المحاضرة رقم 5

معاني المزيد بحرف(مزيد الثلاثي بحرف)المعاني التي تزاد لها الهمزة و التضعيف

معاني الفعل المزيد.(أفعل)

يكون للتعدية مثل:أقعدت الأم ابنها.

يكون للصيرورة: مثل:ألبن،أتمر(صارذا لبن وذا تمر).

الدخول في المكان أو الزمان مثل:أصبح(دخل في الصباح)،أصحر(دخل في الصحراء).

ويكون للإزالة والسلب مثل:أعجمت الكتاب:أزلت عنه عجمته بنقطه.

ويكون لمصادفة الشيء على صفة مثل:أكرمته،أبخلته(صادفته كريما،ووجدته بخيلا).

ويكون للاستحقاق مثل:أحصد الزرع:استحق الحصاد.

ويكون للتعريض مثل:أبعته:عرّضته للبيع.

ويكون بمعنى استفعل:أعظمته،أي استعظمته.

ويكون للتمكين مثل:أحفرته البئر،مكنته من حفره.

ويكون للمطاوعة مثل:مثل:فطّرته فأفطر،وبشّرته فأبشر([1]).

الوزن الثاني: تضعيف العين.

التضعيف يدل على المعاني الاتية:

1-    التكثير في الفعل: مثل: طوّف الابن آباه بالكعبة(أكثر الطواف).

2-    صيرورة شيء يشبه شيئا آخر:قوس ظهره(جعله مثل القوس).

3-    نسبة الشيء إلى أصل الفعل مثل :كفّرفلان فلانا،أي نسبه إلى الكفر

4-    التوجه إلى المكان أو الناحية مثل:شرّق الرجل(توجّه إلى الشرق).

5-    "احتصار حكاية الشيء مثل:هلـّل،سبّح،ولبّى،وأمّن:إذا قال:لا اله إلاّ الله،

وسبحانالله، ولبّيك،وآمين"[2]

6-    قبول الشيء:شفـّعت أستاذا(أي قبلت شفاعته).

نأخذ بعض الأمثلة من القرآن الكريم من أجل الوصول إلى المعاني  التي عليها هذه الصيغة(فعّـل).

  جاء في قوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾([3])،الفعل (كفّلها) ، ومصدرها تكفيل ويذكر القرطبي أن الكوفيّين قرأوها بالتّشديد:"فهو يتعدى إلى مفعولين: والتّقدير وكفلها ربها زكريا، أي ألزمَه كفالتَها وقدر ذلك عليه ويسّره له"([4]).

 وفي رواية ورش بدون تشديد اللام (كفلَها)، ومصدرها كفالة  ويذكر قراءة أبيّ بالهمزة على وزن (أفعل) (وأكفلها)، الدّال على التّعديّة، ويبيّن أنّ الباقين قد خفّفوه على إسناد الفعل إلى زكريا "فأخبر الله تعالى أنّه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها ؛ بدلالة قوله : أيّهم يكفل مريم . قال مكي : وهو الاِختيار "([5]) .

   وقال البغوي:" قوله تعالى ( وكفّلها زكريا ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون زكريا في محلّ النّصب أي ضمنها الله زكريا وضمّها إليه بالقرعة ، وقرأ الآخرون بالتّخفيف فيكون زكريا في محل الرّفع أي ضمّها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها ، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن داود عليهما السّلام"([6])، (زكرياء) في القراءتين بين الفاعليّة والمفعوليّة، ففي قراءة (كفلَها) بدون تضعيف ،فإنّ زكرياء هو الذي قام بكفلتها وبالتّالي تكون كلمة (زكرياءُ) مرفوعة على الفاعليّة،أمّا القراءة الثّانية بالتّضعيف فتكون منصوبة على المفعوليّة.

 وفي قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾([7]). بمعنى تمسّك ، وقرأ بعضُهم:يُمْسِكون(تخفيف الميم وتسكينها،من الفعل:أمسك على وزن أفعل، ومضارعه: يُمسِك والمصدر إمساك. وقرأ آخرون بفتح الميم وتشديد السّين:   (يُمَسِّكُونَ)، من الفعل مسَّك على وزن فعّل ، يُمَسِّكُ والمصدر تمسيك.

قال البغوي:" ( والذين يُمْسِكُونَ بالكتاب ) قرأ أبو بكر عن عاصم ( يُمسكون) بالتّخفيف ، وقراءة العامّة بالتّشديد ، لأنّه يقال : مسّكت بالشّيء ، ولا يقال أمسكت بالشّيء  إنّما يقال : أمسكته ، وقرأ أبيّ بن كعب ( والذين تمسّكوا بالكتاب ) ، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى: (وأقاموا الصّلاة ) إذ قلّ ما يعطف ماض على مستقبل إلاّ في المعنى ، وأراد الذين يعملون بما في الكتاب "([8])  ،ويقول الرّازي:" أمّا قوله تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب )يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واِستمسكت به واِمتسكت به ، وقرأ أبو بكر عن عاصم (يُمسِكون ) مخففة ، والباقون بالتّشديد . أما حجّة عاصم فقوله تعالى: (فإمساك بمعروف)([9])  وقوله: ( أمسك عليك زوجك)([10]) ، وقوله :( فكلوا مما أمسكن عليكم)([11]) ، قال الواحدي : والتّشديد أقوى ، لأنّ التّشديد للكثرة وههنا أريد به الكثرة ؛ ولأنّه يقال : أمسكته ، وقلّما يقال أمسكت به ."([12])، مادام أن الفعل يكرّر وباستمرار فيكون على صيغة التّضعيف.

وفي قوله تعالى:﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾([13]).اِتخاذ الفعل من الاِسم الفعل (عبّد) على وزن (فعّل) وهو مضعف العين، يدلّ على تضعيف الفعل وكثرة وقوعه، وقد أخذ من الاِسم (تعبيد).

وقد قال القرطبي:" وقال الضحاك : إنّ الكلام خرج مخرج التّبكيت والتّبكيت يكون باِستفهام وبغير اِستفهام ؛ والمعنى : لو لم تقتل بني إسرائيل لرباني أبواي ؛ فأي نعمة لك علي ! فأنت تمنّ عليّ بما لا يجب أن تمنّ به . وقيل : معناه كيف تمنّ بالتّربية وقد أهنت قومي ؟ ومن أهين قومه ذلّ . و ( أن عبّدت ) في موضع رفع على البدل من " نعمة " ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى : لأنّ عبدت بني إسرائيل ; أي اتخذتهم عبيدا . يقال : عبدته وأعبدته"([14]).

     وفي قوله تعالى:﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا([15]) ، جذر الكلمة (كلم)  يدل معنى الجرح، فلما ضعّفت عينه (كلّم) صار  معناه يدلّ على الكلام، فيقال: كلّمته، تكليما وكلاما:حدّتثه، إذا فالفعل(كلّم) يدلّ على معنًى جديدٍ يختلفُ عن الأصل المجرّد.

قال أحمد العسقلاني: "( وكلّم الله موسى تكليما ) قال الأئمة : هذه الآية أقوى ما ورد في الردّ على المعتزلة ، قال النّحاس :أجمع النّحويون على أنّ الفعل إذا أكّد بالمصدر لم يكن مجازا"([16]) ، وذكرالقرطبي: " قالت اليهود : ذكر محمّد الأنبياء ولم يذكر موسى ؛ فنزلت (وكلّم الله موسى تكليما ) مصدر معناه التّأكيد ؛ يدلّ على بطلان من يقول : خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى ، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلّما . قال النّحاس : وأجمع النّحويون على أنّك إذا أكّدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا"([17]).

القولان يجمعان أنّ الكلام كان حقيقة لا مجازا.

        وفي قوله تعالى:﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾([18])،نجد أنّ الفعل (ننجّيك) يدلّ على قصد المكان ،و عندما نجرّده من السّوابق واللّواحق نجده بهذه الصورة (نجا) ،وقد قال اِبن منظور:" نجا : النجاء : الخلاص من الشّيء ، نجا ينجو نجوا ونجاء ، ممدود ، ونجاة ، مقصور ، ونجى واِستنجى كنجا قال الرّاعي:

فَإِلَّا تَنَلْنِي مِنْ يَزِيدَ كَرَامَةٌ أُنَجِّ    وَأُصْبِحْ مِنْ قُرَى الشَّامِ خَالِيَا"([19])

       وقال اِبن كثير:" قال ابن عباس وغيره من السّلف : إنّ بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون ، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح ، وعليه درعه المعروفة ( به) على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع ، ليتحقّقوا موته وهلاكه ؛ ولهذا قال تعالى: ( فاليوم ننجيك ) أي : نرفعك على نشز من الأرض  ببدنك ،  قال مجاهد :  بجسدك ، وقال الحسن :  بجسم لا روح فيه . وقال عبد الله بن شداد : سويا صحيحا ، أي : لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه.  وقال أبو صخر : بدرعك"([20])

 وقال الشوكاني:" قوله : فاليوم ننجيك ببدنك قرئ " ننجيك " بالتخفيف  والجمهور على التثقيل"([21]) قال القرطبي:" أي نلقيك على نجوة من الأرض . وذلك أنّ بني إسرائيل لم يصدّقوا أنّ فرعون غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض ، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه"([22]).والنظر في الأقوال السابقة أنهم يجمعون على أنه يدل على قصد المكان الذي يوصف بالنّجوة.

           وفي قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾([23]).

      الفعل (صبّح) يدلّ على الدّخول في الصّبح ،وقوله :بكرة : انصرف لأنه نكرة، ولو قصد به وقت بعينه امتنع للتعريف والتّأنيث. وهذا كما تقدم في "غدوة" ومنعها زيد بن علي الصرف، ذهب بها إلى وقت بعينه ."([24]) ، وذكر الزمخشري أنّها:"بكرة" أوّل النّهار وباكره كقوله: "مشرقين"، و "مصبحين". وقرأ زيد بن علي -رضي الله عنهما-: (بكرة) غير منصرفة، تقول: أتيته بكرة وغدوة بالتّنوين. إذا أردت التنكير، وبغيره إذا عرفت وقصدت بكرة نهارك وغدوته"([25]) ؛ إذاً جاءهم العذاب وقت الصّباح.

              وفي قوله تعالى :﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾([26])، قال الزمخشري:" لا يكذبونك ، قرئ : بالتّشديد  والتّخفيف  من : كذبه ، إذا جعله كاذبا في زعمه ، وأكذبه إذا وجده كاذبا ، والمعنى : أن تكذيبك أمر  راجع إلى الله ; لأنك رسوله المصدق بالمعجزات ، فهم لا يكذبونك في الحقيقة  وإنّما يكذبون الله بجحود آياته"([27]) ، وقال أثير الدّين الأندلسي:" وقرأ علي ونافع والكسائي بتخفيف ( يكذبونك ) . وقرأ باقي السّبعة وابن عباس بالتشديد ، فقيل : هما بمعنى واحد ، نحو كثّر وأكثر. وقيل : بينهما فرق حكى الكسائي أنّ العرب تقول : كذبت الرّجل إذ نسبت إليه الكذب ، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به ، دون أن تنسبه إليه ، وتقول العرب أيضا : أكذبت الرّجل إذا وجدته كذابا ، كما تقول : أحمدت الرّجل إذا وجدته محمودا ، فعلى القول بالفرق يكون معنى التّخفيف ، لا يجدونك كاذبا ، أو لا ينسبون الكذب إليك ، وعلى معنى التّشديد يكون إمّا خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إياه ، ويكون من نسبة ذلك إلى كلّهم على سبيل المجاز ، والمراد به بعضهم; لأنّه معلوم قطعا أنّ بعضهم كان يكذبه ، ويكذب ما جاء به  وإمّا أن يكون نفي التّكذيب لاِنتفاء ما يترتّب عليه من المضار ، فكأنّه قيل : ( لا يكذبونك ) تكذيبا يضرّك؛ لأنّك لست بكاذب  "([28]).

 فالفعل (يُكذبونك)،جاء بالتّخفيف في قراءة ورش،  وبالتّالي يكون الفعل من (أكذب ) وهو فعل مزيد بهمزة ، وهو يدلّ أنه نسبه إلى الكذب وفي رواية حفص بالتّشديد (يُكذّبونك) من الفعل(كذّب) وهو مضعف العين،كذلك يدلّ على أنّه نسبه إلى الكذب، وجاء في سياق الآية التي بعدها:" وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا"([29])،جاء الفعل(كُذِّبَتْ) مضعف العين، مما يدلّ على الفعل السّابق بأنّه جاء بالتّشديد.وهذه قرأها سبعة من القرّاء، وهذه حسب قراءة رواية حفص.

وفي قوله تعالى:﴿... وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾([30]).    الفعل (أجّل ) يدلّ على تحديد الوقت.

       قال أثير الدين الأندلسي " والأجل الذي بلغوه الموت ، قاله الجمهور وابن عباس والسدي وغيرهما . وقيل : البعث والحشر ، ولم يذكر الزّمخشري غيره . وقيل : هو الغاية التي انتهى إليها جميعهم من الاستمتاع ، وهذا القول منهم اعتذار عن الجنّ في كونهم اِستكثروا منهم  وإشارة إلى أن ذلك بقدرك وقضائك إذ لكل كتاب أجل ، واعتراف بما كان منهم من طاعة الشّياطين واتباع الهوى والتّكذيب بالبعث ، واستسلام وتحسر على حالهم . وقرئ : آجالنا على الجمع الذي على التّذكير والإفراد . قال أبو علي : هو جنس أوقع الذي موقع التي . انتهى . وإعرابه عندي بدل ، كأنّه قيل : الوقت الذي ، وحينئذ يكون جنسا ولا يكون إعرابه نعتا لعدم المطابقة "([31]) .

 وقد ذكر طاهر بن عاشور:" قوله : وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا استسلام لله ؛ أي : انقضى زمن الإمهال ، وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا للوقوع في قبضتك ، فسدّت الآن المسالك فلا نجد مفرا ، وفي الكلام تحسر وندامة عند ظهور عدم إغناء أوليائهم عنهم شيئا ، واِنقضاء زمن طغيانهم وعتوّهم ، ومحين حين أن يلقوا جزاء أعمالهم كقوله : ووجد الله عنده فوفاه حسابه "([32])

      وفي قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسالته﴾ ([33]) ، ( بلّغ) مضعّف العين من الفعل(بلغ).

جاء في لسان العرب أنّه" بلغ :  بَلَغَ الشَّيْءُ ،يَبْلُغُ بُلُوغًا وَبَلَاغًا : وَصَلَ وَانْتَهَى، وَأَبْلَغَهُ هُوَ إِبْلَاغًا وَبَلَّغَهُ تَبْلِيغًا ، فالفعل في الآية يدلّ على الإظهار.

  قال البغوي:" وقيل : بلّغ ما أنزل إليك أي : أظهر تبليغه ، كقوله:﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ  ﴾ ([34]) ، "وإن لم تفعل" : فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته ، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا ، غير خائف ، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك فما بلغت رسالته . والله يعصمك من النّاس  (يحفظك ويمنعك من النّاس) ، فإن قيل : أليس قد شجّ رأسه وكسرت

 رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟ قيل : معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك"([35])

       وقال محمد الأمين الشنقيطي : " أمر تعالى في هذه الآية نبيه - صلى الله عليه وسلّم - بتبليغ ما أنزل إليه ، وشهد له بالامتثال في آيات متعدّدة  كقوله : اليوم أكملت لكم دينكم "([36])،وقوله :﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ([37])  وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ([38]) ، ولو كان يمكن أن يكتم شيئا ، لكتم قوله تعالى :﴿ ...وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاه([39])  ، فمن زعم أنّه - صلّى الله عليه وسلّم - كتم حرفا ممّا أنزل عليه ، فقد أعظم الافتراء على الله ، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم"([40]).

 ولقد أظهر عليه الصّلاة والسّلام الرسالة كاملة تامّة،وقد ذكر حافظ بن أحمد الحكمي:" عن هارون بن عنترة ، عن أبيه قال : كنت  عند ابن عباس ، فجاء رجل فقال له : إن أناسا يأتون فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنّاس . فقال اِبن عباس : ألم تعلم أنّ الله تعالى قال:" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسالته ) ، والله  ما ورثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - سوداء في بيضاء وإسناده جيّد ، و قول عائشة - رضي الله عنها - قالت : من حدثّك أن محمّدا صلّىالله عليه وسلّم - كتم شيئا مما أنزل عليه ، فقد كذب ، والله تعالى يقول:(يا أيّها الرّسول بلّغ ما أُنزلَ إليكَ من رَبّكَ )"([41]). فدلالة الفعل (بلّغ)، تدلّ على الإظهار والتّبليغ:            

المحاضرة السادسة.



[1] - ينظر شذا العرف في فن الصرف ، أحمد الحملاوي ص 28

[2] - المرجع نفسه ص29

[3]  -آل عمران- 37

[4]  - الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي ،ج4/66

[5]   - المصدر نفسه ، ج4/66

[6]  - تفسير البغوي(معالم التنزيل)،الحسين بن مسعود البغوي ،  ج2 /32

[7]  - الأعراف- 170

[8] - تفسير البغوي(معالم التنزيل)،الحسين بن مسعود البغوي ،ج3 /298

[9]  -البقرة- 229

[10]  -الأحزاب -37

[11]  - المائدة- 4

[12]  - مفاتيح الغيب ، الرازي، دار الفكر ، بيروت- لبنان ، ط1 ،(1401هـ-  1981م) ،ج 15 /ص48

[13]  -الشعراء- 22

[14] -الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي ،ج13/ 92

[15]  النساء- 164

[16]  - فتح الباري ، أحمد العسقلاني، دار الرّيان للتراث، القاهرة ، دط ،(1407هـ- 1986م )، ج13/486

[17]  - الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي ، ج5 / 379

[18]  - يونس-92

[19]  - لسان العرب،اِبن منظور، دار صادر، (دط-2003م)،ج14/205

[20]  -تفسيرابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، دار طيبة، السعودية،دط (1422هـ - 2002م)،ج2/292

[21]  - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، محمد  الشوكاني ، ج1 /641

[22] - الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي ، ج8 /286

[23]  - القمر - 38

[24]  - الدرّ المصون ،  السمين الحلبي، ،دار القلم،دمشق ،( دط - دت ) ،ج10/144

[25]  - الكشاف،  الزمخشري، مكتبة العبيكان ،السعودية ،ط1،(1418هـ - 1998م) ، ج5/662

[26] -  الأنعام- 33

[27] - الكشاف ، الزمخشري،ج2/ 340

[28]  - التفسير الكبيرالمسمى المحيط،  أثير الدين الأندلسي، ،ج4 /112

[29] - الأنعام- 34

[30]  الأنعام- 128

[31]  - التفسير الكبيرالمسمى المحيط،  أثير الدين الأندلسي ،ج4/221

[32]  - التحرير و التنوير ،  الطاهر بن عاشور،ج8/70

[33] - المائدة - 67

[34]  -الحجر- 94

[35] - تفسير البغوي(معالم التنزيل)،الحسين بن مسعود البغوي ، ج3/79

[36]  - المائدة-  3

[37]  - المائدة- 99

[38]  -الذاريات- 54

[39]  - الأحزاب- 37

[40]  -  أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، محمد الأمين  الشنقيطي، ، دار الفكر،دط، (1415هـ،1995م) ج1/416

[41]  - معارج القبول بشرح الوصول إلى علم الأصول ، حافظ بن أحمد الحكي، ،دار ابن القيم،(1415هـ-1995م ) ج3/1110