المستوطنين الانجليز الأول في نيو انجلاند) هم الجماعة السائدة، ويشكل اليانكيون من أصل محلي حوالي نصف مجموع السكان، وهم ممثلون في جميع الطبقات الست خاصة في الطبقتين العليا والدنيا".([10])

    "([11])وينتمي حوالي ربع السكان إلى جماعات عرقية عديدة بدأت تستوطن يانكي سيتي في الأربعينيات من القرن الماضي، وهم ممثلون في جميع الطبقات باستثناء الطبقة العليا، ويبدو أن جميع الجماعات العرقية ارتفعت مكانتها باطراد وقت إجراء الدراسة، مع تزايد نسبة السكان الوطنيين وانتهاء عزلتهم الثقافية عن أغلبية السكان.

    ومع أن وارنر أشار أحيانا إلى "تنظيم الحياة" في يانكي سيتي، فان النسق الطبقي ليس تنظيما بالمعنى المألوف عند عالم الاجتماع، أي نسق اجتماعي له أهداف جمعية واضحة، وحتى الوقت الذي وصل فيه فريق البحث لم يوجد فرد واحد، في هذه المدينة، كانت لديه معرفة وافية بالنسق الطبقي، مع أن كل فرد لديه تصور عن بعض ملامحه، وهذا النسق الطبقي نمط تلقائي نتج تدريجيا عن ظروف تاريخية، وأصبح قادرا على الاستمرار لان نيو برى بورت تتميز بحجم ثابت نسبيا من السكان، ولم تتعرض لأية ضغوط حادة من الخارج.

    ومع أن النسق الطبقي في يانكي سيتي يرتكز في النهاية على ملكية رأس المال والوصول إلى الأوضاع من خلال فرص الكسب المختلفة، فانه يصعب تفسير هذا النسق تفسيرا كاملا من خلال العوامل الاقتصادية وحدها، فالناس في كل طبقة أكثر ثراء في المتوسط عن الناس في الطبقة الأدنى منها، بيد أن هناك فجوة زمنية، وأحيانا ما تكون فترة زمنية طويلة للغاية، بين أي تغير في الوضع الاقتصادي للأسرة والتغير المقابل في مكانتها، لدرجة أن نفرا من أعضاء الطبقة العليا يعيشون في فقر تقريبا، في حين يحوز بعض أفراد الطبقة الوسطى الدنيا دخولا مرتفعة، ويبدو أن المحك الرئيسي للنسق الطبقي لا يتمثل في مقارنة الدخول بل يتمثل في مجموعة معقدة ودقيقة ومتشعبة من القواعد يتم بواسطتها اختيار أو رفض الأفراد لأنماط معينة من العلاقات، فالعضوية التي تبدو هامة ومؤثرة في يانكي سيتي هي عضوية الأسرة والزمرة والرابطة، والجماعة الاقتصادية، ولكل جماعة من هذه الجماعات نمطها الطبقي الخاص بها، فأعضاء نفس الأسرة عادة ما ينتمون إلى نفس الطبقة، وأعضاء الزمرة ينتمون إلى طبقة أو طبقتين متقاربتين وأعضاء الرابطة ينتمون إلى تشكيلة من الطبقات تبعا لطبيعتها، أما أعضاء الجماعة الاقتصادية فيتفاوتون تفاوتا حادا من الناحية الطبقية".

    "ويدعم النسق الطبقي نفسه بفعالية واضحة، ويعود ذلك إلى أن الأفراد المستاءين يهاجرون إلى مكان آخر، أما الأفراد الذين يظلون موجودين يقبلون قيم يانكي سيتي"([12]).

    "ويتوقف أي نوع من أنواع الحراك الصاعد داخل هذا المجتمع على رغبة أشخاص من الطبقة الأعلى في انضمام الشخص الطامح إلى مكانة أعلى، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكون كل طبقة كبيرة بدرجة تمنع أي فرد أو زمرة أن تحتكر الوصول إليها، وأي مرشح للعضوية في الطبقة حر في أن يبحث عن مدخل ثاني إذا صعب عليه الدخول من المدخل الأول، وهكذا تمضي أرامل الطبقة العليا في يانكي سيتي حياتهم شبه معقدة من الخدع الخطيرة، ويمكن تفسير كل تجمع اجتماعي سواء من جانب الباحثين أو من خلال الأشخاص العاديين، بأنه عبارة عن جولة من لعبة مستمرة من اجل إحراز نقاط المكانة، وتتم ممارسة اللعبة بقوة في قمة السلم حيث تكون المكافأة أعظم في حين تتم ممارستها بأسلوب هادئ بين أفراد الطبقة الدنيا"([13]).

    دراسة وارنر لمشروع يانكي سيتي:([14])

    "رغم وارن ران يدرس مجتمعا محليا اقل تفككا من الأحياء الصناعية بمدينة شيكاغو، أي مجتمع تتميز فيه الأنماط الاجتماعية بالاستقرار النسبي ومقاومة التغير، وهذا ما جعل اختياره ينحصر في نيو انجلند، وقد وقع الاختيار في النهاية على "نيو بري بورث" new bury port، وهي مدينة ساحلية صغيرة لما تاريخ طويل ومتواصل، وكانت تضم حوالي 17 ألف نسمة وقت إجراء الدراسة.

    وقد بدأ العمل الميداني عام 1931 واكتمل عام 1935، وخرجت نتائج المشروع في خمسة مجلدات ضخمة، ظهرت في الفترة بين 1941 و1959 وفقا لحظة البحث الأصلية، وتغطى هذه المجلدات النمط العام للحياة الاجتماعية في "يانكي سيتي"، وتحليلا دقيقا لنسق المكانة، وأوضاع ثماني جماعات عرقية في المجتمع المحلي (الايرلنديون، الروس)، والتطور المفاجئ الهام لصناعة الأحذية المحلية، والرموز السياسية والتاريخية والدينية في "يانكي سيتي" وقد ساعد وارنر في إعداد هذه المجلدات مجموعة من المشاركين والمساعدين الأكفاء، وواصل كثير منهم إجراء بحوث هامة خاصة بهم فيما بعد.

    ويتشابه مشروع يانكي سيتي مع المشروع الأول في ميدلتاون من نواح عديدة، إذ نجد للمرة الثانية مجموعة متحمسة من شباب الباحثين تنتقل إلى المجتمع المحلي وتحيط سكانه علما بأهدافهم العامة، وتسعى إلى جمع معلومات غزيرة باستخدام طرق عديدة الملاحظة بالمشاركة، ورسم الخرائط، والعد الإحصائي، والمقابلات والاستبيانات، وتاريخ الحالة، والوثائق العامة والصحف واليوميات، كما هو الحال أيضا في ميدلتاون منصبا على اتضاح أن وجود الباحثين كان له تأثير ضخم على الوعي للسكان موضوع للدراسة".

    النظام الطبقي في يانكي سيتي:([15])

    يتكون النظام الطبقي في رأي كيرنر من طبقتين أو أكثر من الناس الذين يعتقد إنهم في أوضاع عليا ودنيا وفقا لترتيب أعضاء المجتمع المحلي، ويفضل الزواج داخل نفس الطبقة، مع أن قيم المجتمع تتيح الزواج بين أفراد ينتمون إلى طبقات مختلفة، كما أن النسق الطبقي يساعد الأطفال أن يظلموا في نفس مكانة والديهم، ويقوم المجتمع الطبقي بتوزيع الحقوق والامتيازات والواجبات والالتزامات بدرجة غير متكافئة بين الرتب الدنيا والعليا، ويتميز نسق الطبقات المفتوحة على عكس نسق الطبقات المعلقة، بالقيمة الخاصة بالصعود والمنوط على السلم الاجتماعي باللغة المتخصصة، وقد وجدنا أن النسق الاجتماعي في يانكي سيتي يسوده نظام طبقي.

    ويتألف النظام الطبقي من ست طبقات، أو من ثلاث طبقات رئيسية كل منها ينقسم بدوره إلى قسمين، وباللغة الدارجة توجد أسماء لهذه الطبقات تستند إلى إحياء المدينة، سكان شارع ميل وسكان شارع سايد، وسكان شارع ريفر بروكر، وتدل هذه التسميات كتعبيرات مهذبة عن التصنيفات الطبقية، والطبقات الست بلغة وارنر من الطبقة العليا- العليا، العليا، العليا الدنيا، الوسطى العليا، الوسطى الدنيا، الدنيا العليا والدنيا الدنيا حيث تتألف الطبقة العليا العليا من العائلات العريقة التي حافظ أسلافها على وضع مبادئ في المقدمة على مدى ثلاثة أجيال على الأقل، ويلي ذلك العائلات الجديدة العليا الدنيا التي يتشابه أسلوب معيشتها مع أسلوب معيشة العائلات العريقة ولكنه أسلوب مكتسب حديثا، وتتكون الطبقة الوسطى العليا من رجال الأعمال وأصحاب المهن الفتية المتخصصة الذين يتمتعون بقدر من الاستقلالية، وتتألف الطبقة الوسطى الدنيا من صغار التجار والعمال أصحاب الياقات البيضاء، ويشكل عمال المصانع السواد الأعظم من الطبقة الدنيا العليا، أما الطبقة الدنيا الدنيا الأخيرة فتتكون من ساكني ريفريروكر الذين يعملون بصفة غير منتظمة، ويحصلون على قوت غير مضمون من العمل العرضي، أعمال الحفر وصيد البحر والمهن غير النظامية.

    فالعضوية التي تبدو مؤثرة وهامة في "يانكي سيتي" هي عضوية الأسرة، والزمرة، الرابطة، والجماعة الاقتصادية، ولكل جماعة من هذه الجماعات نمطها الطبقي الخاص بها، فأعضاء نفس الأسرة عادة ما ينتمون إلى نفس الطبقة، وأعضاء الزمرة ينتمون إلى طبقتين متقاربتين، وأعضاء الرابطة ينتمون إلى تشكيلة من الطبقات تبعا لطبيعتها، أما أعضاء الجماعة الاقتصادية فيتفاوتون تفاوتا حادا من الناحية الطبقية.

    ويدعم النسق الطبقي نفسه بفاعلية واضحة، ويعود ذلك إلى أن الأفراد المستائيين يهاجرون إلى مكان آخر، أما الأفراد الذين يظلون موجودين يقبلون قيم "يانكي سيتي" ويتوقف أي نوع من الحراك الصاعد داخل هذا المجتمع على رغبة أشخاص من الطبقة الأعلى في انضمام الشخص الطامح إلى مكانة أعلى، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تكون كل طبقة (حتى الطبقة العليا العليا) كبيرة بدرجة تمنع أي فرد أو زمرة أن تحتكر الوصول إليها، وأي مرشح للعضوية في الطبقة حر في أن يبحث عن مدخل ثان إذا صعب عليه الدخول من المدخل الأول، وهكذا تمضي أرامل الطبقة العليا في "يانكي سيتي" حياتهن في شبكة معقدة من الخدع الخطيرة.

    ويمكن تفسير كل تجمع اجتماعي سواء من جانب الباحثين أو من خلال الأشخاص العاديين بأنه عبارة عن جولة من لعبة مستمرة من اجل إحراز نقاط المكانة، وتتم ممارستها بأسلوب هادئ بين أفراد الطبقة الدنيا".

    تنظيم الحياة في يانكي سيتي من خلال النسق الطبقي:([16])

    يلاحظ أن اليانكيين (هم الأشخاص المنحدرون من المستوطنين الانجليز الأوائل في نيو انجلند) هم الجماعة السائدة، ويشكل اليانكيون من أصل محلي حوالي نصف مجموع السكان، وهم ممثلون في جميع الطبقات الست خاصة في الطبقتين العليا والدنيا، وينتمي حوالي ربع السكان إلى جماعات عرقية عديدة بدأت تستوطن يانكي سيتي في الأربعينيات من القرن الماضي، وهم ممثلون في جميع الطبقات باستثناء الطبقة العليا-العليا، ويبدو أن جميع الجماعات العرقية ارتفعت مكانتها بالطرد وقت إجراء الدراسة مع تزايد نسبة السكان الوطنيين وانتهاء عزلتهم الثقافية عن أغلبية السكان.

    ومع أن وارنر أشار إلى تنظيم الحياة في يانكي سيتي، فان النسق الطبقي ليس تنظيما بالمعنى المألوف عند عالم الاجتماع، أي نسق اجتماعي له أهداف جمعية واضحة، وحتى الوقت الذي وصل فيه فريق البحث لم يوجد فرد واحد في هذه المدينة كانت لديه معرفة واضحة بالنسق الطبقي، مع أن كل فرد لديه تصور عن بعض ملامحه، وهذا النسق الطبقي نمط تلقائي ينتج تدريجيا عن ظروف تاريخية وأصبح قادرا على الاستمرار لان نيو برى يورت، تتميز بحجم ثابت نسبيا من السكان، ولم تتعرض لأية ضغوط حادة من الخارج.

    ومع أن النسق الطبقي في يانكي سيتي، يرتكز في النهاية على ملكية رأس المال والوصول إلى الأوضاع من خلال فرص الكسب المختلفة فانه يصعب تفسير هذا النسق تفسيرا كاملا من خلال العوامل الاقتصادية وحدها، فالناس في كل طبقة أكثر ثراء في المتوسط عن الناس في الطبقة الأدنى منها، بيد أن هناك فجوة زمنية وأحيانا ما تكون فترة زمنية طويلة للغاية، بين أن التغير في الوضع الاقتصادي للأسرة، والتغير المقابل في مكانتها لدرجة أن تفرا من أعضاء الطبقة العليا-العليا يعيشون في فقر تقريبا في حين يحوز بعض أفراد الطبقة الوسطى- الدنيا دخولا مرتفعا، ويبدو أن المحك الرئيسي للنسق الطبقي لا يتمثل في مقارنة الدخول، بل يتمثل في مجموعة معقدة ودقيقة ومتشعبة من القواعد يتم بواسطتها اختيار أو رفض الأفراد لأنماط معينة من العلاقات.

    مرتكزات دراسة وارنر ليانكي سيتي:([17])

    ملكية رأس المال والوصول إلى الأوضاع من خلال فرص الكسب المختلفة فانه يصعب تفسير هذا النسق تفسيرا كاملا من خلال العوامل الاقتصادية في كل طبقة، فالناس في كل طبقة أكثر ثراء في المتوسط عن الناس في الطبقة الأدنى منها، بيدا أن هناك فجوة زمنية.

    النسق الطبقي يعود أي أن الأفراد المستاءين يهاجرون إلى مكان آخر أم الأفراد الذين يظلون موجودين يقبلون قيم يانكي سيتي ويتوقف أي نوع من أنواع الحراك الصاعد داخل هذا المجتمع على رغبة أشخاص من طبقة الأعلى في انضمام الشخص الطامح إلى طبقة أعلى.

    إسهامات مشروع يانكي سيتي:([18])

    -انتشار وجهة نظر الأمريكيين عن مجتمعهم واتضح أن التنوع الأمريكي هو أساس التجانس المنظم في المجتمع الأمريكي مع ذلك فان هذا التطور كان له ثمنه ما دام أن النسق الطبقي الذي نما في نيو برى بورث كان بطبيعته سريا وغير معترف به وانحراف غير شرعي عن المثل الأمريكية السائدة عن الديمقراطية والمساواة بين الأشخاص.

    - وقد أمكن الباحثين من خلال هذا النسق أن يغيروا من طبيعته إلى حد ما وان يبرهنوا على صحة حجج من ادعوا مكانة عليا.

    - التسليم بوجود نسق طبقي في الولايات المتحدة الأمريكية.

    - النسق الطبقي الموجود في أمريكا مؤلف من ستة طبقات موجودة في مجتمعات أخرى دون الحاجة للبحث عن ذلك.

    نتائج مشروع يانكي سيتي:([19])

    وقد أسهم مشروع يانكي سيتي على مزاد دراسات ميدلتاون أن وجود بيت من الدعارة أو ثلاثة بيوت لممارسة الدعارة أوضحت الدراسة ممارستها في الخفاء، وبعد عشر سنوات اكتشف هو وزوجته أن ميدلتاون في عام 1925 تمثل مركزا للدعارة لإقليم كبير وأنهما فشلا ملاحظة وجود منطقة حي البغاء بجانب حي الأعمال وأصبح وزوجته على دراية بان نسبة كبيرة من السكان كانوا يعيشون في مساكن متهدمة لا توجد بها مياه نقية أو تدفئة كافية، وان إدمان المسكرات كان منتشرا عام 1925، والاهم من ذلك أن ليند وزوجته أعاد النظر في وجهة نظرهما السابقة، حول البناء الطبقي لتأخذ في الاعتبار دور الأسرة ذات النفوذ التي كانت تمتلك الصناعة المحلية الرئيسية.

    وأدرك ليند وزوجته وجود طبقة عليا ناشئة تتكون من رجال الصناعة الأثرياء، وأصحاب البنوك والمديرين المحلين للشركات الوطنية، وقلة ثرية تابعة لهذه الجماعات.

    وكذلك من النتائج المتوصل إليها، انتشار وجهة نظر الأمريكيين عن مجتمعهم واتضح أن التنوع المحلي هو أساس تجانس النظم في المجتمع الأمريكي، مع ذلك فان هذا التصور كان له ثمنه ما دام أن النسق الطبقي الذي نما في "نيو برى يورث" كان بطبيعته سريا، وغير معترف به، وانحرافا غير شرعي عن المثل الأمريكية السائدة عن الديمقراطية والمساواة بين الأشخاص، وقد أمكن للباحثين من خلال إظهار معالم هذا النسق، أن يغيروا من طبيعته إلى حد ما وان يبرهنوا على صحة من ادعوا مكانة عليا، وان يحصلوا من الصعب على الجماعات الوسطى والدنيا ادعاء المساواة النظرية، وهو الادعاء الذي  كان موجودا من قبل، ومع الشباب تم التسليم على نطاق واسع بوجود نسق طبقي في الولايات المتحدة، كما أن النسق الطبقي المؤلف من ستة طبقات الذي وجده "وارنر" في نيو برى بورث موجود في مجتمعات أخرى دون حاجة للبحث عن ذلك.



    [1] - john p. marquand, poit of no retun, boston, 1949, p144.

    [2] - john p. marquand, poit of no retun, boston, 1949, p144.

    [3] - ibid, p 145-146.

    [4] - ibid, p147.

    [5] -w. lloyd warner and paul s, university press, 1941, p106.

    [6] - ibid, p108.

    [7] - ibid, p109.

    [8] - ibid, p110.

    [9] -ibid, p112.

    [10] - ibid, p113.

    [11] - ibid, p113.

    [12] - ibid, p115.

    [13] - ibid, p116.

    [14] - محمد الجوهري، مرجع سابق، ص150.

    [15] - المرجع السابق، ص ص 151، 152.

    [16] - محمد الجوهري، مرجع سابق، ص153.

    [17] - محمد الجوهري، مرجع سابق، ص154.

    [18] - المرجع السابق، ص155.

    [19] - المرجع السابق، ص ص 145- 155.